ثورة يوليو لتصحيح الأوضاع وليست شماعة للأخطاء

اعداد / محمود حسن

علي الرغم من مرور كل هذه السنوات من عمر الثورة وبخاصة في ذكراها الإحدي والخمسين , إلا أن الكثير قد يشعرون أن في بعض أحداثها قد تفتقر إلي التوضيح حتي تكتمل الصورة وبخاصة للذين ينظرون لتاريخها وأحداثها من منظور الأشخاص وليس مما فعلته الثورة بالفعل من منجزات قد نسير علي دروبها حتي الآن فيكفي أنها كانت كنهر عربي ارتوي منه الكثير واغتسلوا منه من الآم وهموم الماضي .

وبعيدا عن التعصب دعونا نعرف بهدوء ماذا كنا وماذا أصبحنا فقد كان كاهل المواطن العادي مثقلا بهموم ومتاعب لاحصرلها حتي كل الظروف التي من حوله كانت تختم عليه إيجاد طبيعة جديدة وتغيير شامل لكل ما حوله فطوال هذه السنوات نري الكثير يؤمن بالثورة والبعض يعارضها ويقولون نعم لها منجزات ولكن أيضا بها عيوب وإحقاقا للحق سنبرز بعض وجهات النظر وللقارئ الحكم أولآ وأخيرا فيما يروي .

يقول الدكتور جلال يحيي دكتوراه الدولة من جامعة باريس وأستاذ التاريخ الحديث المساعد كلية العلوم الانسانية جامعة أسيوط

إن أصول ثورة يوليو قد مرت من مرحلة التظل بظل السيادة العثمانية إلي مرحلة الاستقلال الاقليمي إلي مرحلة التحرر والتحرير, بمعني أنه بعد إنقشاع ظل الدولة العثمانية من علي مصر والذي ساعد عليه وجود السلطات البريطانية في مصر منذ *1882-1914* بدأ ينقشع تاركا وراءه بداية جديدة لشخصية جديدة قائمة بذاتها ويمكننا تسميتها *بشخصية مصر الاقليمية* ففي أثناء الحرب العالمية الأولي انقسمت مصر علي نفسها بين الاتجاهين ظل الدولة العثمانية والشخصية المصرية الاقليمية لتنتهي صفحة من صفحات الكفاح ضد الاستعمار وتبدأ صفحة جديدة عاشت بها إلي مابعد نهاية الحرب العالمية الثانية ولم تنته الا بحرب فلسطين وقيام ثورة 23 يوليو 1952 .

ويضيف الدكتور جلال يحيي في نفس الكتاب أصول ثورة يوليو في الفصل الثاني عشر بعنوان* الثورة والتحرير * قائلا ان الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية علي مصر في يوليو 1952 حتمت أن تغير قيادتها وتغير القائمين علي شئون الحكم فيها وكان تغير القيادة أساسا يعد متصلا بالبنيان الاقتصادي والاجتماعي للبلاد ومتصلا بالبنيان السياسي والقوة العسكرية وكان هذا التغيير يعني الثورة علي الاوضاع السابقة الفاسدة وبدأ التغيير من الرأس التي كانت تظلل كل مفاسد وتعفنات العهد البائد وكان تغييرا اضطراريا نتيجة للأوضاع الداخلية والعوامل الخارجية حتي تسير تدريجيا لتحقيق أهدافها مستفيدة في ذلك من الأخطاء التي اعترضت طريق الحركة الوطنية في مصر منذ مجئ حملة الجنرال *بونابرت* إلي البلاد 1798 وفي عهد محمد علي والأخطاء التي اعترضت طريق ثورة أحمد عرابي فحركة الحزب الوطني وثورة 1919 فكانت الثورة كسفينة تسير في حقل من الألغام بكل مهارة وبأقل خسارة ممكنة فماهو الطريق الذي سارت فيه الثورة للوصول لأهدافها ? ويكمل دكتور جلال أسباب الثورة وحتميتها كما قلنا إن من أسباب نشوب الثورة السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي لان الأوضاع عموما قد تعفنت وأصبح ضروريا تغييرها فمثلا من الناحية السياسية .

فقد كانت الحياة الدستورية في البلاد لاتحمل من الدستور الإ الاسم فقط وقد رأينا الظروف المتكررة التي ألغي فيها الدستور أو استبدل مما اعتبر للمصريين أكبر دافع لفقد المصريين الثقة في هذا النظام وكان التنافس علي السلطة بين ممثلي الأمة والقصر يدفع بالوطنيين إلي عدم الثقة في كل منهما وظهر الانقسام واضحا بين القصر وأنصار الدستور وماعمله القصر من جهود لتفتيت التكتل الوطني الموجود في البلاد مما زاد عدد الاحزاب باطراد مما أدخل الفوضي في الحياة السياسية الداخلية مما جعل رؤساء الاحزاب أن يسلكوا مسلك ارضاء القصر قبل كل شيء مستهدفين الوصول للحكم وتحطيم ديكتاتورية الاغلبية طمعا في الوصول للحكم والبقاء أطول مدة ممكنة واستغلال المناصب الحكومية من الناحية المعنوية والمادية وناحية النفوذ والسيطرة والاستثناءات والمحسوبيات والصفقات وأذونات الاستيراد والتصدير والمشروعات الكبيرة . كل هذا التهلهل الداخلي وصل بالبلاد لقاع المنحدر وجعل المصريين لايثقون بالقصر ولا بالاحزاب ولا الوزراء مما أدي لعدم استقرار في الحكم وسركة تبديل وزارات الموظفين , مما جعل البلاد في حاجة للاتحاد وليس الأحزاب .

ويستطرد قائلا : أما السياسة الخارجية فكانت قد فشلت تماما في معالجة قضايا الجلاء ووحدة وادي النيل والسير فقط علي دروب وسياسة نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وفشلت المباحثات والمفاوضات مما جعل هناك ضرورة حتمية للنزول لميدان الكفاح لاستخلاص الحقوق الوطنية من الغاصبين وكانت حكومة القاهرة من الوجهاء وكبار ملاك الأرض وكبار رجال الأعمال فيكفي وجود النفوذ الأجنبي دافعا , أما الناحية العسكرية فلقد كان لزيادة الاهتمام بالجيش منذ معاهدة 1936 والاهتمام بتخريج أكبر عدد من الضباط ومحاولة تدريبهم وإعدادهم أكبر الاثر في وجود مادة خام يمكنها بأسلحتها وبأيديها أن تغير الاوضاع الفاسدة في البلاد حيث من المفروض بقاء الجيش خاضعا للقائد الاعلي وفي خدمته إلي النهاية ولكن ظروف هذا الجيش نفسه ساعدت علي حدوث العكس حيث أحس الضباط المصريون أن الذي يتولي أمور إعدادهم وتدريبهم وتسليح جيشهم ومراقبتهم في تحركاتهم وسكناتهم البعثة العسكرية البريطانية , مما كان له الأثر السييء من عناصر الضباط من شباب الوطن وشعروا بما يشعر به الأهالي حتي جاءت حرب فلسطين وخرج الجيش لأول مرة في تاريخه المعاصر عن حدود مصر وعمل في ميدان مستقل بعيدا عن أعين البعثة العسكرية البريطانية وإتصل الضباط باخوانهم العرب من الأردن - سوريا والمتطوعين من ليبيا والسودان ورأوا المخازي والتفكك والأنهيار وسيادة الاقطاع والخنوع للاستعمار ورأوا الارتجالية في وضع خطط العمليات والاستهتار في صفقات الاسلحة الفاسدة والخنوع في اثناء الهدنة الاولي ثم مرارة الهزيمة مع الهدنة الثانية وأحسوا وكأنما ألقي بهم وهم مكتوفو الأيدي في بحر خضم طالبين منهم العوم مما جعل إحساسا داخليا بهم يتولد للوصول للمكان اللائق بين الامم واستخلاص الحق من مغتصبيه فآمنوا بضرورة إجلاء القوات البريطانية لاسترداد كرامة بلادهم وعودة حقوق العرب في فلسطين علي الرغم من المعاناة التي لاقوها في قلة الأسلحة وتحكم البعثة البريطانية في قطع غيارها حتي التفكير في إنشاء مصانع حربية فكان أملا هزيلا مادامت بريطانيا هي التي ستقوم بانشاء هذه المصانع وتقديم الخبراء الفنيين اللازمين لها بل والافراج عن الأرصدة الاسترلينية الموجودة لمصر في لندن لشراء المصانع .

اما عن الناحية الاقتصادية يقول الدكتور جلال يحيي

فقد حدثت تغيرات كبيرة في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية وذلك لوجود عدد كبير من قوات الجيش , جيش الاحتلال وقوات الحلفاء المحاربة في الشرق الأدني وإنفاقها جزءا كبيرا من رواتبها في السوق المحلية مما جعل الحكومات المتتالية تحتفظ بسياسة التسعيرة الجبرية حتي تضمن حصول المستهلك علي السلع ولكن إغراق السوق الوطني بكمية هائلة من أوراق النقد تسبب في رفع اسعار معظم السلع ثم تراخي الحكومة في تطبيق التسعيرة الجبرية مما كان له الاثر لزيادة ارتفاع الاسعار في الوقت الذي بقيت فيه الرواتب محددة وكان لتمتع رجال الأعمال والتجار بكمية من رءوس الأموال المتزايدة في أيديهم ظهور الفوارق الواضحة بين موظفي الحكومة والتجار وظهور طبقة جديدة في مصر طفيلية عرفت *بأغنياء الحرب * عملت مع القوات المحاربة ووضعت نفسها في خدمتها مع ساعد علي ثرائها دون الطبقات الأخري من المجتمع فهذا التغير الواضح في الدخل مع زيادة الأسعار وقلة السلع عمل علي تغيير الاسس العامة الموجودة في مصر في الفترة الواقعة من 1945 حتي 1952 ثم حاولت مصر إنشاء بعض الصناعات المحلية ثم إزدهار الحركة الرأسمالية في مصر وتداخلها مع كل الحركات الرأسمالية في العالم ويعد إزدهار مصر بعد الحرب العالمية الثانية مرتبطا بتصدير الاقطان لفرنسا وبريطانيا للمحاولة للوصول لرجال أعمال وصناعة أجنبية لتمكين الرأسمالية الوطنية للحصول علي مصانع جديدة وآلات حيث كانت أرصدة مصر في الخارج تحت رحمة حكومة لندن تفرج عنها أو تجمدها حسب الظروف الدولية مما قد يجعلها وسيلة ضغط علي الحكومات المصرية المتتالية مما أظهر عجزا في الميزانية المصرية بلغ 1411 مليون جنيه في عام 1946 ثم ارتفع إلي 30 مليون جنيه 1948 ثم حافظ تقريبا علي نفس العجز حتي 1951 لهذه العوامل المصرية من الفقر والجهل والمرض وعجز الميزانية مع النقيض بزيادتها من الأرباح والمكاسب في أيدي طبقات أخري طفيلية وتصميم كبار الملاك عن عدم تنازلهم عن حقوقهم وإمتيازاتهم فانحفض المستوي المعيش للبلاد ولدرجة كبيرة والزيادة السكانية المضطردة حتي مع زيادة التنمية للثروة الزراعية وزيادة مساحة الأراضي المزروعة وتنمية الثروة الحيوانية وتحسين غذاء الشعب وحماية أسعار الحاصلات الزراعية بل وفشلت الحكومة أيضا في تحسين وسائل المواصلات وفي تنمية الثروة الصناعية واستثمار الثروة المعدنية والمائية والبترولية . كل هذا زاد الناس سخطا علي الحكومة وجعل مصر تفتقر إلي وجود نظام عدالة اجتماعية بين طبقات الشعب والعمل علي تحسين الطبقات الفقيرة من الناحية الاقتصادية والعلمية والثقافية بتقليل الفوارق بين الطبقات .

ولكن كانت مصر تشكو سوء توزيع ملكية الاراضي الزراعية فقد كان هناك

11 مليونا ونصف مليون من الملاك لاقل من ستة ملايين من الافدنة الزراعية

2-84 منهم كان يمتلك 11% من الأرض أي فدانين لكل منهم

3- في الوقت الذي كان فيه 8.ر% يمتلك 10% من الأرض مما جعل الغالبية العظمي من الملاك الزراعيين لايمتلكون إلا ربع فدان مما لايكفيهم ولا أولادهم وأضف إلي ذلك قلة المدارس وعدم وجود خدمات إجتماعية وقلة المستشفيات مما جعل هناك هتاف مظاهرات *الغذاء والكساد ياملك الفساد مما يدل علي إهمال الميدان الاجتماعي مما يتطلب تغييرا جذريا ومن هنا جاءت الثورة

بدأ التفكير فيها في رأس عدد من الضباط الاحرار الموجودين بين صفوف الجيش وتجاوبهم مع الشعب في الكفاح والأهداف وتألمهم من الاستعمار وفساد نظام الحكم وخيانة ورشوة في إدارة الجيش وتسليحه وتموينه وبدأوا في تأسيس هيئة لهم في أواخر 1949 وكان الرأس المفكر فيها البكباشي جمال عبد الناصر الذي انتخب رئيسا لهذه الهيئة في انتخابات سنة 1950 ,1951 ,1952 التي اختاروا فيها اللواء محمد نجيب لكي يكون قائدا للحركة عند تنفيذها ثم اصبحت الهيئة التأسيسية للضباط الاحرار بعد ذلك تحولت إلي مجلس قيادة الثورة ومايميز أعضائها بعمق العقيدة والاقدام والشجاعة وقد كانوا يجتمعون من وقت لآخر لوضع الخطط ثم قرروا البدء في 23 يوليو 1952 وقرروا ساعة الصفر في الاجتماع ليلة الاربعاء في نفس اليوم علي أن تبدأ في القاهرة ومنطقة ثكنات الجيش بين العباسية ومصر الجديدة وتشترك في ذلك وحدات من جميع اسلحة الجيش وكانت الخطة لاحتلال المراكز الهامة لاسلحة الجيش وقيادة ضباط من الاحرار لهذه الاسلحة وذلك للاستيلاء علي الجهاز الحربي للحكومة كخطوة أولي لاحتلال القاهرة ومن القاهرة كل القطر ففي منتصف الليل بدأوا باعتقال عدد كبير من الضباط القدامي في القوات المسلحة في منازلهم أو مراكزهم وحتي الطرق المؤدية إليها وتم نقلهم للملكية الحربية واعتقلوا رئيس أركان حرب الجيش مع عدد كبير من اللواءات قواد الاسلحة الذين كانوا مجتمعين معه في رئاسة الجيش وذلك دون مقاومة وتحركت بعد ذلك وحدات الجيش الموالية للحركة بقيادة مايقرب من 200 من الضباط الأحرار مصحوبين بعدد من الدبابات والمصفحات والسيارات وإحتلوا المراكز العامة في منطقة الثكنات ومحاصرة سلاح الحدود والمطارات وبعض السرايا ا. حتلت المرافق العامة مثل * محطة السكك الحديدية ومصلحة التلغرافات والكباري الهامة المؤدية إلي العاصمة *ودخل الضباط الاحرار الاذاعة لاذاعة بيان عن الثورة للشعب وكان بلسان القائد العام للقوات المسلحة ومما جاء فيه *تآمر الخونة علي الجيش وتولي أمره إما جاهل أو فاسد حتي تصبح مصر بلا جيش يحميها وعلي ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولي أمرنا داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم ولابد أن مصر كلها ستلقي هذا الخبر بالابتهاج والتر حيب * انتهي البيان

مما جعل الضباط بعد ذلك يرسموا الخطة اللازمة للتخلص من الملك وبأقل الخسائر وفي الثغر انضمت القوة البحرية للجيش وصدرت الاوامر لليخت الملكي بعدم التحرك وإستبعاد ستة أشخاص من الحاشية مما اضطر فاروق إلي الاذعان وكان هذا هو الهدف الاول * تنحية الملك * ففي يوم 26 يوليو تقدم القائد العام بانذار العلي ماهر الذي كان يرأس الوزارة وقتها يطلب فيها تنازل الملك عن العرش نتيجة لسوء تصرفه وعبثه بالدستور وإمتهانه إرادة الشعب وكرامته وسوء سمعة مصر وقتذاك بين الشعوب حتي اصبح الخونة والمرتشون يجدون الحماية والامن في ظله والثراء الفاحش علي حساب الشعب الفقير فأصدر الملك الامر الملكي 65 سنة 1952 مقررا تنازله عن العرش وكان آخر أمر ملك يصدره فخرج فوق اليخت* المحروسة إلي نابلس واصبحت السيادة لرجال الثورة ولم يستطع في هذه اللحظات ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا التدخل واعتبرها مسأولة داخلية لاتخص بريطانيا في شيء حتي لايتورط مع الجيش والشعب في معارك طاحنة وكان امتناع الدول الاجنبية من الاشتراك أو التدخل يعني أكبر انتصار للثورة ثم بدأ الاتجاه الجمهوري بألغاء الالقاب ودعوة الاحزاب والهيئات لتطهير صفوفها وصدر بعد ذلك قانون الاصلاح الزراعي في 9 سبتمبر ونفس اليوم قانون تنظيم الأحزاب السياسية وقد حدد قانون الاصلاح الزراعي نصاب الملكية الزراعية بمائتي فدان للفرد حتي مائة فدان أخري لاولاده ومايزيد عن هذا تستولي عليه الحكومة في فترة انتقالية لمدة خمس سنوات وقدر ثمن الفدان بعشر أضعاف القيمة الايجارية ثم توزع الاراضي المستولي عليها علي صغار الفلاحين بمساحات تتراوح بين فدانين وخمسة أفدنة يؤدي ثمنها مع فائدة سنوية تبلغ 3% علي أقساط ثانوية في فترة ثلاثين سنة وذلك لانعاش الملكيات الصغيرة ومنع إزدياد ارتفاع اسعار الأطيان وتحويل رؤوس الاموال الزراعية لما يخدم الاستثمار التجاري والصناعي . أما قانون تنظيم الأحزاب السياسية فيكمل الدكتور جلال يحيي قائلا أن هذا القانون قد نص علي ضرورة إبلاغ وزير الداخلية بذلك مع بيان عن نظام الحزب وأعضائه وموارده المالية مما جعل الاحزاب تودع أموالها في المصارف وقد حظر علي رؤساء الاحزاب وأعضاء مجلس إدارته أن يكونوا أعضاء في مجالس ادارة الشركات وتم التغلب فيما بعد علي مشكلة للعمال في كفر الدوار ثم مشكلة الاقطاعيين وعلي رأسهم لملوم ثم قضية حسين سري مدير سلاح الحدود ثم إعلان سقوط دستور 1923 وقررت أن يكون نظام حكم مصر جمهوريا وعن طريق الاستفتاء العام ثم إعلان 17 يناير 1953 بحل جميع الاحزاب السياسية ومصادرة جميع أموالها لصالح الشعب ثم فترة إنتقالية لمدة ثلاث سنوات حتي تتمكن من إقامة حكم ديمقراطي سليم ثم كان للثورة الفضل في تقرير المصير للسودان وإبعاد البريطانيين حتي أعلنت الجمهورية في 18 يونيو 1953 لينتهي بذلك حكم محمد علي الذي تولي العرش وأسرته قرابة قرن ونصف قرن ثم تولي محمد نجيب رئاسة الجمهورية وتم مصادرة اموال فاروق التي بلغت 24 قصرا و48 ألف فدان مع اليختين الملكيين * فخر البحار * فيض البحار مع الأموال المودعة في المصارف كما صادرت أموال وممتلكات افراد الاسرة المالكة السابقة ثم إصطدام الثورة *بجماعة الاخوان المسلمين* وإصدار قرار بحل جماعتهم لتآمرهم مع رجال السفارة البريطانية علي قلب نظام الحكم واعتقال عدد من زعمائها لوجود صلات بينها وبين الشيوعيين ثم تم تشكيل وزارة جديدة برئاسة البكباشي جمال عبد الناصر مع إحتفاظ محمد نجيب برئاسة الجمهورية ثم وقع اشتباك بين الاخوان والبوليس ثم وقعت محاولة لاغتيال رئيس الحكومة في 26/10 سنة 1954 ثم تم إعفاء محمد نجيب من جميع المناصب التي كان يشغلها في 14 نوفمبر 1954 . ويضيف الدكتور جلال يحيي ومن هنا فان محققات الثورة كان لها أكبر الاثر في تحرير الاقتصاد المصري من السيطرة الاجنبية حيث قامت بتمصير البنوك الاجنبية 1957 وبعد انتهاء ازمة قناة السويس أصبحت هذه البنوك شركات مساهمة مصرية كل أسهمها مملوكة للمصريين ومجالس إدارتها مصريين ثم تمصير شركات التأمين الاجنبية 1957 وقامت المؤسسة الاقتصادية المصرية بشراء أسهم الفرنسيين والانجليز في البنوك وفي شركات التأمين وتمصير وكالات التجارة الاجنبية التي كانت تحتكر جزءا كبيرا من أموال البلاد وتوجهها لتحقيق مصالح الاستعمار وبهذا نجحت في تحرير الاقتصاد المصري من السيطرة الاجنبية وصار مال البلاد داخل البلاد وفي صالح أبنائه .

ثم عملت الثورة علي احترام الملكية الفردية في حدود الصالح العام ثم تحويل الأجراء إلي ملاك دون تحكم في المواطن أو الدولة .

ثم صدر *قانون الاصلاح الزراعي الثاني 23 يوليو 1961* وحدد ملكية الارض بمائة فدان بدلا من مائتين مما ساعد علي توافر الأراضي التي يمكن توزيعها علي صغار الزراع وتحويل رأس المال لجهات أخري كالصناعة وتحرير العمال من استيراد اصحاب رءوس الاموال في يوليو 61-62 واشتراك العمال في ارباح مؤسساتهم سمحت كل هذه التشريعات حسب تخطيط معين للحكومة للاستمرار في تصنيع البلاد ومواصلة العمل في السد العالي وتحسين كل النواحي الاجتماعية والمعيشية .

الملفات السرية في حياة جمال عبد الناصر
عبد الناصر زعيم استثنائي في حياة مصر والعرب والعالم الثالث صدرت عنه الكثير والكثير من الكتب والمؤلفات عن عبد الناصر السياسي والزعيم والحاكم ولكن أين عبد الناصر الانسان ماذا كان يحب , ماذا كان يكره , ماذا يسمع ويشاهد وما الذي كان يشغل فكرة , من هم المقربون اليه ومن وماذا وكيف .. عشرات الاسئلة التي يجهل الكثيرون إجاباتها وهنا نحاول القاء الضوء علي جوانب معتمة في حياة هذا الرجل الذي لم يتكرر .

عبد الناصر ووسائل الاعلام

الشيء الوحيد الذي لم يكن يفارق عبد الناصر الا في ساعات النوم القليلة كان هو جهاز الراديو حيث كان دوما بجواره سواء في حجرة مكتبه أوفي حجرة نومه ويقول حاتم صادق *زوج ابنة عبد الناصر *إن الراديو كان دائما مفتوحا علي نشرات العالم إلي حد اننا إن لم نسمع الراديو في غرفته نعرف علي الفور أنه قد نام بالاضافة لاهتمام عبد الناصر بالاذاعات العالمية كان عبد الناصر يقرأ كثيرا حتي إن هيكل في كتنبه *خريف الغضب * قال إن بعض ماكان يقرأه عبد الناصر لايساوي حتي الوقت الضائع فيه كان يقرأ الطبعات الثلاث لصحف القاهرة بجميع ما تحتوي حتي الكاريكاتير والتعليقات والشكاوي وكان يقارن بين الطبعات المختلفة من كل صحيفة وكثيرا ماكانت له ملاحظات عليها ثم يطلع علي صحف العالم وتقارير وكالات الانباء وترجمات للصحف الفرنسية والسوفيتية .

وفي حوار لعبد الناصر مع ممثلي الصحافة العالمية والعربية في 28 /5/1967 قال *أنا بقالي 15 سنة قاعد أقرأ جرايد إنجلترا وبالذات اكسبريس وباتفرج علي الكرتون اللي ينتشر وباقرأ المقالات وماأثرتش علي كإنسان وأما الاقيكم مابتشتموش بازعل * وكان عبد الناصر يهتم خاصة بالجرائد الانجليزية والامريكية واللبنانية حيث كان في وقت من الاوقات يصدر في لبنان حوالي 40 صحيفة يومية وبدون مبالغة - تطبع ولاتقرأ- كانت تصدر خصيصا لمهاجمة عبد الناصر فقط حيث كان لبنان ساحة مصغرة لكل الصراعات والاتجاهات الفكرية والسياسية في العالم العربي كله وكانت المخابرات العامة تقوم باعداد تقارير يومية بأقوال الصحف وأبرزما ينشر فيها .

بريد عبد الناصر الخاص

كان منير حافظ الرجل الثاني في مكتب معلومات عبد الناصر يشاهد ويسمع ويتأمل ويندهش من شكاوي البسطاء إلي تقارير المخابرات ومن تفاصيل خناقة بين زوج وزوجته إلي تفاصيل استعدادات اسرائيل قبل يونيو 1967 .

وفي إحدي الشكاوي ارسلت إحدي المدرسات في مدرسة بالصعيد في عام 1959 خطابا تشكو فيه ناظرة المدرسة التي تعمل بها لانها تضطهدها لاسباب شخصية حيث إن أحد أقرباء المدرسة رفض الزواج من الناظرة .

وكان عبد الناصر يرد علي أغلب المشكلات بنفسه وكثيرا ما كان يكتب الرد كاملا وكانت البوستة تدخل مكتب الرئيس ثم لاتخرج الا بإذنه وكان بمجرد أن يقرأ ما أدخلناه له من أوراق وخطابات فهو يضعها علي رف محدد وهذا معناه أن نأخذها لنعرف ملاحظات الرئيس أو قراراته بشأنها .

وكان المكلف بهذا هو سامي شرف في سفره أو غيابه , كان منير حافظ هو من يقوم بهذا .

ولكن هل كان عبد الناصر يهتم فقط بالاخبار السياسية أم هناك اشياء أخري كانت تستهويه ..?

يقول منير حافظ في مذكراته إنه كان كل جمعة يحرص علي سماع برنامج علي الناصية ولفت نظر عبد الناصر في مرة من المرات ان ضيف الحلقة طفل يروي مأساته للمذيعة حيث تناول بطريق الخطأ مادة البوتاس الكاوية مما تسبب في التهاب حنجرته والتصاق المرئ وفي نهاية البرنامج سألته المذيعة كالمعتاد تحب تسمع إيع فقال الصبي ببساطة أحب اسمع اغنية أم كلثوم *أروح لمين وأقول يامين *وسألته لماذا هذه الاغنية بالذات فقال لها لاني مش لاقي حد أروح له يحل مشكلتي .

وكان الرئيس يستمع لمأساة الصبر حتي النهاية وفي الحال بادر بطلب سامي شرف تليفونيا وروي له المأساة التي سمعها وطلب منه معرفة واحضار اسم الصبي وعنوانه فورا وفعلا احضرنا له كل البيانات الخاصة بهذا المسكين ثم تقرر علاجه علي نفقة الرئيس وظل يسأل عنه ويستفسر عن صحته حتي شفي تماما

من مذكرات منير حافظ الرجل الثاني في مكتب عبد الناصر

أكثر الأيام قسوة في حياة عبد الناصر

5 يونيو 1967 من الايام السوداء في تاريخ مصر ولكنه اكثر الايام سوادا في فترة حكم عبد الناصر.. ماذا جري بالضبط صباح الاثنين 5 يونيو 1967 ? هذا السؤال يلح دائما علي الاذهان في ذكري الثورة وإنتصاراتها وارتفاعاتها وتظل هذه النكسة هي أهم حدث كسر بداخلنا شيئا مالم يعد أبدا مثلما كان وعن هذا اليوم وماتلاه من أيام حتي يوم خطاب التنحي لعبد الناصر كان هناك الكثير من شهود العيان الذين رووا ماشاهدوه في مذكراتهم ومنهم نحاول الاجابة عن لماذا أوماذا حدث?

يقول المهندس محمد صدقي سليمان رئيس وزراء مصر وقتها .. لم أسمع بخبر العدوان إلا وأنا في السيارة متجها من المنزل في طريقي إلي رئاسة مجلس الوزراء عندما سمعت صوت القنابل وسألت فعلمت أنها غارة فتوجهت للقيادة وهناك وجدت جمال عبد الناصر وزكريا محيي الدين وبعد ساعة قال جمال ياللابينا وخلينا نسيب المشير يتصرف

أما أنور السادات في مذكراته عن بداية هذه الايام الصعبة يقول عرفت من الراديو ان اسرائيل قد بدأت الهجوم فقلت في نفسي حسنا سوف يتعلمون درسا لن ينسوه مدي حياتهم , كنت مطمئنا كل الاطمئنان فحلقت ذقني وارتديت ملابسي علي مهل وتوجهت بسيارتي الي القيادة .

وعن مذكرات منير حافظ الرجل الثاني في مكتب عبد الناصر يقول :

بينا كنت أرتدي لاتوجه إلي المكتب وتناهي إلي سمعي أصوات ضجة وزيطة في الشارع وكنت أسكن بشقة تطل مباشرة علي السفارة الامريكية وفجأة توقفت السيارات في الشارع وعلمت أن اسرائيل قامت بضرب مطاراتنا وأن الحرب قد بدأت وكنت وقتها مثل أي مواطن مصري مشحون تماما ومتأكد من النصر وأن العملية ستكون سهلة رغم التقارير التي تؤكد صعوبة الموقف

وأذكر أن صلاح نصر مدير المخابرات العامة وقتها اعد تقريرا من حوالي صفحة جاء فيه ان الوضع ليس بالسهولة التي كنا نتصورها وان التصور القائل بتدخل الاتحاد السرنيتي في القتال مبني علي غير اساس .

الحربية يقارن بين مدي الاستعدادات الاسرائيلية واستعدادتنا ولكن كل ذلك جاد ذكره علي استحياء في هذا التقرير وكان ذلك في يوم 4 يونيو ولكن كان الوقت قد فات

وفي طريقي للمكتب استلفت نظري وتوجست ريبة من سقوط هذه الاعداد الضخمة من طائرات اسرائيل وبمجرد وصولي للمكتب دخلت علي سامي شرف لقيته شارد الفكر وسرعان ماتكشفت الحقائق بعدها

أما د .ثروت عكاشة فيقول .. حيث بلغت القيادة العامة لقيت هناك صلاح نصر مدير المخابرات العامة فلفني وإياه صمت الذهول ثم اذا بوزير الحربية شمس بدران يواجهنا ثم يقول * أما اتخمينا حتة خمة *.

أما عن ليلة تنحي عبد الناصر في يوم 9 يونيو 1967

فتقول د . هدي عبد الناصر في حوار صحفي لها *إنني أتذكر جيدا عقب عودة أبي من قصر القبة بعد أن القي رسالة إلي الامة في 9 يونيو 1967 معلنا استعداده للتنحي وتحمل المسئولية كاملة , كان المشهد في بيتنا موحشا وكئيبا كل رجال الدولة وكبار المسئولين واجمون الحزن يطل من عيونهم والفزع ملاحعهم وبين هؤلاء كان سامي شرف يبكي ثم أغمي عليه فنقلوه إلي مكتبه المجاور. أما شعراوي جمعة فكان يولول في بكاء بصوت مرتفع وهو يصرخ *إحنا لينا مين غيرك ياريس * .

أما منير حافظ فيقول * أذكر أنني عندما سمعت خطاب التنحي أصابني سهم الله وأحسست أن مرحلة من عمري وحياتي وحياة البلد قد انتهت تماما وأننا مقبلون علي مرحلة مخيفة غامضة وفي دقائق كان مئات المسئولين يتدفقون علي المكتب وأخذت أقرأ ملامح الوجوه فهناك من كان والبعض الآخر يريد أن يعرف الكرة مع من في هذه اللحظة , وجاء عبد الحميد السراج * وزير داخلية سوريا أيام الوحدة* وأخذ يصرخ في وجهي ازاي ازاي ثم وقع علي الأرض واترعبت فقبلها كان أجري عملية في المخ وتحول المكتب إلي صراخ ونحيب وعاد عبد الناصر لتولي المسئولية لكنه بعد 9 و10 يونيو اصبح إنسانا مختلفا وحدث تغيير رهيب في نظرته للحياة والأمور وسيطر عليه احساس غريب أن العمر أقصر من أن يضيع في غير العمل فوصل عدد ساعات إلي حوالي 18 ساعة في اليوم .

واذا كان هذا إحساس رجال عبد الناصر بأنهم ليس لهم غيره فقد عبر الملايين من أبناء هذا الشعب في 9 و10 يونيو بأنهم ايضا لايريدون غير عبد الناصر بديلا وإحنا معاك ياجمال ياحبيب الملايين .

 

Home Up