
جمال عبد الناصر
1
قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ
قتلناكَ..
ليسَ جديداً علينا
اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ
فكم من رسولٍ قتلنا..
وكم من إمامٍ..
ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ
فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ
وأيامُنا كلُّها كربلاءْ..
2
نزلتَ علينا كتاباً جميلاً
ولكننا لا نجيدُ القراءهْ..
وسافرتَ فينا لأرضِ البراءهْ
ولكننا.. ما قبلنا الرحيلا..
تركناكَ في شمسِ سيناءَ وحدكْ..
تكلّمُ ربكَ في الطورِ وحدكْ
وتعرى..
وتشقى..
وتعطشُ وحدكْ..
ونحنُ هنا نجلسُ القرفصاءْ
نبيعُ الشعاراتِ للأغبياءْ
ونحشو الجماهيرَ تبناً وقشاً
ونتركهم يعلكونَ الهواءْ
3
قتلناكَ..
يا جبلَ الكبرياءْ
وآخرَ قنديلِ زيتٍ..
يضيءُ لنا في ليالي الشتاءْ
وآخرَ سيفٍ من القادسيهْ
قتلناكَ نحنُ بكلتا يدينا
وقُلنا المنيَّهْ
لماذا قبلتَ المجيءَ إلينا؟
فمثلُكَ كانَ كثيراً علينا..
سقيناكَ سُمَّ العروبةِ حتى شبعتْ..
رميناكَ في نارِ عمَّانَ حتى احترقتْ
أريناكَ غدرَ العروبةِ حتى كفرتْ
لماذا ظهرتَ بأرضِ النفاقْ..
لماذا ظهرتْ؟
فنحنُ شعوبٌ من الجاهليهْ
ونحنُ التقلّبُ..
نحنُ التذبذبُ..
والباطنيّهْ..
نُبايعُ أربابنا في الصباح..
ونأكلُهم حينَ تأتي العشيّهْ..
4
قتلناكَ..
يا حُبّنا وهوانا
وكنتَ الصديقَ، وكنتَ الصدوقَ،
وكنتَ أبانا..
وحينَ غسلنا يدينا.. اكتشفنا
بأنّا قتلنا مُنانا..
وأنَّ دماءكَ فوقَ الوسادةِ..
كانتْ دِمانا
نفضتَ غبارَ الدراويشِ عنّا..
أعدتَ إلينا صِبانا
وسافرتَ فينا إلى المستحيل
وعلمتنا الزهوَ والعنفوانا..
ولكننا
حينَ طالَ المسيرُ علينا
وطالتْ أظافرُنا ولحانا
قتلنا الحصانا..
فتبّتْ يدانا..
فتبّتْ يدانا..
أتينا إليكَ بعاهاتنا..
وأحقادِنا.. وانحرافاتنا..
إلى أن ذبحنكَ ذبحاً
بسيفِ أسانا
فليتكَ في أرضِنا ما ظهرتَ..
وليتكَ كنتَ نبيَّ سِوانا…
5
أبا خالدٍ.. يا قصيدةَ شعرٍ..
تقالُ.
فيخضرُّ منها المدادْ..
إلى أينَ؟
يا فارسَ الحُلمِ تمضي..
وما الشوطُ، حينَ يموتُ الجوادْ؟
إلى أينَ؟
كلُّ الأساطيرِ ماتتْ..
بموتكَ.. وانتحرتْ شهرزادْ
وراءَ الجنازةِ.. سارتْ قريشٌ
فهذا هشامٌ..
وهذا زيادْ..
وهذا يريقُ الدموعَ عليكْ
وخنجرهُ، تحتَ ثوبِ الحدادْ
وهذا يجاهدُ في نومهِ..
وفي الصحوِ..
يبكي عليهِ الجهادْ..
وهذا يحاولُ بعدكَ مُلكاً..
وبعدكَ..
كلُّ الملوكِ رمادْ..
وفودُ الخوارجِ.. جاءتْ جميعاً
لتنظمَ فيكَ..
ملاحمَ عشقٍ..
فمن كفَّروكَ..
ومَنْ خوَّنوكَ..
ومَن صلبوكَ ببابِ دمشقْ..
أُنادي عليكَ.. أبا خالدٍ
وأعرفُ أنّي أنادي بوادْ
وأعرفُ أنكَ لن تستجيبَ
وأنَّ الخوارقَ ليستْ تُعاد…
اخـي جاوز الظالمون المدى فـحق الـجهاد وحق الفداء أنـتركهم يغصبون العروبة مـجـد الأبـوة والـسؤددا وليسوا بغير صليل السيوف يجيبون صرخا لنا أو صدى فـجرد حـسامك مـن غمده فـليس لـه بـعد أن يغمدا أخـي أيـها الـعربي الأبي أرى الـيوم موعدنا لا الغدا أيام الحرب الباردة كان الناس صنفين واحد موالٍ لأمريكا وآخر شغوف بالاتحاد السوفييتي العظيم الناس الآن أيضا ما زالوا صنفين واحد موالٍ لأمريكا وآخر لا تحتاجه أمريكا لكثرة ما لديها من الصنف الأول
ثورة عبدالناصر
بقلم: موفق محادين
2/4/2008
ا
منذ بداية الشهر الماضي حوّلت قوى واوساط وطنية وشعبية وقومية عديدة ذكرى ميلاد
زعيم الامة، وقائد العرب بلا منازع في القرن العشرين، جمال عبدالناصر، الى مناسبات
سياسية وثقافية لمراجعة تجربة العرب السياسية وعوامل نهضتهم واسباب اخفاقاتهم، ثم
مناقشة دور ومكانة مصر في هذه التجربة في ضوء التكالب الاستعماري على هذا الدور
والتآمر عليه، ابتداءً من منع محمد علي توحيد مصر وبلاد الشام، وانتهاءً بالتآمر
على الوحدة المصرية - السورية في عهد الرئيس عبدالناصر وتحطيمها، وعقاب عبدالناصر
في حزيران عام 1967·
واذا اردنا تلخيص التجربة الناصرية في عجالة سريعة، فقد تعرف عبدالناصر على شروط
ومحددات العمل السياسي الوطني والقومي داخل حلبة الصراع وليس في الايديولوجيا
المعلبة، وكان صمام الامان الرئيسي لديه في كل هذه المحطات حول الاستقلال والكرامة
والنظافة الشخصية·
بدأ حياته ببناء تنظيم الضباط الاحرار من مختلف التيارات·· من الاخوان المسلمين الى
الشيوعيين، وكان هاجسه المحدد هو طرد الانجليز ومواجهة المشروع الصهيوني والاصلاح
الزراعي·· فاكتشف خلال هذه المعركة قبل الثورة وبعدها ان كل بنود هذه الاجندة شديدة
الصلة بالصراع على مستوى الامة، فلا يمكن انجاز اية تحولات اجتماعية داخلية بمعزل
عن مواجهة التحديات الخارجية، فكانت العروبة هي الناظم المركزي لكل منظوراته·· ومن
ذلك انه اكتشف خلال قيادته للوحدات المصرية في معركة الفالوجة في فلسطين ان هذه
المعركة معركة العرب جميعاً، واكتشف بعد نجاح الثورة عام 1952 ان المعركة من اجل
بناء السد العالي والاصلاح الزراعي والتحول الصناعي وتوسيع التعليم جعلته هدفاً
مباشراً للاستعمار الامريكي الجديد الذي ما ان رحب بتصفية الاستعمار البريطاني
القديم، وأيد عبدالناصر في البداية، وحاول استيعابه، حتى اصطدم مع استقلالية
عبدالناصر ورفضه استبدال القواعد البريطانية بحلف امريكي··
ومع ان الضغوط الامريكية المتواصلة وابتزاز عبدالناصر (بناء السد العالي مقابل
الصلح مع اسرائيل والكف عن الاحلام القومية بالوحدة العربية) برزت استقلالية
عبدالناصر، وقرر اللجوء الى الشارع العربي، كما كسر احتكار السلاح، واقام علاقات
حرة كريمة مع موسكو التي ساعدته في بناء السد العالي والتحولات الصناعية والعسكرية،
وتوج كل ذلك بالوحدة المصرية - السورية·
وكما تعرض عبدالناصر بعد تأميم شركة قناة السويس الاستعمارية واعادتها للشعب
المصري، للعدوان الثلاثي المعروف، فقد اثارت قرارات التأميم الاشتراكية، والوحدة مع
سوريا، والتعاون مع موسكو حفيظة الاستعمار الامريكي والرأسمالية واليهودية
العالمية، فكانت مؤامرة الانفصال السوري عام 1962 ثم العدوان الصهيوني عام 1967·
وفي تقييم كل ذلك لا يمكن تجاهل العديد من الاخطاء والخطايا، بدءاً من البطانة
البوليسية ومعسكرات الاعتقال، الى طريقة ادارة الوحدة مع سوريا، وطريقة ادارة الدعم
العسكري للثورة اليمنية، وانتهاء بملاحقة الشيوعيين والاخوان المسلمين الذين شاركوا
جميعاً عبدالناصر في ثورة يوليو عام 1952·
الا ان كل ذلك يظل جزءاً من ضريبة صنع ثورة داخل الممارسة، ويظل اصغر وأقل بكثير من
التجربة الناصرية العظيمة التي وضعت العرب على خارطة العالم لعقدين كاملين، وألحقت
بالاستعمار القديم والجديد خسائر فادحة في افريقيا وآسيا عموماً والوطن العربي
خصوصاً·
ولنتذكر ان عبدالناصر الذي رحل قبل ان يشبع شعبه قد مات هو فقيراً وفي رصيده قرابة
سبعين جنيهاً مصرياً·
ان عبدالناصر الذي رحل قبل ان يعبر السويس ويهزم العدو، هو الذي وضع خطة العبور
وتحطيم خط بارليف·· ولنتذكر ان كهرباء مصر وزراعة مصر وصناعتها تعيش حتى الآن على
السد العالي الذي بناه عبدالناصر·
خمس وخمسون سنة على ثورة يوليو.. ولم تزل في البال
يحلو للبعض ان يصف الثورات
بأنها كالقطط.. تأكل ابناءها،، وفي الحقيقة ، فان
القطط لا تأكل ابناءها.. اما الثورات ، فان بعض
ابنائها يأكلها ويأكل البعض الآخر،، وثورة يوليو -
تموز - 1952 المصرية واحدة من هذه الثورات التي
اكل ابناؤها ميراثها. وهي واحدة من الثورات الكبرى
في التاريخ الحديث ، الذي يؤرخ له عربيا ، بحملة
(نابليون) على مصر أواخر القرن الثامن عشر ، ويؤرخ
له عالميا بالثورة الفرنسية البرجوازية العظمى
(م1789) وبالثورات القومية الديمقراطية في اوروبا
في منتصف القرن التاسع عشر.. فبالرغم من انها -
الثورة المصرية - بدأت بانقلاب عسكري ، كان الثاني
في تاريخ مصر (بعد التدخل العسكري الذي قاده احمد
عرابي ضد القصر عام 1881) والسادس عربيا ، بعد
الانقلابات السورية الثلاثة اواخر الاربعينيات من
القرن الماضي: حسني الزعيم ، وسامي الحناوي ،
واديب الشيشكلي ، ومحاولة (الثلايا) الانقلابية
الفاشلة ضد الحكم الامامي في اليمن (1948) ،
وانقلاب بكر صدقي في العراق عام .1936. لكن ايا من
هذه الانقلابات لم يتحول الى ثورة كثورة يوليو -
1952 ، فظل تأثيرها محدودا ومؤقتا ، ربما باستثناء
حركة (عرابي) التي عنت نهوض الشعب المصري للمطالبة
بحقوقه المغتصبة من اسرة (محمد علي باشا) الحاكمة
، وهو ما وفر للانجليز الذريعة لاحتلال مصر عام
1882واجهاض الحركة التحررية الوليدة.
ربما يمكن مقارنة الثورة المصرية ، من حيث ابعادها
وعمقها ، بانقلابين كبيرين حدثا مطلع القرن الماضي
، وهما: الثورة القومية الديمقراطية الصينية عام
م1911 بقيادة الدكتور (صن يات صن) ، والانقلاب
العثماني - التركي (1908) ضد السلطان عبد الحميد ،
الذي قاده (حزب الاتحاد والترقي). في الحالة
المصرية ، فان ما بدا انقلابا عاديا اول وهلة ،
تكشف شيئا فشيئا عن ثورة عميقة طالت اجراءاتها
ومساراتها جميع نواحي الحياة في مصر: الدستورية
والقانونية والسياسية والاستراتيجية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية... وحددت هوية مصر وشخصيتها
الحضارية وانتماءها العربي ، وهو ما كان موضع
تنازع وتجاذب قبلها. وأثرت بعمق على محيطها العربي
، خاصة بعد الانتصار الكبير على العدوان الثلاثي
عام 1956 ، وشمل تأثيرها كذلك المجال الافريقي
والاسيوي ، كدولة مؤسسة وقائدة في دول عدم
الانحياز.
واذ يختلف الكثيرون ولا زالوا يختلفون حولها ،
فانهم يجمعون غالبا على اهميتها وتأثيرها الكبير
متعدد الابعاد في مصر وفي الوطن العربي وفي العالم
على السواء.... ويجمعون على الدور المميز والكبير
لقائدها جمال عبدالناصر ، الذي (ملأ الدنيا وشغل
الناس). ومع التقييم الذي حظيت به اجراءات وتوجهات
الثورة بقيادته: الاستقلال الناجز ، السيطرة على
الثروات الوطنية وبناء اقتصاد حديث ، الاصلاح
الزراعي وحق العمل ، والتعليم والصحة المجانيين ،
رفض الاحلاف الاستعمارية ، دعم حركات التحرر
والاستقلال العربية والافريقية ، التضامن والوحدة
العربية ، فان اعمق نقد وجه للثورة ، كان في مجال
الحريات ، وفي نمط بناء السلطة وادارتها.
وتعزى لهذين السببين اخفاقات الثورة وعثراتها..
وبخاصة فاجعة الانفصال عام 1961 ، وهزيمة حزيران -
يونيو1967 ، ثم التحولات الكبرى عن خيارات الثورة
وتوجهاتها ، التي قادها السادات ، عقب وفاة
عبدالناص1970,.
واليوم ، وبعد خمسة وخمسين عاماعلى قيامها ، لا
زالت الثورة المصرية تثير الجدل الحار حولها..
شأنها شأن كل حدث كبير تتعدد فيه التأويلات
والاستقطابات.... لكن اي مراقب منصف لن يتردد في
الشهادة على التراجع الملحوظ لمكانة ودور مصر
والعرب في العالم ، قياسا لما كانا عليه في عهد
عبدالناصر.
خمس وخمسون سنة مضت..ولم تزل في البال ثورة يوليو.. ماثلة: وقائعها
وذكرياتها.
1958:
عام جمال عبدالناصر فى
الشرق الأوسط
رغم مرور 90 عاما على ميلاد جمال عبدالناصر ومرور حوالى 65 عامًا على ثورة يوليو
2591 التى أشعلها ناصر إلا أن سيل الكتب لا ينقطع فى العالم الغربى والعالم العربى
على السواء عن شخصية عبدالناصر، ومن أحدث الكتب المهمة والمثيرة التى صدرت مؤخرا عن
عبدالناصر هذا الكتاب الخطير الذى صدر عن عام 1958باعتباره عام الثورات التى أشعلها
عبدالناصر فى الشرق الأوسط. الكتاب من تأليف روجر لويس أستاذ التاريخ والثقافة
الإنجليزية فى جامعة تكساس الأمريكية وروجر أوين أستاذ تاريخ الشرق الأوسط فى جامعة
هارفارد. ويرى كل من لويس وأوين أن عام 1958 كان عام عبدالناصر وأفكاره الثورية فى
العالم العربى وحتى فيما وراء العالم العربى. فقد شهد هذا العام بروز أفكار القومية
العربية والثورة ضد الاستعمار وتبدى هذا كأكثر ما يكون فى الوحدة المصرية السورية.
كما شهد هذا العام سقوط النظام الملكى فى العراق وصعود المد الثورى مع ثورة 14
يوليو بقيادة عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، علاوة على سقوط حكومة كميل شمعون فى
لبنان وهى حكومة موالية للأمريكان وتولى فؤاد شهاب صاحب الميول الناصرية للحكم فى
لبنان. وينقسم الكتاب المعنون: "الشرق الأوسط فى عام 1958: عام ثوري" إلي10 أجزاء
أولها يبدأ بعنوان "بريطانيا وأزمة عام 1958 والمقصود بالأزمة هنا الإعلان فى 1
فبراير عام 1958 عن الوحدة المصرية السورية. "جمال عبدالناصر سيبقى هو بطل العالم
العربي" كانت تلك كلمات سفير بريطانيا فى لبنان السير جورج مديلتون وكانت كلماته
قبل أيام قليلة من الإعلان عن الوحدة المصرية السورية ونشوب أزمة جديدة أصبحت
تواجهها بريطانيا. وفى رأى مديلتون فإن الوحدة المصرية السورية وضعت عبدالناصر على
بعد حوالى 50 كيلو مترا فقط من بيروت. بالنسبة للبريطانيين فإن الوحدة المصرية
السورية وما تبعها من الانقلاب الدموى الذى أطاح بالملك فيصل الثانى فى العراق هى
مشاكل وأزمات خطيرة مثلها مثل أزمة تأميم قناة السويس بالضبط. وهنا ينشر الكتاب
لأول مرة وثيقة عن محضر اجتماع لمجلس الوزراء البريطانى جرى فى مايو 1958 وفيها
يقول رئيس الوزراء البريطانى هارولد ماكميلان "لو أجبرت لبنان على الخضوع للجمهورية
العربية المتحدة فإن العراق والأردن قد ينهاران ويقعان فى قبضة ناصر أيضا". وعندما
وصلت أزمة إنجلترا فى العالم العربى إلى ذروتها باندلاع ثورة عبدالكريم قاسم عاد
رئيس الوزراء البريطانى يقول فى جلسة أخرى لمجلس الوزراء "لو سقط لبنان مثلما سقط
العراق فإن الفوضى ستعم الأردن فى الحال وستصاب إسرائيل وتركيا ودول الخليج
بالعزلة". وينشر الكتاب وثيقة لأول مرة موجهة من سفير إنجلترا فى لبنان إلى رئيس
الوزراء البريطانى تكشف عن مدى التأثير الشديد الذى خلفته كارثة بريطانيا فى أزمة
السويس على عقلية الساسة البريطانيين. فى رسالة سفير إنجلترا فى لبنان يقول لرئيس
وزراء حكومته ويحذر "لا يجب استعمال القوة والتدخل المسلح لوقف زحف عبدالناصر لأن
هذا بكل بساطة سيضع انجلترا من جديد أمام سيناريو كارثة السويس الذى دمر سمعتها فى
1956 وهى كارثة محفورة فى الذاكرة البريطانية بالعار علاوة على أنها كانت تمثل
هزيمة محبطة" لقد كان واضحا مدى التأثير القاتل لهزيمة بريطانيا فى السويس على
عقلية قادتها وتفكيرهم وتصرفاتهم. وقد رد هارولد ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا على
رسالة سفيره فى بيروت قائلا: أؤكد لك أنه لا يوجد مسئول واحد بريطانى يسعى إلى
تكرار سيناريو السويس مرة أخري". لكن على الناحية الأخرى يشير الكتاب إلى أنه كان
هناك فريق داخل الخارجية البريطانية يضغط من أجل أن تتدخل بريطانيا وتتصدى لـ
"ناصر" بالقوة وايقاف زحفه المتنامى فى 1958 عند حده واتهم هذا الفريق رئيس الوزراء
"ماكميلان" بالتفكير الانهزامى، مؤكدا أن النصر سيكون هذه المرة حليف بريطانيا فى
وقف زحف ناصر، والسبب أن الولايات المتحدة هذه المرة ستقف بجانب بريطانيا وليست
مناوئة لها مثلما حدث فى أزمة السويس. ويكشف الكتاب ـ لأول مرة ـ من واقع يوميات
هارولد ماكميلان ـ أنه كتب للرئيس الأمريكى أيزنهاور قائلا له بتاريخ 4 يوليو 1958:
ما لم تتحركوا وتقفوا معنا فى مواجهة ناصر وزحفه فإنكم ستواجهون بسويس آخر مثل تلك
التى واجهناها". ويقول ماكميلان فى مذكراته إن أيزنهاور رد عليه قائلا وضاحكا من أن
يكون تأثير أزمة السويس على البريطانيين قد وصل إلى حد أن تواجه أمريكا بكل ثقلها
سويس أخرى أيضا. ويتعرض الكتاب فى هذا الفصل المهم لبداية صعود الأمريكان فى الشرق
الأوسط من خلال مشروع ايزنهاور وحلف بغداد الذى ضم تركيا وإيران وباكستان
وبريطانيا. ويذكر الكتاب فى هذا الجزء أيضا أن نظرة رؤساء بريطانيا بدءا من أنتونى
إيدن لعبدالناصر لم تتغير. ففى 1958 كان ماكملان رئيس وزراء بريطانيا يعتقد كما كتب
فى مذكراته أن ناصر نصفه شيوعى ونصفه الآخر قومجى عربى. بل إن ماكميلان كان يعتقد
فى مذكراته أن "ناصر" مصاب بخلل ذهنى وفكرى مثل هتلر،وذلك لمجرد أنه مناوئ للمصالح
البريطانية. وهناك من حاول فى الخارجية البريطانية تصحيح هذه الفكرة لدى ماكميلان
مثل "هارولد بيلي" الذى أصبح فيما بعد سفيرا لبريطانيا فى مصر. قال "بيلي" لـ
"ماكميلان" الحقيقة أن ناصر لا هو هتلر ولا هو عميل سوفيتى روسى ولكنه أولا وقبل كل
شيء قومى عروبى كان يستخدم الاتحاد السوفيتى كأداة لتحقيق أهدافه الخاصة، وقد سعى
"بيلي" من خلال موقعه كمساعد وزير الخارجية أن يغير من طريقة وتفكير البريطانيين
لعبدالناصر وسعى كثيرًا لتقديم تفسيرات مختلفة لسياسات عبدالناصر بعيدا عن النظرة
الشيطانية التى نظر بها البريطانيون لعبدالناصر. ويؤكد الكتاب بعد حوالي05 عاما على
1958 أن نظرة "بيلي" لعبدالناصر كانت هى النظرة الصحيحة والأقرب للحقيقة التاريخية.
وهنا يستعرض الكتاب لمحة تاريخية عن السنوات التى شكلت تفكير عبدالناصر خاصة قبل
الحرب العالمية الثانية، حيث عانى المصريون من إذلال الحكم البريطانى خصوصا ما حدث
فى حادث فبراير 1942 وما حدث أثناء مشاركة عبدالناصر فى حرب 1948، ويستعرض الكتاب
مساعى عبدالناصر لإحداث تنمية اجتماعية واقتصادية فى مصر ثم كيف تحول إلى زعيم صاحب
كاريزما خاصة تلهم الشعوب والجيوش العربية. وفى الجزء الثانى من الكتاب الذى تعرض
للإعلان عن الجمهورية العربية المتحدة والتى ضمت مصر وسوريا وكيف تم الرد عليها
بالإعلان عن الوحدة بين العراق والأردن. ويكشف الكتاب عن محاولات نورى السعيد رئيس
وزراء العراق ضم السعودية والكويت لتحالفه مع الأردن. ثم يتعرض الكتاب بعد ذلك إلى
تطورات الأمور فى لبنان وبداية ظهور أزمة هناك بفعل وصول الأفكار الثورية الناصرية
لأراضيه وتأثير الوحدة السورية المصرية عليها ومما فاقم الوضع وجود فجوة هائلة فى
الثروات بين مسيحيى ومسلمى لبنان لصالح المسيحيين. وامتد الحديث إلى حكومة كميل
شمعون التى وقفت بجوار بريطانيا فى أزمة السويس ضد ناصر. ويدعى الكتاب أن السفارة
المصرية فى بيروت تحولت مع بزوغ نجم عبدالناصر إلى قلعة حصينة على الأراضى
اللبنانية بها العديد من السلاح والأموال والهدف الرئيسى كان الانقلاب على حكم كميل
شمعون. وفى مايو 1958 شهد لبنان اضطرابات شديدة أدت إلى سقوط نظام كميل شمعون وتولى
فؤاد شهاب "الناصري" الحكم فى لبنان وكيف تلقت بريطانيا هذه الصدمة الناصرية كهزيمة
جديدة مثل هزيمة السويس بالضبط. ثم يتعرض الكتاب بالتفصيل بعد ذلك للصدمة الكبرى
وهى الثورة على الحكم الملكى فى العراق وهنا لم يعد هناك مكان فى العالم العربى فى
مأمن من صدمات ناصر وزحفه، خاصة الأردن الذى أرسل البريطانيون رساله إلى ملكه الملك
حسين يحذرونه من أن المخابرات البريطانية قد رصدت محاولة من ناصر لاغتياله، أما
السفارة الأمريكية فى عمان فحذرت هى الأخرى من موجة ناصرية كاسحة سوف تجتاح الأردن.
ويتساءل الكتاب: هل كانت معلومات المخابرات البريطانية عن مؤامرة ناصرية على الملك
حسين حقيقية أم أن الحقيقة أنه كانت هناك محاولة للانقلاب على الملك حسين بتدبير من
عدد من ضباط جيش الناقمين على سياساته. بعد ذلك ينتقل الكتاب للحديث عن بزوغ دور
الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط فى الفترة من 1956 إلى 1958 ويستعرض مشروع
أيزنهاور للشرق الأوسط فى مارس1956 وكيف سعت الإدارة الأمريكية إلى اقناع السعودية
كأول دولة تتبنى هذا المشروع لأنه ـ على حد وثيقة جديدة ـ كشفت من مذكرات أيزنهاور
"لو أمكننا جذب السعوديين لهذا المشروع وأسر خيالهم بالعالم العربى فإن ذلك سوف
يكون أول مسمار فى نعش عبدالناصر"، وقد تمت الموافقة على هذا المشروع نهائيا فى 22
يناير 1958 وفى فصل آخر يتعرض الكتاب إلى ما سماه "البترول والسياسة والتدخل
الأمريكي" وهو يتعلق كثيرا بالعلاقات الأمريكية السعودية وما كان يمكن أن يتحول إلى
محورأمريكى سعودى ضد عبدالناصر. يقول الكتاب فى 5 مارس 1958 تحدث عبدالناصر من دمشق
فكشف عما سماه مؤامرات سعودية لإسقاط الوحدة المصرية السورية وزاد من المشكلة إعلان
السياسى السورى عبدالحميد السراج عن أن السعودية أصدرت لصالحه ثلاثة شيكات لتمويل
تخليص سوريا من عبدالناصر وإقامة نظام حكم يتولاه هو بنفسه وأن الولايات المتحدة
كانت تعلم بهذه الخطة السعودية وكانت على استعداد للاعتراف بالنظام الجديد. ويذكر
الكتاب أن وقوف واشنطن وراء أحداث انقلابات فى سوريا قديم ويرجع لعام 1949 وكانت من
تدبير عميل المخابرات المركزية المعروف "مايلز كوبلاند". ثم يتعرض الكتاب للمواجهة
بين عبدالناصر والولايات المتحدة فى الأزمة اللبنانية فى صيف 1958 يقول الكتاب إن
عبدالناصر سعى فى البداية أن يدخل الولايات المتحدة كوسيط لحل الأزمة اللبنانية وأن
هذا المسعى كان يناقض تماما الصورة التى حاول زعماء ووسائل إعلام الغرب ورسمها عنه
وأنه كان يسعى لاحتواء لبنان. بل إن ناصر فشل فى اقناع واشنطن بالتعاون معه لتهدئة
الوضع فى لبنان وأن هذا الفشل كان ناتجا من أنه جاء مناقضا للنظرة السائدة فى
واشنطن والتى كانت تقوم على العداء لكل ما هو ناصرى ولكل ما يمثله من أفكار قومية
وثورية وأفكار عدم الانحياز. وفى فصل كامل يتعرض الكتاب للمواجهة التى نشبت فى
لبنان بين الأمم المتحدة من ناحية والولايات المتحدة من جانب آخر، وتدخلات الأمين
العام للأمم المتحدة داج همرشولد وينتقل الكتاب إلى حركة القومية العربية التى
تزعمها عبدالناصر والتأثير الذى أصبحت القاهرة تمارسه على سياسات الشرق الأوسط على
يد عبدالناصر، ويبدأ بتأثير هذه الحركة على العراق، وما أدت إليه من سقوط النظام
الملكى الموالى لبريطانيا هناك. يقول الكتاب إن هزيمة الانجليز فى معركة السويس
وصعود عبدالناصر كزعيم لا ينافس للقومية العربية قد ترك تأثيرا عميقا على العراق،
وأدى إلى صعود موجة تذمر داخل صفوف الجيش العراقى لدرجة أن السؤال فى هذه الفترة
كان هو فقط حول موعد سقوط النظام الملكى هناك، لأن هذا السقوط كان يبدو حتميا.
علاوة على ذلك يؤكد الكتاب أن عبدالناصر كانت له كاريزما خاصة لدى ضباط الجيش
العراقى، خاصة الشباب منه، حيث إن شخصيته كانت لها مغناطيسية جاذبة أكثر بكثير من
فكرة القومية العربية التى تزعمها هو نفسه. ويقول الكتاب إن عبدالناصر كان أكثر شخص
أصيب بالمفاجأة مما حدث فى العراق والانقلاب على العهد الملكى هناك، وهو اندهاش
سيصيبه أيضا عندما يكتشف أن هناك ضباطا شبابا كانوا مغرمين به فى ليبيا وانقلبوا
عام 1969 على النظام الملكى هناك. ثم يتعرض الكتاب بعد ذلك إلى العلاقة الملتبسة
بين عبدالناصر والاتحاد السوفيتى ويركز بالتحديد على وصول هذه العلاقة إلى أوجها
أثناء أزمة السويس فى خريف 1956 ويقول الكتاب إن ما لم يفهمه الغرب، خاصة فى 1958
أن العلاقة بين عبدالناصر والسوفيت لم تكن علاقة متبوع بتابع مثلما كانت مثلا بين
الملك حسين وبريطانيا أو أمريكا أو بين كميل شمعون وأمريكا. ويقول الكتاب إن "ناصر"
أصيب بالإحباط من سلوك السوفيت فى أزمة السويس جعلته يدرك حالة الضعف السياسى
الكامن فى السوفيت، ولكنه قرر استخدامهم فى إطار الحرب الباردة لمصالحه الخاصة،
ولكن للأسف ـ كما يقول الكتاب ـ لم يفهم الغرب هذا فقد اعتقدوا أن السوفيت يسعون
إلى إقامة دولة تابعة لهم فى الشرق الأوسط على غرار جمهورية ألمانيا الديمقراطية
"ألمانيا الشرقة" أو تشيك أو بلغاريا أخرى. ولكن الكتاب يؤكد أن عام 1958 هو العام
الذى أعطى فيه عبدالناصر الفرصة للاتحاد السوفيتى لدخول الشرق الأوسط، ورغم أن هذا
الدخول كان مجرد دخول "رمزي" والسبب أن التعاون العسكرى الذى كان قد بدأ يتصاعد بين
عبدالناصر والسوفيت تحول لمصدر إلهام لكثير من العسكر العرب الراغبين فى الاستقلال
ببلادهم مثل عسكر العراق وحتى عسكر الأردن وفيما بعد عسكر ليبيا. ويكشف الكتاب عن
سر تحدث عنه الزعيم الروسى "خروتشوف" لعبدالناصر عندما ذكر له الأخير أنه أصيب
بإحباط من أداء السوفيت فى أزمة السويس، قال الكتاب إن خروتشوف كشف لعبدالناصر إنه
كان يريد للسوفيت أن يتدخلوا بقوة أكثر فى الأزمة لمساعدة شعب يريد التحرر من
الامبرياليين ولكن والده ـ والد خروتشوف ـ نصح بعدم اتخاذ أى قرار بتدخل عسكرى أولا
لأن مصر ليست على الحدود مع روسيا، ثانيا أن هدف عبدالناصر لم يكن الاستقلال ولكن
مجرد انتزاع مكاسب من الغرب. وحسب الكتاب فإن خروتشوف ذكر أن رؤية والده كانت خاطئة
تماما. ويذكر الكتاب اقتباسات كثيرة من كتاب لمحمد حسنين هيكل عن السوفيت. ثم يختتم
الكتاب بفصل حول ردود فعل إسرائيل تجاه أزمات 1958 والإلهام الناصرى الثورى القومى
الذى أدى إلى انبعاثها. ويؤكد الكتاب أن أكبر صدمة اصيبت بها إسرائيل بعد صدمة 1956
كانت الإعلان عن الوحدة المصرية السورية عام 1958 لأن هذه الوحدة كانت تعنى مسمارا
فى نعش إسرائيل الكبرى التى تخيلها رئيس وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت ديفيد بن
جوريون. وفى نهاية الكتاب حول عام 1958 وما جرى فيه يقول روجر أوين إن عام 1958
يكشف الأوهام الكثيرة التى تنشب فى عقول ساسة الغرب عن ساسة الشرق الأوسط وتصوراتهم
الخاطئة عن الأوضاع هناك، مما يؤدى إلى كوارث ليست أولها الأوهام التى خلقوها عن
مكائد ومؤامرات ناصرفى العراق ولبنان والسعودية وخلافه وعن علاقات عبدالناصر
بالسوفييت وبالشيوعية. واختتم "أوين" منوها إلى أن الغرب لا يكف عن ارتكاب هذه
الأخطاء حتى وقتنا الحاضر، ويؤكد أن أحلام عبدالناصر بعد كل هذه السنين كانت مجرد
أحلام مواطن عربى يطمح للاستقلال السياسى والاقتصادى من تبعية الغرب وإذلاله
وإهانته لشعوب الشرق وأن هذه القضية
الناصريةالتى تجلت فى أقوى تأثيرها فى 1958 ستظل قائمة فى عقول شباب الشرق العربى
طالما ظل الغرب قائما على سلوكياته وأنه ليس مستبعدا ظهور ناصر جديد يستلهم أفكار
ناصر القديم ويعمل على الحفاظ على استقلال بلاده وشعوبه من هيمنة الغرب
الحلم" و "الكابوس"!
عبد الله
السناوي
فى مقهى قاهرى بوسط البلد جلس لاجئ عراقى، من عشرات الآلاف الذين وفدوا إلى مصر
هربا من الموت اليومى المجانى، الذى حصد حياة نحو مليونى مواطن، ودفع نحو خمسة
ملايين آخرين إلى هجرة إجبارية، ودمر بنية المجتمع ونسيجه الوطنى ، وحيدا منكسرا،
وفى خاطره أن مصر، مهما كانت أحوالها وما وصلت إليه من تراجع، هى الأمل فى النهوض
من جديد، من عثرتها وعثرة العرب، فإذا به يستمع إلى شاب مصرى على مائدة مجاورة يسب
"جمال عبدالناصر"، ويلعن أيامه، والعرب معه. أجهش اللاجئ العراقى، الذى يقترب من
السبعين، فى بكاء مرير، كأنه يبكى أحلامه فى العودة إلى وطنه، أو أن يستعيد عافيته
بعد أن دمرته آلة الحرب الأمريكية وعبثت فى مكوناته الحضارية، وآخر ما يود أن يسمعه
تلك الشتائم فى حق جمال عبدالناصر، وهو قومى عربى، يراهن على مصر وأدوارها
وعروبتها، ويخشى عليها فى نفس الوقت من مصائر مشابهة. بدت الصورة الإنسانية كاشفة
للمأساة السياسية التى وصلنا إليها، وأمعنا فى كوابيسها. والقضية ليست "جمال
عبدالناصر"، أو التأسى الشخصى للتطاول عليه، فالشخصيات العامة ملك التاريخ، ونقدها
طبيعى، بشرط إدراك الموضوع وطرح حقائقه أمام الرأى العام حتى يحكم بانصاف وعدل،
ولكنها قضية أمة يريدون لها أن تفقد ذاكرتها، وتضيع قضاياها، وأن تستغرق فى
المتاهات التى دخلت سراديبها، بإتباع نظمها التعليمات الأمريكية والإسرائيلية، قضية
أمة تعيش فى كابوس تدرك وطأته، فالكوارث صريحة على مسارحها، من العراق إلى لبنان
إلى السودان إلى الجزائر، إلى أشلاء الصومال وأطلال فلسطين، إلى كل بقعة عربية
تطالعها على الخرائط الممزقة، وكأن التمزيق عنوان المرحلة، وتجزئة ماهو مجزأ لعبة
بلا نهاية. هذا هو صلب القضية التى أبكت اللاجئ العراقى السبعينى، ورغم أن الشاب
المصرى، اعتذر له بلطف بعد حوار مطول، ولكن القضية أعمق فى مناخها العام، الذى
يتحمل مسئوليته نظام الحكم الحالى وإعلامه. القضية الحقيقية تتلخص فى الحرب على
الذاكرة العامة، انقدوا عبدالناصر كما تشاءون، لكن التدليس على الحقائق قضية أخرى،
فليس بوسع أحد أن يتطلع لأدوار جديدة على مسرح التاريخ، وهو يتنكر لمعاركه التى دفع
ثمنها دما، أو يسخر من أحلامه، التى ألهمت أجيالا متعاقبة، فالتاريخ لا يعرف
الثغرات، والمستقبل لا يبنى على فراغ. من يسخرون من الوحدة العربية، ومشروعاتها
وتجاربها واحلامها وانتكاساتها هم من ملامح عصور التردى والانهيار. يقولون إن
الوحدة المصرية السورية "مغامرة ناصرية" محركها طموح شخصى للزعامة، وأن أدواره
ومعاركه القومية "حماقات" لا لزوم لها، وأن قيادتنا الحالية من سماتها "الحكمة" على
عكس ما كان يجرى فى الستينيات. وهؤلاء يدلسون على الحقائق، ويحاولون أن يحذفوها من
الذاكرة العامة، فالعروبة ليست اختراعا ناصريا، والطموح إلى الوحدة سبق "جمال
عبدالناصر"، ولكنه حاول أن يجسدها على مسرح التاريخ، وخاض معارك عاتية، واحدة إثر
أخرى، لتأكيد استقلال مصر وعملا على أن تكون دولة مركزية فى محيطها، وأن تكون دولة
حديثة قوية ومهابة، وأن تكون مؤثرة فى عالمها، ولاعبا رئيسيا فيه، أصاب وأخطأ، ولكن
الهدف كان واضحاً، وانتماؤه العربى مؤكدا، وشرع -لأول مرة فى التاريخ العربى الحديث
- فى بناء "دولة كبرى فى الشرق تحمى ولا تهدد.. تصون ولا تبدد.. تأخذ بيد الصديق
وتخيف العدو"، ولا يملك مصرى واحد أن يعترض أن تكون بلاده دولة كبرى، وقوة يحسب لها
حساب فى المعادلات الدولية، وأن تؤكد انتماءها العربى بمشروع وحدة يجعل من العرب،
ومصر فى القيادة، قوة عظمى، وليست "ملطشة" لكل من هب ودب داخل المنطقة وخارجها!
وللأحلام الكبرى تكاليفها ومعاركها، وقد تبدت فى بنيان دولة الوحدة شروخ أدت إلى
انهيارها بعد سنوات قليلة. وفيما بعد قال جمال عبدالناصر إن أول دبابة تحركت
للانقلاب على الوحدة كانت الرديف الحقيقى لأول دبابة إسرائيلية دخلت سيناء فى حرب
يونيه. وعلى مدى عقود طويلة نشرت آلاف الدراسات عن الوحدة وأسباب إخفاقها،
وعبدالناصر يتحمل جانبا من المسئولية، ولكنها تدخل فى سياق ما جرى من ظروف عجلت
بالوحدة، للحفاظ على الوطن السورى من أخطار محدقة، ورغم ذلك كله، ومعه، تبدت الفكرة
ذاتها -طوال الوقت - حلما استعصى على كل محاولات الإجهاز عليه. أجهزوا على التجربة،
واصطادوها من ثغراتها، ولكن للأحلام مناعة أكبر وعمراً أطول. وفى حملات التشهير
والتكفير بعروبة مصر.. قالوا إن الوحدة وهم ناصرى، وأن مصر فرعونية، أو شرق أوسطية،
أو أى شئ آخر غير أن تكون عربية، ولكن الحقائق تغلب باستمرار، فـ"مصر" ـ بالثقافة
والهوية والجغرافيا والتاريخ ـ مشدودة إلى محيطها العربى، المصائر مشتركة، والقضايا
واحدة. وعندما تنكرت مصر لأدوارها، وذهبت بعيدا فى اتفاقيات الصلح المنفرد،
والتطبيع الرسمى مع إسرائيل، دفعت الدول العربية الثمن غاليا. هناك أخطاء وخطايا
كثيرة لنظم عربية أخرى أدت إلى ما وصلنا إليه. لكن الخطأ المركزى، أو الخطيئة
الكبرى، ارتكبتها مصر فى حق نفسها وأدوارها وفى حق المنطقة كلها، فالصعود المصرى
صعود للمنطقة، والسقوط المصرى سقوط لها، وقد تضيق الصدور - هنا - فى مصر بمثل تلك
المعاتبات، غير أن الامتناع عنها يعنى فض الأمل من مصر، أو تهميشها بأكثر مما هى
مهمشة فى محيطها وعالمها. وقد يقال ـ عن حق ـ إن الأزمات كبيرة والرجال صغار ـ
بتعبير وزير الخارجية الأسبق الدكتور محمود فوزى الذى أورده الأستاذ هيكل فى آخر
حلقاته على "الجزيرة"، ولكن ـ بالمقابل ـ فإن الأزمات الكبيرة لابد أن تستدعى رجالا
كبارا يقدرون على تكاليفها.. ولو بعد حين، وهو أمر يستدعى -قبل كل شيء- وضوح
الأهداف والأولويات والتصميم عليها وإقناع الرأى العام بها، والرأى العام لا يعطى
ثقته بسهولة، فلابد أن تقرن الأقوال بالأفعال، وعبدالناصر حصل على شعبيته
الاستثنائية بالمواقف والمعارك التى عبرت عن مصالح عليا وتوجهات قومية، ربما كان قد
أخطأ فى بعض الحالات، لكنه كان يصدق نفسه، وتصدقه أمته، نتذكر صور الوحدة الآن -فى
عيدها الخمسين - والأحلام فى عنان السماء، والتاريخ يتحرك فى الشوارع، مسموعاً
كلمته، والقوى الدولية، وإسرائيل معها والرجعية العربية فى ركابها، متأهبة
للانقضاض، لكننا عندما نقارن الصور التى كانت بالصور التى تحاصرنا الآن نجد أنفسنا
فى سرير واحد مع العدو طائعين خانعين، كأننا نحتفل فى يوم واحد -22 فبراير 8002 -
بالحلم على سرير الكوابيس. ومع الاعتراف بأخطاء جوهرية فى تجربة الوحدة فإن الأحلام
تنسب إلى قائدها، مستندة على تراث وجدانى عميق وغائر مسجل بالصورة الحية، فأنت
عندما تشاهد مئات آلاف البشر تتدافع إليه هاتفة باسمه، حاملة سيارته فى دمشق عند
أول زيارة لها، فلابد أن تنصت لصوت التاريخ، وتدرك أن هذه الجموع المحتشدة كانت
تهتف للمعنى قبل الشخص، وللحلم مجسدا فيه، وأن هذه لم تكن "انفلاتات عواطف"، بل
حقائق تاريخ يجسدها رجال وأحلام وأغان بأصوات "أم كلثوم" و"محمد عبدالوهاب"
و"عبدالحليم حافظ" و"نجاح سلام"، ولذلك كله ـ رغم كل ما جرى ـ بقيت فكرة الوحدة
وأحلامها فى الذاكرة، ربما بهتت بعض الشيء من تأثير الحملات عليها، ولكن الشيء
يكتسب ـ أحيانا ـ مصداقيته من نقيضه، والنقيض الكابوسى لا يشرف أحدا أن يدافع عنه
أو يدعو إليه. أن يوم (22) فبراير 8591 هو اليوم الأروع والأجمل فى تاريخ العرب
الحديث، ففيه تجسدت الأحلام عند ذراها العالية، وهو يوم لا مثيل له فى التاريخ
العربى، والتوقف عنده ـ بالتفاصيل ـ قد يكشف الجوانب الوجدانية عند المواطنين
العرب، أو خلجات النفوس وعبر التواريخ المتعاقبة من قهر وظلم واستعباد واستعمار،
إنها أمة كاشفت نفسها فى لحظة أمل، فى يوم بدت دولتها الكبرى على وشك أن تصنع
تاريخا جديدا، ولا يعنى إخفاق التجربة موت الحلم معها. ففى هذا اليوم البعيد، قبل
خمسين عاما بالضبط، وهو اليوم التالى لإعلان الوحدة المصرية ـ السورية، كانت دمشق
تنتظر وفدا مصريا رفيعا قادما إليها، ومالت التوقعات عند رجل سوريا القوى -فى ذلك
الوقت- "عبدالحميد السراج" أن الوفد سوف يترأسه "عبدالحكيم عامر". وعندما هبطت
الطائرة المصرية فى مطار دمشق بدت المفاجأة مدوية، وكاد "السراج" أن يغمى عليه،
فالذى هبط منها هو "جمال عبدالناصر" نفسه. بدا الرئيس مبتسما، ولوح لمستقبليه، ودخل
دمشق ـ لأول مرة فى حياته ـ وهو رئيسها وأملها وحلمها فى بناء دولة عربية كبرى فى
المنطقة، وأدرك "السراج" ـ كرجل أمن ـ أنه فى مشكلة، فالمشاعر جياشة، ولم تكن هناك
احتياطات أمن تستبق الزيارة وتؤمنها من أية اعتداءات على الرئيس، والتربص بحياته
على أشده، ولكن "عبدالناصر" تجاهل كل هذه الاعتبارات، ولعله قرر الذهاب إلى دمشق فى
اللحظة الأخيرة. وسرعان ما انتشر الخبر فى أرجاء الفيحاء التى وصلت بقلب العروبة
وكعبة العرب، وبدأ الزحف العظيم إليها من كل المدن والقرى السورية، وتدفقت حشود
أخرى من بيروت المجاورة، بدا كل شيء عفويا ومحملا بأحلام كبرى، وحملت الجماهير
سيارة "عبدالناصر" على أكتافها فى مشهد تراجيدى تاريخى يلخص الموقف كله. وفى دمشق
كان حلم "عبدالناصر" الشخصى أن يرى بعينيه نهر "بردي"، الذى طالما استمع إلى
"عبدالوهاب" يغنى له، وفى كل لحظة يسأل، والوفود تتدفق إليه فى قصر الضيافة.. "متى
نذهب إلى بردي؟".. وعندما أوغل الليل وجدوا للرئيس طريقا من قصر الضيافة إلى "بردي"
وذهبوا إليه على أضواء "المشاعل"، وبوغت عبدالناصر أن "بردي" أصغر من تصوراته عنه،
ولكنه اكتشف أن للسوريين فى قلبه ما لا قبل لعواطفه أن تتحمله، وحتى مات فى
82سبتمبر 0791، وفى ذات يوم الانفصال 82 سبتمبر 1961، كانت دمشق عشقه الأول وحبه
الذى لا تجاريه فيه مدينة عربية أخرى. ففى دمشق تجلى التاريخ أمامه، هادراً ورائعاً
يوم 22 فبراير(1958) ..وبغض النظر عما جرى بعده من انفصال تسببت فيه أخطاء فى صميم
التجربة الوحدوية، فإنه يبقى الإشارة الأهم إلى حقائق لا سبيل إلى تجاهلها، وأحلام
تبقى ـ رغم الانكسارات والكوابيس التى وصلنا إليها ـ كامنة فى الضمير العام ولا
سبيل إلى حذفها. هذه هى الحقيقة الكبرى التى يريدون بلا كلل طمسها بحملات سب وشتم
فى جمال عبدالناصر، ولكن بلا جدوى، فمن بوسعه أن يشق الصدور عن أحلامها، وأن ينزع
من مصر هويتها.
|