Home Up

 الكتابة على شهادة ميلاد عبد الناصر

فهد الريماوي

على جبين حلم سعيد ،، وغرة وعد مجيد ، وفاتحة عام جديد .. أنكتب شهادة ميلاد جمال عبد الناصر الذي خرج إلى رحاب الحياة في اليوم الخامس عشر من شهر كانون الثاني من عام  1918 م . كان هذا العملاق القادم من صلب قبيلة " بني مر العربية الصعيدية "، على موعد مع غابة من البدايات والتحديات فهو على موعد مع أمة عربية تستعد للاستقلال ، ومع ثورة مصرية تتأهب للاندلاع ، ومع قضية فلسطينية على مشنقة وعد بلفور ومع مؤامرة انجلو – فرنسية وقعها للتو المجرمان سايكس وبيكو .قبل واحد وثمانين عام ولد " أبو خالد " من رحم الضرورة التاريخية .. فقد كان السيف العربي يبحث عن فارسه وكان الشعب العربي يبحث عن منقذه ، وكان الحق العربي يبحث عن ناصره ، وكان النضال العربي يبحث عن قائده ، وكان المستقبل العربي يبحث عن رائده ، وكان السطر العربي يبحث عن كاتبه ، وكان الشوق العربي للوحدة والحرية والاشتراكية يبحث عمن يخرج به إلى حيز التحقيق .

في اليوم الخامس عشر من شهر كانون الثاني من عام  1918 م طلع البدر على امتنا من بطاح الكنانة واستيقظ الفجر العربي على صرخة مولود ظلت تدوي في مسامع التاريخ حتى الآن ، وأفاقت البشرية لتجد نفسها قبالة فارس عربي يتحدر بجدارة من نسل خالد بن الوليد . وتهيأت الشجاعة للسير في ركاب بطل مصري ملحمي خارج للتو من أساطير الإغريق وأسرار البحر الأبيض المتوسط . منذ نعومة إظفاره قبل عبد الناصر التحدي وأقبل عليه ، فشارك في كل معترك ، وساهم في كل تضحية واندفع في النضال إلى حدوده القصوى ، وواجه الموت في كل الأيام والأعوام ووطد نفسه على ركوب الشدائد واقتحام الصعاب ، وعاش حياته كلها في عين العاصفة وبين أنياب الخطر .. فما مكان في عمره يوم ألا به ضربة عدو أو مؤامرة حاقد ، أو غدر صديق ، أو خذلان رفيق ، أو طعنة في الظهر . ولد "أبو خالد " كبيراً فلم يتذوق طعم الطفولة وعاش كبيراً فلم يعرف الدنس والصغار ، وناضل كبيراً فلم يقف إلا في الطليعة ، ومات كبيراً فلم ينم في سرير المرض غير ساعة ، ولم يعرف القرن العشرين جنازة مثل جنازته . ولد " أبو خالد " شجاعاً وعاش شجاعاً ورحل شجاعاً .. فقد كانت الشجاعة أبرز قيمة ومقوماته .. كانت حالة نفسية ، وقوة ذاتية ، وطاقة داخلية تضطرم بين جوانحه وفي عمق أعماقه .. فقد اقتحم المظاهرات طالباً حتى أدمى جبينه ، واقتحم القتال في فلسطين ضابطاً حتى أخر طفلة ، واقتحم النظام الملكي ثائراً حتى سقوط فاروق ، واقتحم الصراع المتعدد المعارك رئيساً حتى أخرج الاستعمار الأوربي من خرائط آسيا وأفريقيا بكاملها . أما صراعه مع العدو الأسر أمريكي فلا يحتاج إلى تأشير أو تنويه ، ذلك لأنه مازال حاضراً في الأذهان . ومستمراً في الوقت الراهن ، ومرشحاً للدوام والاستفحال مستقبلاً حتى يأذن الله بنصر أمتنا الماجدة على هذه الحملة الصهيونية – الصليبية الجديدة .

هل تذكرون كيف وقف عبد الناصر في وجه روسيا وأمريكاً معاً ، للدفاع عن دولة الوحدة المصرية – السورية أواخر الخمسينات ؟؟ هل تذكرون كيف خاض بشجاعة أسطورية معركة ضارية يومذاك على جبهتين .. الأولى ضد ايزنهاور الأمريكي ، والثانية قبالة خروتشوف السوفياتي ؟؟؟هل تذكرون يوم وقف " أبو خالد " يتحدى الجبروت

الأمريكي علنا ، وعلى رؤوس الأشهاد ، حين خير أمريكا أن تشرب ماء البحر الأحمر إذا لم يعجبها ماء البحر الأبيض ؟؟ أين نحن الآن من ذاك الزمان ؟؟ لماذا تراجعت أمة كاملة في اعتبارها واقتدارها بمجرد رحيل فرد واحد اسمه جمال عبد الناصر ؟؟ هل الأزمة العربية الراهنة أزمة شعبية أم قيادية ؟؟ أزمة مبعثها العوامل الداخلية أم المؤثرات الخارجية ؟؟ عموماً .. لسنا الآن في وارد المقارنة والمفاضلة بين ماض ناصري مدجج بالبأس وبين حاضر نفطي مرقع بالمذلة ، ولكننا نتساءل .. هل كان في مقدور كلنتون المهزوم في عقر بيته الأسود ، أن يسوم العراق سوء العذاب لو كان عبد الناصر على قيد الحياة ؟ وهل كان في مقدور ديميريل أن يرشق سوريا بالاتهامات والتهديدات لو كان عبد الناصر رابضاً في علياء الحكم ؟؟ وهل كان في مقدور عرفات أن يبيع قضية فلسطين في اسلوا وطابا وواي بلانتيش لو كان عبد الناصر في مركز القيادة ؟

عقب رحيل "أبو خالد " ً زادت الأمة العربية ولم تنقص .. ازدادت ثراء وسكان .. ازدادت علماً وتعليماً .. ازدادت امتلاكاً واستهلاكاً .. ازدادت خبرة ودراية وتقدماً ، ازدادت تدريباً وتسليحاً وانفتاحاً على العالم .. غير أنها بالمقابل فقدت لياقتها النضالية ، وروحها القتالية ، ورموزها القيادية واستعدادها العالي للتضحية والعطاء والفداء . لقد ألغى النضال ذاته وهجر الكفاح  دوره ، ونسي الجهاد رسالته ، واستسلم السيف لدكتاتورية الصدأ ، واستكان الرصاص إلى غراء الصمت ، واستقال التحدي من كامل مهماته ، وخلدت الشجاعة إلى الراحة والاستجمام ، وإحالة البطولة نفسها إلى التقاعد . وباستثناء فرد هنا أو فصيل هناك ، ليس بين ظهراني أمتنا هذا الأوان من يبادر إلى القتال ، أو يخص على المقاومة ، أو يعمل على التعبئة والتحشيد ، أو ينشر روح الرفض والثورة ، أو يرسخ قيم التحدي والاستبسال ، أو يتصدى لثقافة الخوف والهروب والاستسلام .عام 1952 حين خرج " أبو خالد " في الناس شاهراً ثورته ، ممتطياً صهوة شجاعته ، مفتتحاً بوابات عصره .. كان الواقع العربي شديد البؤس ، وكان الليل العربي شديد الظلام ، وكان الشعب العربي شديد الغيظ ، وكان النظام العربي شديد التبعية ، فما أشبه اليوم بالبارحة وما أشد الحاجة العربية إلى جمال عبد الناصر جديد !!

سيدي القائد الخالد ..

ما زلت تمتشق حضورك من ركام السنين .. ما زلت رباناً يمخر عباب الذاكرة العربية .. ما زلت قائد السرب ورائد الدرب وقطب الرحى الذي تحتشد من حوله الملايين ،فيما تشن عليه جوقات الأعداء أعنف الهجومات وأشرس المعارك ، كأنه لم يمت منذ ستة عشر عاماً . مازلت متوهجاً ، متألقاً لم تخفت بالتقادم ولم تستتر تحت خيمة والموت والرحيل … مازلت تسير بعكس نواميس الطبيعة ، إذ كلما زاد ابتعادك ، تضاعف حجم الاحتياج إليك .. ما زلت القاسم المشترك الأعظم أو المثل القومي الاسمي .يا فارس الوجدان العربي .رغم تدحرج السنين ، وتوالى الأيام ، وتعاقب الليل والنهار ..سنظل جنوداً في فليق الوفاء ، طلاباً في مدرسة الحزن حراساً في قافلة الانتماء الناصري ، رهباناً في مؤسسة الالتزام القومي التقدمي ، وأسري بين جدائل الحنين وجداول الذكريات  ولأنك منظومة من القيم الوطنية ، ولأنك مجرة من الأخلاق النضالية ، ولأنك بحر من العطاء والفداء ، فستظل الخالد في تاريخ أمتك ، وستبقى الجماهير العربية التي عايشتك أمينة على تراثك النبيل ، مخلصة لذكراك الناصعة البياض متعلقة بشعاراتك الكبيرة في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة والتحرير .ستظل ناصر العرب ، وملهم الأجيال ,بطل اللحظات التاريخية .. وستبقى صورتك عملاقة وراياتك خفاقة ، وأيامك مساحات عز وميادين نزال ، وأحلامك دساتير عمل مواثيق نضال .سيدي أبا خالد ربما كان العيب فيك – يا باخالد – وليس في الذين تجرءوا بالموت على النيل منك .. فعيبك أنك مرفوع الهامة ، موفور الكرامة ، فولاذي الإرادة ، عصى على الترويض والانحناء .. عيبك أنك أصيل كنهر النيل ، كبير العناد والاعتداد كما الخيول العربية ، عميق الإيمان بالله والعروبة والإنسان ، كوكب أشرق قبل زمانه ورحل قبل أوانه وإذا كان وجودك في رحاب الحياة قد شكل حجر عثرة في وجه المؤامرات وفي طريق المخططات فأن خلودك في الوجدان الشعبي مازال يحول دون تمريرها فأنت في حالي الموت والحياة بطل يمارس الحضور الدائم ، وليس شبحاً يطل من كوة الماضي البعيد  . لهذا يراد تغييبك .. لهذا تنهض الحملات الضاربة عليك .. لهذا يراد تفكير الجماهير بنهجك وتدجينها وإخماد أنفاسها وإحباط روحه المعنوي ، ولجم تطلعاته المستقبلية . لهذا هبت أعاصير الفرقة والتشرذم فوق ربوع الوطن العربي .. فبعد أن كنا تحت لوائك عرباً أصبحنا في غيابك سنة وشيعة ودروزا وموارنة وأقباطا وأكرادا وزنوجاً .. وبعد أن كانت الوحدة شعارنا الدائم ، صارت الإقليمية والتجزئة وتجزئة التجزئة بعض عقيدتنا وغايتنا .. وبعد أن كنا نطارد الاستعمار ونهتف في خيلاء .. على أن يحمل عصاه كاهله ويرحل .. عادت أيام الاستعمار واستفحلت أوتاد الاستيطان ، وصار دأبنا ممارسة الرحيل واحتراف الهجرة إلى كل بقاع الأرض