العروبة بعد عبد الناصر

نبدأ أولا بالسـؤال عن ماهية العروبة وماهية الفكر القومي العربي المدافع عنها، ونقررُ هنا أن العروبة انتماءٌ لا فكر· إنها انتماءٌ لأمة واحدة هي الأمة العربية· وهي أمة ذاتُ لغةٍ واحدة وتاريخ واحد وحضارة واحدة، هي الحضارة العربية الإسـلامية التي تضم كل العرب من مسـلمين ومسيحيين، بل تضم أيضا اليهودَ العربَ ممن لم تخدعهم الصهيونية وتجلبهم إلى دولتها المزروعة في فلسطين· ذلك أن العربي عربي مهما كان دينه· فقبلَ الإسـلام كان مشركا يعبدُ الأصنامَ من غير الله الواحد، أو كان موحدا، على دين إبراهيم أو موسى أو عيسى· وبعد ظهور الإسـلام وقضائه على المشركين من العرب، أولئك الذين خيرهم المسـلمون بين دخول الدين الحنيف أو حد السـيف، أصبح العربي مسـلما أو بقي على دينه إن كان من أهل الكتاب، أي يهوديا أو نصرانيا· ذلك أنّ الإسـلامَ لا يُجبرُ الكتابيين على تغيير دينهم لكونهم، كالمسـلمين، يعبدون إلهاً واحدا هو الله تعالى· لذلك اكتفى المسـلمون بدعوتهم إلى دينهم بالتي هي أحسـن· كما نقرر أن الفكرَ القومي العربي مجموعة نظرياتٍ تثبتُ انتماءَ "الشعوب" العربية المتفرقة جغرافيا في أقطار شـتى لهذه الأمة الواحدة، وتثبتُ أنه لا بد لهذه الأمة من أن تتوحدَ في دولة واحدة، لأنّ في وحدتها، أولا وأخيرا، منعتها وقدرتها على تنمية ذاتها اقتصاديا وحضاريا· وليس بالضرورة أن يحمل هذا الفكر مبدأ إيديولوجيا ذا علاقة بشـكل دولة الأمة· فبعضُ القوميين العرب رأى أن لا بد من انتهاج الاشـتراكية سـبيلا لتحقيق أهدافهم، وبعضهم وجد في الشيوعية الشكل الاشـتراكي الأوحد وما عداه رقصا على الحبال، ومال بعضهم إلى الفكر الحر (اللبرالي) وآخرون أصروا على أن الإسـلام كان رافعة الحضارة العربية في أول الزمن، فلا بدّ منه في تاليه· كل هؤلاء قوميون عربٌ ينتمون للعروبة، كما كان الروسُ الشـيوعيون ينتمون لقوميتهم الروسـية وينتمي لها اليومَ اللبراليون منهم، بعد أن دالت دولة الشيوعية في روسـيا· وما كان للشـيوعيين العرب أن يزعموا أنهم ورفاقهم في الصين ينتمون لأمة واحدة لكونهم ينتمون لفكر اقتصادي اجتماعي واحد· كما أنْ ليس للإسـلاميين العرب أن يزعموا أنهم ينتمون لقومية واحدة هم وإخوانهم في الإسـلام من العجم، حتى لو أنهم جميعا اعتبروا أنفسـهم تابعين لـ"أمة الإسـلام"· فأمة الإسـلام هنا لا تغيّر من حقيقة أن العربي عربي والعجمي عجميّ، وإن كانا كلاهما مسـلمَيْن· هما كذلك اليوم، ولقد كانا كذلك يوم كانا تابعين لدولة واحدة، هي دولة الخلافة قبل سـقوطها· ولا يعني الفكرُ القومي العربي بهذا أن العروبة حربٌ معلنة أو مضمرة على كل عجميّ· فما هذا إلا تعصّبٌ أحمقُ لم يعرفه تاريخُ العربِ، قديمُه أو حديثه، باستثناء هناتٍ هنا أو هناك تصدر في كل زمان ومكان عن العامة أو المغالين من أصحاب الرأي·
لعلّ ظهور القوميات والفكر القومي في أوربا كان ذا أثر على تفكير رواد الفكر القومي العربيّ· لكنّ ثمّة كثيرا من المبالغة في رد هذا الفكر كليا إلى مثيله في أوربا· صحيحٌ أنّ العربَ بعد الإسـلام كانوا يشـيرون إلى مواطني دولتهم بالمسلمين· لكن ذلك كان تحصيلَ حاصل، مرده إلى أن الدولة العربية قامت على أكتاف الإسـلام، لابسـة لبوسـه، حاملة رسـالته، مجاهدة في سـبيل نشـرها· والحقيقة أن مواطني تلك الدولة كانوا أقواما مختلفة من عرب وعجم، يجمعهم جامعُ الإسـلام، دينا أو دولة· ولقد بقيَ الحالُ هكذا حتى نحا الأتراك، في أواخر السـلطنة العثمانية، منحى تتريك مواطني الدولة العثمانية· وهذا ما لم يحدث في تاريخ الإسـلام من قبل· بل على عكس ذلك، كانت العربية اللغة الرسـمية في الدولة الإسـلامية وأقاليمها المسـتقلة عن المركز· وهذا ما أثار لدى العرب الشـعورَ بهويتهم القومية، وهو شـعورٌ دفاعي أمام خطر التتريك· والشـعورُ القومي الدفاعي شـعورٌ طبيعي منطقي كلما ألمّ خطرٌ بالأمة، أيةِ أمة· لذلك وجد روادُ الفكر القومي العربي لدى المفكرين القوميين في أوربا ما يعبرُ عنهم إذ هم يبحثون عن ملاذٍ يلوذون به في المحنة التي تمتحن بها لغتهم، مطية حضارتهم ولسـانُ قرآنهم العربي المبين· لذلك، نستطيع القولَ إنّ الفكرَ القومي العربي في فحواه تعبيرٌ عن حقيقة واقعة، لا نظرية يختلف فيها الناس· وإذا كان في هذا الفكر ما يثيرُ اختلافَ الرأي، ففي أسـلوب تحقيق الوحدة العربية، التي هي الهدفُ الأسـمى الذي يسـعى له القوميون العرب·
في منتصف القرن العشـرين ظهر جمال عبد الناصر· كان ذلك بعد حربيين كونيتين طاحنتين، خرج العربُ من أولاهما وقد ارتفع عن رقابهم نيرُ الحكم العثمانيّ التركيّ، ثم ما لبث أن كبلها نيرُ الإمبريالية البريطانية والفرنسـية· وخرج العربُ من الثانية وقد جلب البريطانيون إلى خاصرة وطنهم غزاة صهاينة من يهود أوربا ليقيموا لهم فيه دولة غريبة دخيلة تفصلُ مشرقَ الوطن العربي عن مغربه· وإذ حاولت الدولُ العربية الحيلولة دون ذلك، صادقة النية أو كاذبة، بأنْ أرسـلت جيوشها لتقاتلَ الغزاة وتصدهم عن أهدافهم، لم تفلحْ تلك الجيوشُ في مهمتها، وعادت من حيث أتت، كلمى هزيمة، بعد أن اسـتولى الصهاينة على معظم الأراضي الفلسـطينية· وما كان انكسـارُ تلك الجيوش إلا انعكاسـا لواقع الدولة القطرية العربية، المتمثل بالضعفِ والفسـادِ وأنانيّةِ الحكام· وكان طبيعيا أنْ تحفزَ تلك الهزيمة الحراكَ الثوري لدى الناس على أوضاعهم وتهافت حكامهم· فكان انقلابُ الجيش المصري على نظام الحكم في الديار المصرية واسـتيلاءُ الضباط الثائرين (الضباط الأحرار) على مقاليدِ الدولة في مصر، بعد طرد الملك منها·
حين اسـتتب الأمرُ للضباط الأحرار، ممثلين بقائدهم جمال عبد الناصر، وجدوا أن تحقيقَ الأهداف التي قامت من أجلها ثورتهم يقتضي لم شـتاتِ العرب في دولةٍ واحدة، وإذكاءَ روح الأمة فيهم، وقد تكالبَ عليها المسـتعمرون الفرنسـيون في المغرب العربي والبريطانيون في المشـرق· لم يكن هذا ترفا من لدن هؤلاء الحكام الجدد، بل كان تعبيرا صادقا عن مصلحة القطر المصري، الذي كان، بالرغم من حجمه الجغرافي والسـكاني الكبير نسـبيا، أضعفَ من أن يحميَ مصالحَه وحدَه أمام الهجمة الإمبريالية عليه· لذلك تبنى النظامُ الجديدُ، الذي أصبح يُشـار له فيما بعدُ بالنظام الناصري، نسـبة إلى الرئيس جمال عبد الناصر، ريادة العمل القومي العربيّ· فكانت مصرُ، كما قلنا أعلاه، أوّلَ قطر عربي يحمل هذه الدعوة قولا وفعلا، بعد إجهاض الثورة العربية الكبرى، بقيادة شـريف مكة، الحسين بن عليّ، واحتواءِ بريطانيا لها بعد الحرب العالمية الأولى·
لقد حققت الدولة الناصرية في مصرَ جملة إنجازاتٍ على الصعيدين المحلي والعربيّ· فكان أهم إنجازاتها، على الصعيد المحلي، تحريرَ المواطن في مصر من ربقة الإقطاع والعبودية للملك وبطانته الفاسـدة، وزرعَ الاعتزاز بالنفس وبالانتماء العربي في نفوس المصريين، بعد أن كان أغلبُهم يشـعر بالنقص أمام الأجنبي، التركي والأوربي· كذلك جنحَ بعضُ مثقفيهم إلى نسـبة المصريين للفراعنة، لا للعرب· أما على الصعيد العربي فقد فعلتْ الدولة الناصرية الفعل عينه في زرع الاعتزاز بالنفس والانتماء للعروبة لدى عامة العرب في شـتى ديارهم ومهاجرهم· وهنا لا بدّ لنا من الإسـراع إلى التأكيد على أن من غير الإنصاف الزعمَ أن لعبد الناصر الفضل في وجود العروبة· ذلك أنها، كما أسـلفنا، موجودة فعلا منذ كان العرب قبل الإسـلام· لكننا لا نملك إلا أن ننسـبَ لعبد الناصر الفضلَ الكبير في إذكاء الشـعور القومي لدى العربِ في مشـرق الوطن ومغربه، وجعل مصر قاعدة للعمل القومي العربي· ذلك أنّ انتصار الثورة الناصرية على الملكية المسـتخذية للإمبريالية البريطانية، وصمودها، عام 1956، أمام الغزو الثلاثي الذي قامت به بريطانيا وفرنسـا بمشـاركة دولة الاغتصاب الصهيونيّ، وتوجهَ جمال عبد الناصر نحو الأمة العربية كلها في تأجيج نار الثورة في نفوس أبنائها، أعاد للعرب الشـعورَ بالكرامة والاعتزازَ بعروبتهم، بعد أن مرّغت أنوفهم عصورُ الانحطاط، وهزمتهم الإمبريالية والصهيونية بقضم أجزاءَ من وطنهم، وهم ينظرون إلى ما يجري لهم مستسلمين، بلا حول ولا حيلة· وهنا لا بد لنا من أن نذكرَ أنّ اعتزاز العربي بعروبته كان صفة للعرب منذ أيام الجاهلية· وقد يكونُ هذا الشـعورُ الاسـتعلائي لدى العربِ هو ما دفع النبي محمدا، عليه السـلام، إلى قوله المأثور، "لا فضلَ لعربي على عجمي إلا بالتقوى"· ولعل النبي الكريمَ قال قوله هذا ليزرعَ التقوى في نفوس العرب، ويخففَ من جموح عصبيتهم، لا ليكسـر في نفوسـهم العزة والأنفة· ذلك أن المؤمن القوي خيرٌ من المؤمن الضعيف· وشـعورُ المرء بالعزة التي هي الثقة بالنفس، في اعتقادنا، لا ينهى عنه الدين الحنيف، ما لم يجنحْ ذلك به إلى الكبر، الذي نهى عنه الله تعالى في قوله على لسـان لقمان: "ولا تصعرْ خدكَ للناس ولا تمش في الأرض مَرَحا· إنّ اللهَ لا يُحِب كل مختال فخور"· والناضجون فكرا وحضارة من القوميين العربِ اليوم، يعتبرون دعوتهم القومية الوحدوية لمّا لشـتات الأمّة، لا اسـتعلاءً على أحد من الأقوام أو غضا من شـأنه·
بهذا نرد على الناعين للعروبة بعد عبد الناصر وانهيار البعث في العراق، لأن العروبة، كما قلنا، انتماءٌ لا فكرٌ يعتنقه المرءُ اليومَ وقد ينبذه غدا· والهزيمة عاملٌ من عوامل تغيير الفكر أو تصحيحه، وقد تكون باعثا للكفر بما كان المرء يؤمن به· ولكنها لا تجعل العربي عجميا ولا العجمي عربيا· لعلنا هنا نسـتثني أولئك العربَ المهاجرين إلى بلاد العجم، ممن ينسـلخون عن قومهم إلى غير رجعة· وهم حقيقة قلة· فقد رأينا كيف أن الكثيرين من الجيل الثاني والثالث من المهاجرين العرب في أمريكا، ممن لم تتحْ لهم فرصة تعلم اللغة العربية، يعتزون بأصلهم العربي، ويدافعون عن القضايا العربية بقوة قد تفوق قوة إخوانهم ممن لم يغادروا وطنهم·
لا شـك في أن الوفاة أدركت عبد الناصر قبل أن يحقق الكثير· كما لا شـك في أن خليفته كان ذا توجّهٍ مضاد له· وهو أمرٌ مؤسـفٌ حقا· وإنْ دل هذا الانحرافُ على شـيء فإنما يدل على أنّ هذا العصرَ بات عصرَ دولة المؤسسات، لا دولة الأبطال· فلو ترك عبدُ الناصر وراءه مؤسسة تمنعُ فكرَه وترعاه، ما اسـتطاعَ خليفته أن يجنحَ بمصر هذا الجنوحَ المؤسـف· ودولة المؤسسات سـمة من سـمات الحضارة الحديثة· وهذا ما يجب على القوميين العرب أن يسـعوا له في نضالهم لتحقيق أهدافهم· كان عبد الناصر بطلا قوميا بلا شـك· نحترمُه ونجله ونهتدي بمسـعاه· لكننا يجب ألا ننتظر بطلا آخر مثله "ليقودَ مركبَ العروبة إلى شـاطئ الأمان"، حسـب التعبير السـائد بين العربِ في وصفِ زعمائهم· لا أحدَ يقودُ المركبَ إلى شـاطئ الأمان إلا الشـعبُ المتمتعُ بحريته، الواثقُ من نفسـِه، الواعي لأهدافِه، الذي يختارُ الحاكمَ بناءً على قدرته الشـخصية وقدرة أعوانه الذين يشـاركونه في الإدارة، أندادا لا أتباعا، الشـعبُ القادرُ على أن يعزلَ الحاكمَ حين يعجز عن قيادة البلاد أو حين تنتهي ولايته، فلا يُنزله منزلة الآلهة مهما كانت صفاته سـاحرة وأعماله عظيمة، لأنّ أرحامَ النسـاء قادرة على إنجابِ غيره بل من هو أفضلُ منه· وعلى الحاكم العربي المنتخب أن يعملَ على تطبيق برنامج مرسـوم، يقره مجلس الأمة، لا يفرضه الحاكم على هواه، يرمي إلى تحقيق الرخاء والمنعة، وكلاهما لا يتأتى إلا بالوحدة العربية، لأن الدولة القطرية أعجز من أن تحقق هذا الهدف· والحقيقة أنّ الحاكمَ القطري عموما لا يجد مصلحة له في العمل على تحقيق الوحدة، لأن من شـأن دولة الوحدة أن تأتي له بمنافسـين أقوياء· لذلك يجب الحد من سـلطة الحاكم حتى لا تقودَه أنانيته إلى الاسـتبداد والتفرد بالحكم· وإذ ليس في مصلحة العدو الصهيوني والإمبرياليين المتربصين بالأمة أن تتحقق الوحدة العربية، فإنّ الحاكم القطري المسـتبد خيرُ مطية للصهيونية والإمبريالية لتخريب كل عمل وحدويّ·اكم على هواه، يرمي إلى تحقيق الرخاء والمنعة، وكلاهما لا يتأتى إلا بالوحدة العربية، لأن الدولة.

 معنى الغياب

في كل ايلول من كل عام ندخل في وجع الذكرى، ونشرق بدموع الحسرة، ونجزع في حضرة الموت، ونخشع في محراب الحنين، ونشعل للحزن الف شمعة عذراء·
في كل ايلول من كل عام نقرأ غيابك في دفاتر الحضور، ونشاهد طيفك في مرايا التاريخ، ونسمع صوتك في مآذن المستقبل، ونتنسم عبيرك في دماء الشهداء، ونتلمس روحك في ميادين المقاومة والنضال·
في كل ايلول من كل عام تحاصرنا آلام الفراق، وجراح الفجيعة، ومشتقات السواد والحداد·· ففي عصر اليوم الثامن والعشرين من ايلول سنة 1970 ضاقت الحياة ذرعاً باغلى الرجال، وسددت له الاقدار طعنة نجلاء، وتوقف عن الخفقان قلبه الكبير الذي وسع امة تنبسط ما بين صنعاء والدار البيضاء·
سريعاً·· جاءنا وغادرنا جمال عبد الناصر·· جاء على صهوة الثورة عند الفجر، وغادر على وقع الكارثة عند العصر، وكانت المفاجأة هي القاسم المشترك بين الشروق والغروب، فيما كانت المعجزة هي التوصيف الذي يليق بفارس ما ان جاء امته حتى نهضت، وما ان غادرها حتى تدهورت وتقهقرت وتبهدلت وتراوحت بين الالعوبة والاكذوبة·· ذلك لانه كان لامته عنواناً، فاضحت من بعده مبنية للمجهول، وكان لامته مضموناً فاضحت بعد غيابه ظاهرة صوتية، وكان لامته رمزاً فاضحت عقب رحيله منزوعة الدسم والقيم والرموز·
بكل المقاييس، كان جمال عبد الناصر بطلاً استثنائياً لا يجود التاريخ بامثاله الا في احيان خاصة ومتباعدة، غير ان عظمته الحقيقية انطلقت اولاً واساساً من تمثله لمنظومة من القيم والمعاني والاحلام والاخلاق والمفاهيم الوطنية والقومية السامية التي ناضل من اجلها، ووقف عمره كله على تحقيقها، ثم ما لبث حين حضرته الوفاة ان تركها وديعة لدى احرار الامة، وامانة في اعناق شرفاء العروبة·
ومن هنا، فليس المهم اداء عبد الناصر في الحكم، بل المهم دوره في التاريخ·· ليس المهم انجازاته في الواقع، بل الهاماته للاجيال الصاعدة·· ليس المهم اخطاءه السياسية والعسكرية، بل امثولاته في اقتحام الخطر، وارتياد الصعب، وتحدي المستحيل·· فالعظماء لا يجوز اخضاعهم لقياسات العاديين، والرواد لا يحق تقييمهم بموازين الامعات والاتباع والمتهافتين·· فقد سبق لنابليون ان مات منفياً، ولكن اسمه بقي خالداً في تاريخ العظمة الفرنسية، كما سبق لبسمارك ان قضى معزولاً، ولكن اسمه لم يغب عن ذاكرة الوحدة الالمانية، وسبق لخالد بن الوليد ان رحل مطروداً، ولكن بطولاته بقيت حاضرة في الوجدان العربي حتى يومنا هذا·· وقل مثل ذلك عن طارق بن زياد، ويوسف العظمة، وجان دارك، ومارتن لوثر كنج·
يحدث ان يرحل العظماء مهزومين ومخذولين، قبل ان يؤدوا كامل دورهم، او يفرغوا من تحقيق كامل رسالتهم·· غير ان عظمتهم تبقى محل اقتداء، ومصدر الهام، ومشعل اقتباس لدى الاجيال الطالعة، وابناء المستقبل الذين غالباً ما يسلكون ذات الدرب، ويعتنقون ذات المبادئ، ويتممون ذات الرسالة، وينهضون بذات الدور، ويجابهون ذات الاعداء والمصاعب والتحديات·
حين اشرقت شمس عبد الناصر عام 1952 كانت الامة العربية - مثلما هي الآن - جثة هامدة تبحث عن بطل يبث فيها الروح، ويبعث فيها الحياة، ويحقق لها باقة من الاشواق في الاستقلال والوحدة والحرية والعروبة السياسية·· ولم يتردد هذا المارد المصري الذي ظهر على حين غرة، في تلبية نداء الامة، وتسلم دفة القيادة، وتثوير الملايين العربية، وتعميم الثقافة النضالية، وخوض اشرف واشرس المعارك ضد الغزاة الصهاينة والمستعمرين الى اخر يوم من حياته·
كان النضال عنده "فرض عين"، فلا مكان للشعوب التي لا تعرف كيف تدافع عن حقوقها·· وكانت التضحية عنده "دستور حياة"، فلا قيمة للانسان الاناني الذي لا يجيد فن العطاء·· وكانت القومية عنده "شرط انتصار"، فلا مستقبل لامة مجزأة تتعدد فيها الخرائط والحدود·· وكانت النزاهة والشجاعة والمطاولة عنده "ضرورة قيادية"، فلا اهمية في قواميس التاريخ او نواميس الحياة للقادة والحكام الفاسدين والمارقين والرعاديد·
بانتهاء اعمارهم، يذهب الحكام العاديون الى مهاوي النسيان، فيما يتألق القادة العظام في مساحات الذاكرة العامة·· يذهب الحكام الى دهاليز التاريخ، فيما يتصدر العظماء اعلى طبقاته وانصع صفحاته·· يذهب الحكام الى قبور الفناء، فيما يسكن العظماء منازل الخلود ورياض الابدية·· فكم حاكم عربي قضى قبل رحيل جمال عبد الناصر وبعده ؟؟ وهل هناك من يذكر معظمهم الا على محمل الادانة، او يتذكر هذا المعظم الا في معرض السخرية والاستخفاف ؟؟
من يذكر انور السادات - مثلاً - في الوقت الراهن، الا مصحوباً بصلية اللعنات ؟؟ ومن يتذكره الا لغرض اثبات انتسابه الى سلالة ابي رغال ؟؟ ومن كان يتصور ان يقوى هذا المأفون وخلفاؤه على تحويل الجيش المصري الى حارس للامن الاسرائيلي، بعد ان كان حارساً على الحق الفلسطيني ؟؟ ومن كان يتخيل ان تتحول القاهرة على يديه وايدي اتباعه الى قاعدة لكامب ديفيد ومسيرة الاستسلام، بعد ان كانت قاعدة للنضال الثوري والوعي القومي ؟؟ من كان يتوقع ان يتحول مدير مخابرات مصر الى ساعي بريد يحمل رسائل التهدئة والسمسرة بين العرب واسرائيل، بعد ان كانت المخابرات المصرية تخترق الامن الاسرائيلي بابطال من امثال "رأفت الهجان" ؟؟
في غياب عبد الناصر، ومحاصرة المنهاج القومي الناصري، انقلبت الاوضاع والمعادلات العربية رأساً على عقب، وتنكبت الامة العربية جادة الصواب، واستمرأت السير بعكس عقارب الساعة، واستفحلت "ثقافة الخيانة" وادبيات "الانا السفلى" ودعوات "الاباحية السياسية" التي اباحت كل المحظورات، وحللت كل المحرمات، وبررت كل الانحرافات، ودمرت كل الثوابت والمنطلقات والخطوط الحمراء·
في غياب عبد الناصر، ومحاصرة المنهاج القومي الناصري، انفصلت العروبة عن انسانها، واغتربت الوطنية في اوطانها، واشتاقت القومية الى عزها وعنفوانها، واستيقظت افاعي الغرائز والولاءات الطائفية والمذهبية والعشائرية والعصبوية والقطرية والعرقية التي يراد لها ان تقوض ما تبقى من المفاهيم والمعايير العربية·
رحم الله جمال عبد الناصر، فقد كان امة في رجل، وثورة في فرد، ومعجزة تمشي على قدمين، وفلتة تاريخية مدونة بلغة الضاد، وظاهرة استثنائية فريدة يندر ان تتكرر·

من هو القومي الناصري

فالناصرية كحركة سياسية هي في جوهرها حركة تحرر قومي قبل اي شئ اخرتهدف الى التخلص من اي شكل من اشكال السيطرة والنفوذ الاجنبيين على الاقطار العربية ، وتحقيق الاستقلال السياسي . لايتحقق الاستقلال بمجرد ان تسحب قوى الاستعمار وسائل سيطرتها المباشرة من الاقطار العربية ، فالتجزئه باشكالها القائمة تضل عائقا يمنع تحقيق الاستقلال الفعلي وتساعد على عودة النفوذ الاجنبي بشكل مستور او مكشوف ، فالدول العربية ببناها الحالية تظل عاجزة عن توفير الكفاية الاقتصادية لشعوبها ، كما تظل عاجزة عن حماية الامن الوطني لمواطنيها ، لذلك فان الوحدة بقدر ما تعني عودة الامة العربية لوضعها الطبيعي ، تمثل ايضا ركيزة اساسية للاستقلال الحقيقي بما تنجزه من تكامل اقتصادي يغنيها عن التبعية للقوى العظمى . اضافة لما توفره من مقومات القوة الكفيلة بتحقيق الامن القومي والمنعة من اي غزو او سيطرة عسكرية مباشرة .

اما الاشتراكية فهي في الفكر الناصري مرحلة انتقالية المطلوب منها تحقيق العدل والمساوات بين المواطنين بما يكفل لهم القدرة على اختيار ممثليهم دون خوف من ضغط او انتقام قوى الراسمالية الوطنية المرتبطة بالمؤسسات الاحتكارية العالمية الكبرى او الاقطاع . فالاشتراكية ليست الا مرحلة نحو الوصول للاوضاع الطبيعية والمناخات التي تحقق الديمقراطية .

ان الديمقراطية كما تصورها القائد الخالد هي المرحلة التي تعكس حالة الانجاز الحقيقي للاستقلال وتجسيد ارادة الامة من خلال اختيارها لممثليها في الادارة والحكم ، والذين سيكونوا عندها احرار محصنين من اي تاثير او ضغط خارجي الا من مواطنيهم الذين اوصلوهم للمواقع التي هم فيها . ان الاهداف الناصرية وفقا لهذا الفهم تتمحور حول هدف اساسي واحد هو الاستقلال الفعلي لا المشوه او الناقص باي شكل من اشكال النفوذ او السيطرة الاجنبية . ولا تحتمل الناصرية اية تفسير اخر حيال عملية الاستقلال الوطني كمرحلة للانتقال للاستقلال القومي .

ان مراجعة مصادر الناصريةالاربعة ، فلسفة الثورة والميثاق وخطب الرئيس القائد وسيرته الذاتية .يكتشف الانسان ان الناصرية هي ليست مجرد حب اعمى لشخص عظيم ، ولا تتحقق بمجرد المناداة بشعارات لم يستوعب المنادي معناها احيانا ، او حفظ نتف من اقوال الرئيس من تلك المنشورة على واجهات الصحف ، فتلك ادعاءات فارغة اومواقف انتهازية يمكن ان تنحدر في مسيرتها النهائية للانضواء في اطارقوى الثورة المضادة ان لم تتحول الى ايمان واعي لجوهر الحركة الناصرية وترجمة هذا الايمان الى سلوك يومي منضبط يصب في اتجاه تحقيق اهداف الامة العربية وغاياتها .

لذلك فالناصري معني اكثر من غيره بالمحنة العراقية ومقاومة الاحتلال كما هو معني بما يتعرض له ابناء شعبنا الفلسطيني من قمع وارهاب ، وهو معني ايضا بالتصدي للتوجهات الاميركية لتكرار العدوان وتنفيذ نفس المؤامرة في السودان هذه المرة . وليس صحيح ان يدعي احدا بانه ناصري ثم يكتب بالصحف المدعومةمن المخابرات المركزية الاميركية ليقول نحن الناصريين غير معنيين اذا شنت اميركا حربا على العراق لانها حرب بوش ضد صدام ، ونحن ضد الاثنين كل ذلك ليكسب دراهم معدودة وثمنا بخس من الجريدة ويرضي بنفس الوقت المخابرات الكويتية كي لاتقطع عنه المعونة ، كما ان مواقف تاييد الحصار الجائر الذي استمر على العراق لاتمثل الموقف الناصري السليم فغلا حتى لو كان العذر معارضة النظام الدكتاتوري. فالناصري الواعي من يستطيع ان يفرز قضايا الوطن عن طبيعة النظام ولا يعمم حقده على النظام ليشمل الوطن والشعب . كما لايمت للناصرية بشئ الموقف القائل نحن نبتعد عن ذكر كل ما يتعلق بالمقاومة العراقية للحفاظ على شبابنا في الداخل . كما ان القول باعطاء الحكومة الجديدة فرصة قبل الحكم عليها ، لاعلاقة له بالموقف القومي الناصري القادر على تشخيص تبعية هذه الحكومة وعمالتها للاحتلال ، فهي ليست الا وجها اخر لتحسين صورة الاحتلال ، وقناعا لتسويق مخططاته . فهي مرفوضة بدون تجزئة او تمييز بين هذا الوزير او ذاك .

ان هذه المواقف والسلوكيات ، ما هي في جوهرها الا امتداد لسلوكيات قوى الردة ، والثورة المضادةالتي تندس عادة تحت راية الشعارات الثورية لتنخرها وتستنزف طاقاتها من الداخل .

القومي العربي المؤمن بالفكر الناصري لايمتلك خيارا بحكم التزاماته الفكرية الا ان يقف ضد الاحتلال بكل صراحة ووضوح . ويؤيد كافة اشكال المقاومة ، وهي وسائل مشروعة بحكم الاعراف والقوانين الدولية . فهو لايمتلك ان يقف على الحياد حيال هموم السيادة والاستقلال ، بل معني بالتصدي لها بكل جراة وشجاعة .

ان المصدر الرابع من مصادر الناصرية هو السلوك الشخصي للقائد العظيم ، والذي يجسد المفاهيم الاخلاقية للناصرية . نبشت قوى الثورة المضادة كل تاريخ عبد الناصر حتى قبرة بحثا عن ما يمكن ان يمثل شائنة اخلاقية يمكن ان تشوه صورة الرئيس او تمثل تناقضا مع ما يدعيه ،هو او حتى اعوانه المقربين ، فباءت محاولاتهم بالخيبة والفشل ، ووجدنا رئيسا يُفلس احيانا لعدم كفاية راتبه للايفاء باحتياجاته الشخصية والعائلية فيستدين من اصدقاءه ولا يتصرف بالمخصصات السرية الموضوعة تحت يده فهي امانة وملكية عامة موضوعة في عهدته . يوزع الاراضي على الفلاحين ولايمتلك منزلا خاصا يحفظ عائلته من التشرد حتى قرر الرئيس حسني مبارك تمليك عائلته منزل الدولة التي تقيم به عام 1982 ، نفس المنزل الذي كانت كراسيه احيانا اقل عددا من ضيوف الرئيس فيضطر لاستدانة كراسي جيرانه في المناسبات التي يستقبل بها الرئيس اعداد كبيرة من الضيوف . ويضطر الرئيس ان يدخل كبرى بناته في جامعة اهلية لعدم حصولها على المعدل المطلوب لتهيئتها للدخول للجامعات الرسمية ، ويعاني اغلب مساعديه لحد الان من الضائقة والحرمان من الرفاهية التي يبحث عنها بعض من يرفعون شعار الناصرية اليوم . في حين ان عبد الناصر كان محروما او يحرم نفسه وعائلته منها ويكافح من اجل تحقيقها للطبقات المستغَلة والمحرومة منها . فالرفاهية عند عبد الناصر للشعب وليس للذات .

ليس من حق احد مهما كان ان يغيب هذا الجانب السلوكي الاخلاقي من التجربة الناصرية وباسم عبد الناصر . فالناصرية بقدر ما هي منهج للعمل السياسي الوطني هي ايضا منهج اخلاقي للتعامل مع القضايا السياسية بكل نزاهة وامانة وصدق ، وتغليب ماهو وطني على ما هو ذاتي وشخصي . الا ان الملاحظ ان بعض رافعي الشعارات الناصرية من العراقيين في الخارج ينشط في استجداء القوى القومية العربية طلبا للعون ومساعدة ناصري الداخل ، ليتعيش ويتكسب ويحسن ظروفه المعيشية الخاصة ، دون ان يقدم مما يحصل عليه باسم النضال شيئا لمناضلي الداخل الذين يتكسب باسمهم ، وتصبح الناصرية بذلك وكانها وسيلة لكسب الرفاهية الشخصية وضمان مستقبل الاولاد على حساب المبادئ والقيم القومية ، تماما بعكس ما اراد ان يعلمنا اياه عبد الناصر من قيم المسؤولية الوطنية.

لااحد معنيا بالكيفية التي يعتمدها هذا النفر لكسب الرفاهية والغنى الذي يتطلعون له لكن لانقبل ان يكون ذلك على حساب المبادئ وباسم الحركة الناصرية والناصريين . ساير بعضهم حكم البعث ، او انتمى للحزب وعمل ضمن مؤسساته المختلفة ، واعلن البعض الاخر برائته من الفكر الناصري وقلب شعاراته ، ارضاء لبعض تيارات الحركة القومية الشوفونية الكردية ، وطرح العدالة الاجتماعية كشعار بديل للاشتراكية ، ليثبت برائيه من الناصرية ، التي نستغرب عودته لها الان مع ان العصر عصر العولمة الامبريالية ، ودافع البعض عن التوجهات الشوفونية لبعض الجماعات الكردية وتخلى عن شعار الوحدة لكي لايجرح مشاعر هذه الجماعات او بعض الجماعات التي تنشد عزل العراق عن اطاره العربي ، ومسخ هويته العربية – الاسلامية . الا اننا نجدهم يتشبثون الان بقوة بالشعارات الناصرية ، ليمارسوا ما يناقضها مما يجعلهم يقفون في صف الثورة المضادة ويروجون للنزعات القطرية او حتى التقسيمية للعراق ويرفعون شعار الوحدة العربية . ولا يتحرجون من استجداء الاموال من اي مصدرلتكديسها في البنوك الاجنبية ويرفعون شعار الاشتراكية الذي تخلوا عنه واعتبروه متخلفا لايماشي متطلبات العصر .ويتقبلوا الاحتلال ويتعاونوا مع عملائه المحليين ويحاولون السيطرة على جماهير التيار الناصري بالوعود بالدعم ، والاغراء شرط ان لايتخذوا الموقف الناصري الصحيح حيال الاحتلال وان يخففوا مما يعتبرونه تطرفا من المواقف المبدئية . نستغرب ان تتحول بعض فصائل التيار الناصري الى لعبة بيد تجار السياسة من المرتبطين ببعض الاجهزة العربية ، الكويت خاصة ، وان يجهد البعض نفسه ليجير المواقف القومية العربية لصالح بعض التيارات الشوفونية الشعوبية لبعض الاقليات القومية . تلك التيارات التي لاتخفي علاقتها بالكيان الصهيوني .

انهم يفرغون بذلك الناصرية من محتواها الحقيقي ويحاربونها باشد مما يمارسه اعداؤها من الامبرياليين وعملائهم . لذلك نهيب باخواننا من مناضلي التيار الناصري الذين عانوا الامرين من الممارسات القمعية للنظام الدكتاتوري ، ان لايسمحوا لمثل هؤلاء المرتدين وعناصر الثورة المضادة من ان يستثمروا نضالاتهم ويعرضونها في اسواق النخاسة ليحسنوا بها اوضاعهم في اوربا .

ان الكذب والنميمة وتلفيق القصص الخيالية والنفاق والمرآت وزرع الفتن ، ومحاولات شق الصف ، وزرع العداوات غير المبررة ، بقدر ما هي سمات منبوذة اخلاقيا بحكم اعرافنا العربية والاسلامية . هي ايضا دلالة توجهات سيكولوجية مريضة ، وهي ايضا منبوذة بحكم التزاماتنا القومية . القومي الملتزم بخط القائد الخالد ملزم بان يكون شجاعا مقداما ، صادقا ، امينا ، وفيا ، بعيدا عن السمات التي تمس قيم الرجولة .وليس منا من لايلتزم بقيم الرجولة كما عرفتها ثقافتنا وادياننا . ولانسمح ان يغيب المنهج الاخلاقي من الفكر السياسي الناصري . فذلك موقف ليس منا، ولانرتضيه لمناضلي التيار من الفصائل الاخرى ، فهم اخوان الخندق الواحد، ولا نرتضي لهم ما لانرتضيه لانفسنا .

 مبادئ الفكر القومي

 أبناء هذه الأمة الذين آمنوا بربهم وشعبهم وأمتهم ورفضوا الخنوع والذل والاستسلام.
 أبناء هذه الأمة المؤمنين بضرورة العمل الوحدوي العربي بعيدا عن الإقليمية والفئوية والطائفية.
أهدافنا ؟ - حرية - وحدة - عدالة اجتماعية - ديمقراطية غايتنا في دولة العرب الواحدة الديمقراطية الاشتراكية.
ثوابتنا ؟
أولا: مجتمعنا أمة عربية واحدة مكتملة التكوين تاريخيا، تشمل الشعب العربي والوطن العربي معا، بما يعنيه هذا من ملكية الشعب العربي كله لوطنه ملكية تاريخية مشتركة حاضرا بين أفراد كل جيل عربي ومشتركة بين الأجيال العربية المتعاقبة.
ثانيا: أمتنا العربية أمة متميزة بخصائصها التاريخية والحضارية ومشكلات حاضرها وآمال مستقبلها، فليس من حق أية أمة أخرى أن تعتدي أو تغتصب أو تحتل أو تستغل أو تفرض وصايتها على أمتنا أو أي جزء منها. وهي ليست "أمة ممتازة" فليس من حق شعبها أن يعتدي أو يغتصب أو يحتل أو يستغل أو يفرض وصايته على أي أمة أخرى.
ثالثا: إن كون شعبنا العربي يملك وطنه العربي ملكية مشتركة تاريخيا بين أفراد كل جيل وبين الأجيال المتعاقبة يعني أن ليس لأي جزء من الشعب العربي أن يستأثر لنفسه بأي جزء من الوطن العربي أو يتصرف فيه أو يتنازل عنه، وليس للشعب العربي كله في أي مرحلة تاريخية أن يفرط في أي جزء من الوطن العربي أو يتنازل عنه.
رابعا: من حق الأمة العربية كما هو الحق لكل الأمم أن تكون لها دولة قومية واحدة لتكون الأداة المشتركة للدفاع عن المجتمع المشترك ضد أي اعتداء من خارجه ولتكون الأداة المشتركة لإدارة المجتمع المشترك لمصلحة الشعب العربي كله.
خامسا: إن دولة الوحدة لا بد لها من أن تقوم على كل جزء من الأمة العربية متحرر من الاغتصاب والاحتلال والتبعية. ثم أنها لا بد أن تكون واحدة دستوريا، لتجسد السيادة الواحدة للشعب العربي الواحد على وطنه الواحد. ثم أنها لا بد لها من أن تكون ديمقراطية في نظامها السياسي لتكون أداة مشتركة في يد الشعب العربي كله. وأخيرا لا بد من أن تكون اشتراكية في نظامها الاقتصادي لتوظف الموارد المادية والبشرية في الوطن المشترك لحساب الشعب العربي كله، ولتحقق العدالة الاجتماعية.
سادسا: بناء على تقدم يكون الهدف الاستراتيجي لهذه المرحلة التاريخية من حياة الأمة على وجه التحديد إقامة دولة واحدة ديمقراطية اشتراكية على كامل تراب الوطن العربي.
سابعا: إن كل اغتصاب أو احتلال أو تبعية مفروضة على أي جزء من الأمة العربية هو عدوان عليها من خارجها يجب أن يرد بكل أسلوب مناسب بصرف النظر عن أسبابه التاريخية وعن أجناس أو ألوان أو ديانات أو مبادئ أو نظم أو دول الغاصبين أو المحتلين أو المستعمرين، وأن تجزئة الأمة العربية شعبا ووطنا إلى دول ودويلات وإمارات هو عدوان عليها من داخلها يجب أن يزول بكل أسلوب مناسب بصرف النظر عن أسبابه التاريخية وعن النظم الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية السائدة في أي إقليم عربي. لا مهادنة في كل هذا ولا مساومة ولا حلول وسيطة، بصرف النظر عن أي معاناة أو تضحيات مادية أو بشرية، ومهما طال وقت الصراع.
ثامنا: لا يمكن للقوى الغاصبة والمحتلة والمستعمرة التي تجسد العدوان الخارجي على الأمة العربية، والدول العربية التي تجسد التجزئة أن تكون هي أدوات إلغاء عدوانها، وعلى وجه خاص لا يمكن أن تكون الدول العربية أدوات لتحقيق الوحدة. وباستبعاد القوى المعتدية الخارجية والداخلية لا تبقى أداة مرشحة لتحقيق هذه الوحدة الديمقراطية الاشتراكية إلا الجماهير العربية المطهرة من الولاء لغير أمتنا العربية ووحدتها وتقدمها.
تاسعا: إن هذه القوى المعتدية الخارجية منها والداخلية فرضت عدوانها بالقوة وتحميه بالقوة، وتصوغ هذا التجسيد في شكل تحالفات ومعاهدات ودساتير وقوانين ولوائح وتحمي هذا التجسيد بالقوة. إن هذا الواقع الذي يجب أن يزول سيفرض على الجماهير العربية أسلوب إزالته. إنها الثورة... حيث تعني الثورة هنا تجريد القوى المعتدية من قوة البطش التي تملكها بالأسلوب المناسب في الزمان والمكان لتشق الجماهير العربية طريقها إلى دولتها الواحدة الديمقراطية الاشتراكية.
عاشرا: إن الجماهير العربية لا تستطيع أن تخوض معارك الثورة العربية وتنتصر إلا إذا كانت منظمة. ولا يمكن أن تكون منظمة إلا إذا خطط لحركتها وقادها تنظيم قومي يكون طليعتها في معارك التحرر والوحدة والاشتراكية في كل أرض محررة من الوطن العربي. إن هذا يقتضي وحدة التنظيم، ووحدة القيادة، ووحدة الاستراتيجية مركزيا، ولا مركزية الخطط التكتيكية إلى أن يتم النصر النهائي وتقوم دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية.
حادي عشر: إن هذا التنظيم القومي غير موجود حاليا فتكون نقطة البداية الحتمية في الإعداد للثورة العربية هو إيجاده. إن وجوده في الواقع العربي المجزأ المحتل المتخلف ليس سهلا، ويحتاج إلى وقت غير قصير. ولكن الإيمان المطلق بأنه نقطة البداية الصحيحة على الطريق الصحيح كفيل بالتغلب على كل العقبات وتعويض الوقت بتكثيف الجهد خاصة إذا روعي في إنشائه الأسلوب العلمي الذي يستجيب لمتطلبات الواقع العربي المعقد، والاستفادة من دروس الفشل الذي صادفته المحاولات السابقة. إن أي محاولة لإنشائه قبل أن تتوفر له أفضل فرص النجاح في مهمته التاريخية هي إجهاض لمولده وتأجيل حتمي لهدف الوحدة.
ثاني عشر: إن عدم وحدة التنظيم القومي وما قد يقتضيه إنشاؤه من جهد ووقت حتى يأتي ملائما علميا لتحقيق غاياته بعد توفير كافة الضمانات الموضوعية لتلك الملائمة، لا يعني أبدا التخلي عن، أو الانسحاب من، أو الاستسلام في معارك الدفاع عن أمتنا العربية أو تأجيلها إلى أن يتم إنشاء التنظيم القومي. ومن هنا لا بد لكل الذين يحتفظون بولائهم لأمتهم دون غيرها في أي مكان وموقع أن يواجهوا الواقع العربي بأسلوبين متوازيين: الأول: الدفاع عن حرية الأمة العربية ووحدتها وتقدمها "بما هو كائن" من أدوات وإمكانات مع التسليم بأن هذا أسلوب ضرورة ، وقصارى ما يؤدي إليه منع مزيد من الخسائر في معارك التحرر العربي أو الوحدة أو الاشتراكية. الثاني: تكثيف وتنظيم كل الجهود المتاحة لإنشاء التنظيم القومي بحيث تستطيع الجماهير العربية المنظمة أن تدخل معارك التحرر والوحدة والاشتراكية " بما يجب أن يكون " في تاريخ يحدد منذ البداية، فتكون لأول مرة في تاريخها الحديث قد انتقلت من مرحلة النضال "رد الفعل" الذي يلهث وراء الأحداث التي يفجرها أعداؤها إلى مرحلة النضال "الفعل" الذي يتم في المكان والزمان وبالأسلوب الذي تختاره طبقا لخطط نضالية مسبقة، أي تكون قد انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم

الناصرية بين الماضي والمستقبل

 بين الهدف والمآل انطلق الرئيس المصري جمال عبد الناصر من رؤية مجتمعية غايتها تحرير الإنسان عن طريق تنمية اجتماعية شاملة تحرره من الحاجات المادية كمقدمة لا بد منها ليتمكن من التطور والتفتح النفسي والمعنوي والمعرفي، تنمية قائمة على توازن دقيق بين مصالح معظم الشرائح الاجتماعية، مع إعطاء أولوية لمصالح الفئات الاجتماعية الدنيا كي تؤهل للعب دورها الاجتماعي وتتعامل مع الفئات الاجتماعية الأخرى من موقع الند بعد تحررها من عقدة العجز والدونية. وقد تجسد ذلك التوجه عمليا بإعطاء الأولوية للصناعات المرتبطة باحتياجات الغالبية الاجتماعية (الحاجات الأساسية) وتوفير متطلبات نهضة علمية وثقافية عن طريق فتح فرص التعليم المجاني من الابتدائي إلى الجامعة أمام أبناء الفئات الاجتماعية الدنيا وطرح ودعم كتب ومجلات متخصصة وبأسعار زهيدة وطبعات شعبية ضمن سلاسل متعددة كي تكون في متناول أصحاب الدخل المحدود وتوفير الاطلاع على الفكر العالمي عن طريق تشكيل لجان ترجمة وإصدار سلاسل مترجمة في مختلف صنوف المعرفة وإنشاء دور ثقافة ومسارح ودور سينما. كما شجع المؤسسة الدينية على الاجتهاد لإنجاز قفزة فقهية تحرر المواطن من حالة التواكل والفهم الخاطئ لصحيح الدين، وتتيح له الانطلاق بصنع الحياة بإيجابية واقتدار. وفتح فرصة الممارسة السياسية أمام الكتل الشعبية عبر تشكيلات سياسية (هيئة التحرير، الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي) باعتبارها أوعية لتنمية اجتماعية سياسية غايتها منح المجتمع فرصة حقيقية للعب دور سياسي واقتصادي وخلق قوة سياسية توازن قوة السلطة. كل هذا مع سياسة خارجية قائمة على الاستقلال والتخلص من كل أشكال التبعية السياسية والاقتصادية باعتبارها عقبة أمام تحرير الإنسان والوطن. بدأ عبد الناصر مسيرته بطرح أسس مختلفة للتغيير الاجتماعي على خلفية ضرورة تحقيق تقدم وطني سريع، بخلق واقع جديد عبر اتخاذ الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة: توزيع الأراضي على الفلاحين الفقراء عبر قوانين الإصلاح الزراعي، والتوسع بعملية التصنيع والإنتاج واستيعاب القوى العاملة ودعم المواد الغذائية وتأمين خدمات اجتماعية (تعليم، صحة, مواصلات, اتصالات) وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية من أجل إزالة العراقيل والعقبات التي تقف في وجه هذا التقدم وتدعيم الاستقلال الوطني وتعظيم المكانة الدولية لمصر. وقد اعتمد آلية التأميم التي أفرزت قطاعا عاما قويا ومسيطرا على جميع مفاصل الاقتصاد، وهذا حول الدولة إلى مالك كبير، أكبر رب عمل في البلاد، ما مكنها من التحكم بالدورة الاقتصادية والإمساك بالتوازن الاجتماعي. أدت هذه الآلية إلى قيام دولة إنتاج وتوزيع في ذات الوقت، ومع استحالة تحقيق الهدفين في الوقت نفسه في دول متخلفة قليلة الإمكانيات، أصبح التناقض الأساسي بين هذين الدورين هو المميز الرئيس لهذا النظام. لذا أقدم عبد الناصر على اعتماد منهج اتحادي قائم على دمج السلطة والحزب الحاكم والنقابة والتنظيمات الشعبية في كيان واحد هدفه ضبط الحراك الاجتماعي عبر إعادة توزيع الثروة، واستخدام عملية التوزيع في استتباع المجتمع والتحكم بردود أفعاله، وقد ترتب على ذلك تشكيل دولة وطنية مستقلة ونظام شعبوي يستجيب لمطالب الجماهير المعيشية ويتحسس مشاعرها، ولكن مع مستوى مشاركة شعبية محدودة في القرار السياسي ومع حظر المعارضة، وتحقيق ذلك بالاستناد إلى أجهزة أمنية وبيروقراطية وتنظيم سياسي واحد. كل هذا مع توجه أمني إعلامي قائم على اعتبار كل معارضة سياسية مؤامرة تهدد أمن الجماعة والنظام، وتهدد الأهداف العليا للوطن في استقلاله ونهضته ورخائه. الديمقراطية.. الفكرة والممارسة يبرز الناصريون حديث الوثائق الناصرية وتوجهات عبد الناصر بعد هزيمة 1967 عن الديمقراطية والتعددية السياسية, كدليل على امتلاك الناصرية موقفا إيجابيا من الديمقراطية. يثير هذا الطرح تحفظا كبيرا، فالوثائق التي صدرت في ستينيات القرن الماضي وإن كانت تحدثت عن الديمقراطية السليمة فإنها لم تحدد آليات اشتغالها ووسائلها، ناهيك عن أن النظام الناصري لم يطبقها في الممارسة العملية بل مارس ضدها بتكريس نظام شمولي. فقد قاد اعتبار الدولة مدخلا سياسيا لتغيير المجتمع إلى دمج الوظيفة السياسية في الأجهزة الإدارية، وهذا بدوره قاد إلى دمج الوظيفة السياسية في الوظيفة الأمنية، حيث أصبحت أجهزة الأمن عراب العمل السياسي والتنظيمي، وقامت بالدور الذي كان من المفترض أن تقوم به الأحزاب السياسية، وإلى اعتبار السياسة مجموعة من المشكلات الإدارية، وتحديد ساحة الخلاف حيث يمكن أن يدور حول هذه المشكلات، وحول رفع مستوى الأداء، ولكن دون التطرق إلى الخيارات والأولويات، ما يعني إلغاء التنافس في المجتمع السياسي والركون إلى عملية فرض لون واحد وخيار واحد. أما الأطر الحزبية التي أقامها عبد الناصر فكانت أقرب إلى الطابع التنظيمي منها إلى الطابع السياسي الاجتماعي، فهي أطر تحشيد وتنميط وتحييد أكثر منها أطر تفعيل وإشراك وتطوير، حتى الترقية داخل الأطر الحزبية، والمراكز القيادية منها بخاصة، تتم بالتعيين أو بالتوجيه وليس بالانتخاب الحر, فالبرامج مفروضة من الأعلى والمشاركة محصورة في حدود هذه البرامج. لقد تمسك النظام، رغم إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية، باستبعاد العمل السياسي لصالح نظام مركزي بيروقراطي يولي الاهتمام الأكبر في تحقيق الأهداف للعمل التنفيذي وليس للعمل السياسي. اعتمد النظام الناصري في التعامل مع المجتمع على عدة ركائز: التركيز على دور القائد الفرد وصفاته الاستثنائية (روجت له الحملات الإعلامية بالأغاني والصور والتماثيل)، واحتكار الحقل السياسي، وتأميم الدولة والمجتمع، وإلغاء الحريات، وفرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم العسكرية والاستثنائية وأمن الدولة...إلخ. عكست هذه الركائز سمات نظام يعتمد المركزية السياسية وإمساك "نخبة وطنية تقدمية" بإدارة السلطة سياسيا واقتصاديا بدلا عن القوى السياسية والاجتماعية، حيث تم التشديد على الديمقراطية الاجتماعية لاستبعاد الديمقراطية السياسية، سواء في صورتها الواحدية أو التعددية، لقد كسب الشعب الديمقراطية الاجتماعية دون أن تتاح له بالقدر نفسه فرصة ممارستها كسلطة سياسية أي كأسلوب عمل يومي. راح عبد الناصر يمركز السلطة في يده وحوله، ويعسكر الإدارة بوضع ضباط في الوزارات والمحافظات وشركات القطاع العام، ويحل الأحزاب بذريعة فسادها دون أن يسمح بتشكيل أحزاب بديلة، وهذا حول النظام السياسي الناصري إلى نظام وطني تحكمه أجهزة أمنية وبيروقراطية أبعدته عن جماهيره وعمقه الشعبي، وحولته إلى ساحة صراع لعدد محدود من الأجهزة والأشخاص، فإلغاء الأحزاب ألغى الحياة السياسية، وأخرج السياسة من المجتمع، وحول السياسة الرسمية المتبعة إلى طقوس لتمجيد القائد وتكريس السلطة. وهذا سمح لأنور السادات بالسيطرة على النظام بسهولة لأن بنيته البيروقراطية والأمنية جعلت صراع السادات محصورا مع عدد محدود من الخصوم فانتصر عليهم بفضل آلية عمل النظام البيروقراطية والأمنية. لم يقلل من خطورة نظام الحزب الواحد الذي أقامه عبد الناصر تبنيه لصيغة تحالف قوى الشعب العاملة واعتبار الاتحاد الاشتراكي تنظيما جماهيريا مفتوحا (أول من ابتدع صيغة تحالف قوى الشعب العاملة القائد الشيوعي الأذربيجاني سلطان غالي عام 1937 في محاولته لاحتواء أضرار الصيغة الطبقية الجامدة للحزب الشيوعي السوفياتي). أما حديث عبد الناصر بعد هزيمة 1967عن نيته إقامة تعددية سياسية في مصر فلم يأخذ طريقه إلى التنفيذ حيث لم تسمح ظروف الصراع العربي الإسرائيلي ووفاته المبكرة له بمراجعة أسس مشروعه العملية والنظرية وعجز الناصريين عن القيام بهذه المراجعة وهذا جعل الحديث عن التعددية السياسية هدفا افتراضيا. الناصرية والمستقبل تدين الناصرية في صعودها ونجاحها لثلاثة عناصر: الرجل, عبد الناصر الذي يمتلك إلى جانب الصفات الشخصية موقفا صلبا من قضايا وطنه وعصره، والبلد، مصر أكبر قطر عربي يقع في قلب الوطن العربي، والحرب الباردة, صراع الكتلتين الرأسمالية والشيوعية، وما وفرته الكتلة الشيوعية التي تناغم معها عبد الناصر سياسيا من غطاء وحماية وإمكانات ساعدته على التخلص من مشكلات ومآزق كبيرة واجهته. وقد قاد غياب بطلها وانهيار النظام الناصري في مصر والاتحاد السوفياتي، إلى افتقاد الموجه والمركز والراعي، وهي شروط وجودها واستمرارها، وهذا أوقعها في ارتباك شديد أفقدها القدرة على صياغة أجوبة صحيحة ومحددة للأسئلة التي طرحتها المتغيرات الدولية الصاعقة والحاسمة في ظل عصر الاتصالات والمعلومات، والاعتماد المتبادل بين الدول، واقتصاد السوق، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتدخل في الدول الأخرى لاعتبارات إنسانية... الخ. لم تعد الناصرية بصيغتها القديمة أداة تغيير مستقبلية، إنها في أحسن الظروف ذكرى طيبة لرجل ونظام، ما أبقاها ذكرى طيبة هو عدم قيام نظام آخر أكثر إيجابية منها في الوطن العربي، إذ لم يعد نظام الفرد، الزعيم، القائد، البطل، يلبي احتياجات اللحظة السياسية الإقليمية والدولية الراهنة، فالناصرية بحاجة إلى ثورة ثقافية تكسر ثقافة الشخصنة والولاء للقائد الملهم، حتى تصبح تربة صالحة لإنبات شجرة الديمقراطية، وتسمح لجماهيرها بإحداث نقلة نوعية في وعيها وممارستها وتكوين رؤية واضحة تنمي قدرتها على خلق تجربة مستقلة متحررة من آلية التبعية والولاء، وصياغة برنامج نضالي وطني (قومي) اجتماعي ذاتي. كما لم تعد الشرعية الثورية التي اعتمدتها أداة مناسبة لحكم صاعد باتجاه حياة مستقرة ومزدهرة، فالشرعية الدستورية والنظام الديمقراطي غدتا في ظروفنا الراهنة بديلا إجباريا، خاصة أن تجربة سقوط النظام العراقي المذل قد أظهرت مخاطر الاستبداد على الروح الفردية والوطنية. كما لم يعد النظام الاقتصادي ثنائي الوظيفة (إنتاج وتوزيع) في الظروف الاقتصادية الدولية الراهنة (العولمة) مجديا، خاصة في الدول الفقيرة بإمكاناتها الطبيعية وخبراتها البشرية المتواضعة وحاجتها الماسة للاستثمارات والاندماج في السوق الدولي، فليس باستطاعة نظام كهذا تحمل تبعات تنمية بشرية واقتصادية ناجحة، وهذا يجعله في المحصلة الختامية غير قادر على حماية السيادة الوطنية بالمفهوم القديم (حماية الوطن) أو الجديد (التأثير في الواقع الدولي بقدر أو أكثر من تأثير الواقع الدولي في الواقع الوطني). لقد غدت الناصرية بعد المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية أمام خيار تاريخي، إما إعادة نظر والتغير باتجاه المستقبل أو التآكل والتلاشي والاندثار.

 الفكر القومي العربي والناصرية
لقد وحد الإسلام الأمة العربية، وجسد شخصيتها،و أطّر حدودها الجغرافية في دولة واحدة مترامية الأطراف، وهيأ لها دوراً حضارياً تلعبه وفق نظام  إعماري، جعلها تسهم بنصيب وافر  من التقدم العلمي والتطور  الحضاري الإنساني ·· وعندما ضعفت الدولة العربية تنامى دور الأطراف على حساب القلب، ونشأت الدول التي حكمت الوطن العربي أو أجزاء منه باسم الإسلام وآخرها الدولة العثمانية، وفيها تسلط الأتراك على الشعوب الأخرى وتحكموا في مصائرها، وفرضوا التخلف على دولتهم والشعوب الخاضعة لها، ومارسوا بسياسة التتريك أبشع أنواع التمييز العنصري بهدف القضاء على ما في الإسلام من عروبة وتحويل الوطن العربي إلى مستعمرة تركية بامتياز ··
وسط هذه الأجواء من الاستبداد والظلم والتخلف والعنصرية وجد العرب أنفسهم يطالبون بالحرية، وينادون بالاستقلال عن الدولة العثمانية، فكان الدعاة القوميّون الذين عقدوا لهم  مؤتمراً في باريس 1913 والذين شكلوا قوافل الشهداء في السادس  من آيار 1918 ترافق ذلك بقيام الثورة  العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي 1917 التي وقفت إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى على أمل  كسب التأييد الغربي للاستقلال العربي ··· لكن الغرب الذي أبدى تفهماً لمطالب العرب بالإستقلال عن تركيا ما لبث أن نكث بوعوده وعهوده التي قطعها لهم، وبدل قيام دولة الإستقلال العربي  وجد العرب أنفسهم فريسة لاستعمار أوروبي جديد وفق معاهدة  "سايكس بيكو" التي جاءت لتقسيم الوطن العربي  وتخلق أوطاناً جديدة، مضافاً إليها وعد بلفور 1916 بوطن قومي لليهود في فلسطين، فصار العرب والحالة هذه (( كالمستغيث من الرمضاء بالنار ))··· !
في هذه الأثناء  استيقظ الشعور القومي العربي بفعل عاملين :
الأول : التحرر من السيطرة التركية وتحقيق الاستقلال وتجسيد الوحدة العربية في دولة عربية واحدة ··
الثاني : مقاومة الاستعمار الغربي وإجلاء قواته عن الأرض العربية وصولاً لتحقيق الوحدة العربية ···
هذه اليقظة العربية لم تأت من فراغ، وإنما من معطيات وجود عربي تاريخي حضاري في الماضي، وبتأثير من الأفكار القومية الأوروبية التي مكنت بعض الأمم الأوروبية من تحقيق وحدتها مثل ألمانيا و إيطاليا، لكن هذا التأثير اتخذ في فترة أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين  أشكالاً عديدة تبلورت في تيارات فكرية وسياسية أهمها :
1- تيار الإبقاء على الخلافة : واعتبر ذلك فرضاً دينيا  وواجباً دنيويا يوحد ولا يفرق، لكن هذا التيار ما لبث أن انهار عندما تمكن مصطفى كمال أتاتورك من الإطاحة بنظام الخلافة 1924 بما يشبه الردة عن الإسلام والمسلمين ملحقاً تركيا كلية بالغرب العلماني ··
2- تيار قومي عربي علماني : يبشر بالقومية العربية على الطريقة الأوروبية بما يفضي إلى فصل الدين عن الدولة، مثال ذلك ساطع الحصري الذي اعتبر اللغة والتاريخ أهم مقومين من مقومات القومية العربية ثم أضيف لهما بعد ذلك الآلام والآمال والجغرافيا والمصالح المشتركة، لكن الدين بقي بمعزل عن هذه المقومات من وحي مقولة ((الدين له والوطن للجميع)) وقد مثل هذا التيار في أربعينيات  وخمسينيات القرن العشرين حزب البعث وحركة القوميين العرب··
3- تيار التكامل بين العروبة والإسلام : وقاده المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي 1849- 1902 من خلال كتابه ( طبائع الإستبداد ) الذي أرجع سبب الانحطاط في أنماط الحياة العربية إلى الإستبداد السياسي، وفي  كتابه الآخر (أم القرى) حمل الدولة العثمانية  أسباب التخلف في الحياة العربية عامة وراح  يدعو إلى :
   أ - محاربة الجهل والأمية والتخلف والتعصب والدعوة  للتآخي والوحدة من خلال فهم الإسلام فهماً صحيحاً·
   ب- تأسيس دولة عربية عصرية باسترداد العرب لحقهم في الخلافة والدعوة إلى إقامة اتحاد اسلامي يرتبط بالخليفة العربي المسلم   الذي مقره (( مكة))·
  جـ - محاربة الاستبداد في مضامينه وأشكاله·
4- التيار الأممي: جاء بعد قيام ثورة اكتوبر الشيوعية 1917 واستطاع تشكيل  حزب سياسي  يدعو لرفع مستوى معيشة الطبقات العاملة الفقيرة لكن  نظرته إلى الدين  القومية قد حدّت من انتشاره بين الناس رغم بريق شعارته  فقد عُرف عنه  بأن ((الدين افيون الشعوب)) والقومية من افرازات الطبقات البرجوازية·
وكرد فعل على التيار الشيوعي الأممي استيقظ تيار  الخلافة الإسلامية من جديد على  يد جماعة  الإخوان المسلمين  وحزب التحرير الإسلامي، وقد استبدلت الدعوة إلى الخلافة  بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية، وكلا التيارين الأممي (الشيوعي و الإسلامي) ناصب دعوة القومية العربية العداء فاعتبرها الأول من نتاج البرجوازية واعتبرها الثاني موافقة للعلمانية بمفهوم الإلحاد، 
إذاً ··· انشغل الدعاة القوميون خلال أكثر من نصف قرن بإثبات عروبة العرب وأنهم يشكلون امة واحدة، وتوصلت الحركات القومية إلى صياغة أهداف  النضال العربي وشعاراته دون ان تستطيع إعطاءها مضامين واضحة بل غلب عليها الطابع الرومنسي لدرجة جعلت الجماهير في كثير من المواقف تتقدم على قياداتها في الوصول إلى ترجمة حقيقية  لأهدافها على أرض الواقع··
ثم بلغت المشاعر القومية العربية ذروتها إبان النكبة في فلسطين وقيام الكيان الصهيوني 1948 فقامت ثورة 23 يوليو 1952  بقيادة جمال عبد الناصر كرد فعل طبيعي على النكبة وعلى الأوضاع الفاسدة للعهد الملكي المتحالف مع النفوذ البريطاني والإقطاع ورأس المال المستغل في  مصر، لقد واجهت ثورة 23 يوليو الواقع المصري والعربي على حقيقته وعملت على تغييره معلنة المبادئ الستة المشهورة تعبيراً عن أهداف النضال الوطني والقومي فكانت ثلاثة مبادئ ( قضاء ) 1- القضاء على الاستعمار وأعوانه، 2 - القضاء على الإقطاع، 3 - القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، وثلاثة مبادئ ( إقامة ) 4- إقامة عدالة اجتماعية 5- إقامة جيش وطني قوي 6- إقامة ديمقراطية سليمة·
وهذه أول إشارة إلى أن ما حصل يوم 23 يوليو كان ثورة بمعنى التغيير الجذري للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة فثلاثة مبادئ ( قضاء)  تقابلها ثلاثة مبادئ  (إقامة)أي هدم و بناء و ليس انقلابا عسكريا غايته الوصول إلى السلطة وامتيازاتها ·· ولم تغرق الثورة نفسها في جدل نظري خاصة وأنها قامت دون  نظرية ثورية ودون تنظيم سياسي وإنما كان تنظيم الضباط الأحرار طليعة ثورية استطاعت أن تمسك بالسلطة وتضعها في خدمة الشعب وتحقيق آماله وطموحاته في صياغة حياته من جديد فوق أرضه وفق أمانيه ·· ومن خلال العمل الثوري والممارسة  الفعلية على أرض الواقع وبعد عشر سنوات على مسيرة الثورة ظهر ميثاق العمل الوطني إلى الوجود فكان الميثاق بمثابة النظرية الثورية للقومية العربية والمنهج التطبيقي  لنضالها والمخطط العملي لتحقيق أهدافها في الحرية والإشتراكية والوحدة ··· لقد آمنت الناصرية بتلازم أهداف النضال العربي في الحرية والإشتراكية والوحدة وترابطها الوثيق وبالعلاقة التكاملية الجدلية بين العروبة والإسلام بعدما جسدت  في مواقفها مفاهيم العروبة و القومية و الوحدة  فربطت ذلك بوحدة النضال القومي العربي وبالتغيير الشامل للأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية وانحازت بالكامل لجماهير الشعب وطبقاته الكادحة الفقيرة التي طال حرمانها ···  وخاضت المعارك من مشرق الوطن العربي إلى مغربه أي أنها نقلت قيم القومية العربية من الشعارات النظرية إلى التطبيق العملي على أرض الواقع فحاربت معارك الأمة العربية جميعها من الجزائر إلى العراق  إلى اليمن إلى فلسطين، مدركة بأن الاستعمار لا يتخلى عن رقعة أرض يحتلها ما لم يجبر بالقوة على ذلك أي ( ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ) لقد عبأت  القيادة الناصرية الجماهير العربية واستنفرت الجهود الوطنية والقومية واستنهضتها للوقوف في وجه  غاصبيها وجلاديها  وحاولت تنظيمها في حركة ثورية تكون الأداة لتحقيق الأهداف العليا للنضال الشعبي العربي فكانت هيئة التحرير ثم الإتحاد القومي وأخيراً الإتحاد الاشتراكي العربي وهكذا ·· قدمت القيادة الناصرية الفكر والمواقف والنضال الدائب وكسبت ثقة الجماهير لكنها لم تستطع الوصول إلى تنظيم شعبي بمستوى آمال وطموحات الثورة فالتنظيم الشعبي يأتي من خلال عمل تطوعي واختيار كامل لمجموعة من الأفراد ويتطور بالنضال والممارسة إلى جهاز حزبي مؤسسي أما عندما يأتي بقرار فوقي يصبح تنظيماً للسلطة والحكومة يدخل به كل من هب ودب  من المخلص إلى المنافق إلى الإنتهازي  وغيره ···
فهذا التنظيم  الشعبي كان نقطة الضعف الظاهرة للعيان في البناء الثوري الناصري فلم يكن له وجود حقيقي فاعل ومؤثر ليدافع عن الوحدة في مواجهة الإنفصال وكذلك لم يستطع الدفاع عن الثورة يوم انقلب عليها السادات في حركة ارتدادية أشبه بردة ( مسيلمة الكذاب ) بعد رحيل عبد الناصر····
لقد حققت القيادة الناصرية انتصارات عظيمة وانجازات خالدة خلود الأمة وأجيالها المتعاقبة وتركت في كل مناحي الحياة العربية بصمات من الصعب محوها فلا أقل من أن يكمل الذين انتسبوا إليها بعض ما بدأته في موضوع التنظيم الشعبي السياسي فيبادروا وهم خارج السلطة اليوم إلى توحيد قوى التيار الناصري داخل أقطارهم دون ان ينسوا بأنهم جزء من الحركة العربية الواحدة ( حلم عبد الناصر الكبير ) أو التنظيم القومي العربي  الناصري الواحد حتى تبقى الناصرية التعبير الحقيقي عن اهداف الشعب العربي في الوطن الكبير ومشروعها القومي العربي النهضوي بأبعاده الحضارية هومشروع الأمة المستقبلي القائم على النهضة والوحدة والعدالة والتقدم

فن التشهير بالزعماء!

لسوء الحظ قد عرفت مصر حالة من التقطع التاريخى نجمت عن قيام الخلف من الزعماء أو الحكام بالطعن فيمن سبقوهم، والذى قد يكون السبب فى جلوسه فى النهاية على مقعده، لم يختلف فى هذا ملك أو رئيس جمهورية إلا فى أضيق الحدود، مما ترتب عليه فى النهاية حالة من عدم الاستفادة من التراكم التاريخى التى تقوم على استثمار ما تم انجازه من السلف والبناء فوقه، حتى انتهى الأمر إلى أن توقفت عملية بناء الخبرة التاريخية المصرية عند الدور الأرضي!!
ولا نريد أن نرجع فى تفسير هذه الظاهرة إلى عصر الفراعنة حين كان بعضهم يمسحون أسماء أسلافهم من على خراطيش بناياتهم وينسبونها إلى أنفسهم، أو إلى العصور الوسطى حين كان ينتهى عصر كثير من الحكام بالقتل ليجلس الفاعل بعد ذلك على الكرسى المغري.. كرسى الحكم، ولكن دعونا نسعى إلى رصد هذه الظاهرة فى العصور الحديثة فحسب.
ابراهيم باشا، بكل تاريخه، بعد أن جاءه فرمان السلطان بتوليه مسند الحكم فى المحروسة فى حياة أبيه محمد على بعد أن عانى الأخير من تخاريف الشيخوخة حرص على البعد عن مقر الباشا الكبير فى القلعة، وكثيرا ما كان يعرب عن مخاوفه منه، فيما أفصح عنه لعديد من المقربين إليه، وكان ينتظر بفارغ الصبر رحيله، غير أنه سبقه فى هذا الرحيل!!
زاد من حدة هذه الظاهرة أن مصر ظلت تأخذ بالنظام العثمانى فى ارث كرسى الحكم.. أن يكون من نصيب أكبر أفراد الأسرة، مما كان يثير التحاسد والضغائن بين الأخوة وأبناء الأخوة حتى عصر اسماعيل حين نجح فى تغيير النظام ليكون الحكم بعده لابنه الأكبر، الأمير توفيق، وإن لم يكن راضيا تماما على ذلك، فقد كان الأخير ابنا لمستولدة وليس لزوجة من زوجاته الأربع، الأمر الذى خلف مرارة فى نفس الخديو الجديد، انعكست على تصرفاته حياله بعد نفيه، ثم حيال رجاله الذين حرص على التخلص منهم.
وشرب توفيق من نفس الكأس عندما خلفه ابنه الصغير عباس الثاني، والذى ما فتئ يعرب عن إعجابه بجده المنفي، وقلما كان يذكر أباه بالخير، كما حدث بالنسبة للملك فاروق بعد اعتلائه كرسى أبيه فؤاد.
وفى محاولة لتفسير هذه الظاهرة السلبية على مسيرة التاريخ المصري، نستعين ببعض كتابات الأستاذ محمد حسنين هيكل القديمة، فقد أصلها باعتبارها ظاهرة عربية، وعزاها لتعدد الزوجات، وما تحدثه من أسباب الغيرة بين الأخوة غير الأشقاء.
غير أنه مع تسليمنا بصحة هذا التفسير بالنسبة لنظام الوراثة الملكي، فهذه الصحة لا تنصرف إلى النظام الجمهوري، خاصة ما جرى بعد رحيل الرئيس عبدالناصر واعتلاء الرئيس السادات كرسى الرئاسة، إذ لم يمض وقت طويل حتى بدأت حملة تشويه الرئيس الراحل تحت عين الرئيس الجديد وبرضائه، ثم أخيرا بتحريضه!!
ولا نريد هنا أن نستعين بالتاريخ وحده لتفسير هذا التحول على اعتبار أنها ظاهرة تاريخية مصرية أو عربية، فلكل حالة خصوصيتها..
يمكن أن نعزو جانبا مما جرى من المفاجأة التى أخذت بتلابيب الرئيس الجديد، فما لم يكن يتوقعه شخصيا وأغلب المصريين أن يجلس محمد أنور السادات بالذات على كرسى الرئاسة، بحكم ما عرف من افتقار الرجل لروح القيادة، حتى بدا وكأنه مجرد أداة لعبدالناصر، الأمر الذى نتبينه من طبيعة الأعمال التى كان يسندها إليه.. رئيسا لتحرير الجريدة الناطقة بلسان الثورة، الجمهورية، والتى تروج لها، رئيسا لمجلس الأمة ليكون أداة الرئيس فى التحكم فيه، وهو الموقف الذى عبر عنه فى كتاباته عندما وضع مؤلفا فى مديح عبدالناصر تحت عنوان يا بني.. هذا عمك جمال!
فى حديث قديم مع الأستاذ سامى شرف حين كان يقوم باعداد مذكراته الشخصية، والذى لازال يحمل مرارة شديدة من الرئيس السادات، وهى مرارة انسانية نعزوها إلى ما كابده الرجل من متاعب فى عهد الأخير، بعد أن كان موضع سر الزعيم الأول.. فبعد أن هاجم سياسات هذا الرئيس بل شخصه، حدث أن فاجاته بسؤال عن ماهية المسئولية التى تقع على عبدالناصر فى اختيار السادات نائبا له مما مهد له السبيل إلى خلافته!!؟؟، ويبدو أنه لم يكن يتوقع السؤال فبعد أن تفكر برهة جاءت إجابته الصادقة فى رأيى من كان يتوقع وفاة عبدالناصر وهو لم يستكمل الثالثة والخمسين!؟.
المهم حدثت المفاجأة وتولى الرجل المنصب المرموق، وعبر فى البداية عن امتنانه الشديد مما حدث عندما ذهب إلى مجلس الأمة لحلف قسم تولى الرئاسة فلم يملك بعد القسم سوى أن يذهب إلى تمثال الرئيس الراحل لينحنى له!!، غير أن مثل هذا الامتنان لم يعش طويلا وانصرف إلى تغيير كل ما انجزه سابقه، حتى المجلس الذى حلف فيه اليمين فلم يكتف برفع التمثال وإنما غير اسمه فأصبح مجلس الشعب!!
وتتدافع التفسيرات حول اندفاع الرجل فى هذا الطريق.. طريق السير عكس اتجاه سلفه، وأهمها فى تقديرنا شعور الرجل بقصر قامته السياسية التى اعتاد الناس عليها بالقياس لقامة عبدالناصر التى كان قد صنعها من خلال سياساته الوطنية العربية ورؤيته الاجتماعية والاقتصادية التى ناسبت روح الفترة التى حكم خلالها، وقد رأى أن جانبا من محاولة مطاولة قامة سلفه يقوم على السعى إلى التقليل من أهمية سياساته، خاصة وأن الظروف كانت مناسبة نتيجة لرحيل عبدالناصر ولم يكن قد انتهى بعد من المهمة التى أخذها على عاتقه بعد حرب 1967 من إزالة ما ترتب عليها من نتائج!!
تفسير آخر من عندياتنا، ولا نذكر ما إذا كان الأستاذ هيكل قد تعرض للواقعة التى سنعرض لها هنا فى بعض كتاباته بعد لقاءاته الطويلة المسجلة مع حسن باشا يوسف وكيل الديوان الملكى خلال السنوات العشر الأخيرة من حكم فاروق.. فقد حدث أن كان كاتب هذه السطور فى زيارة للرجل فى مكتبه بالأهرام بعد أن أصبح رئيسا لوحدة التاريخ التابعة لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية وقت أن كنت أقوم بتأليف كتاب تاريخ الوزارات المصرية لحساب المركز.. المهم أن الادارة كانت فى اعقاب تولى الرئيس السادات لسلطاته رئيسا للجمهورية المحافظة، فقد وجدته سعيدا غاية السعادة، وقبل أن أسأله عن السر بادرنى بالقول شفت.. الراجل بتاعنا بقى رئيس الجمهورية، فوجئت بالقول فسألته لماذا تقول هذا يا سعادة الباشا، الرد: لأسباب كثيرة، روى لى منها قصة لجوء السادات إلى قصر عابدين أثناء مطاردته من البوليس بعد هروبه من السجن عام 1944 ووقوعه فى عرض مولانا، وأنه تمتع بالحماية الملكية بعدئذ، ولم يكن غريبا ما قيل عن انضمامه للحرس الحديدى بعد ذلك، أو عن سعى عبدالناصر لضمه إلى الضباط الأحرار للتعرف على ما يجرى فى الدوائر الملكية.
ولاشك أن هذه العلاقة قد تركت أثرا عميقا فى نفس الرجل حتى أنه كثيرا ما تصور أنه بإمكانه اعادة بعض رموز العصر الملكي، فأعاد نظام الديوان، وإن كان جمهوريا هذه المرة، وسمح لعديد من أبناء الأسرة المالكة بزيارة مصر، بل والعودة للاستقرار فيها، الأغرب من ذلك ما لم يلاحظه الكثيرون من أن ما جاء فى المادة الأولى من دستور 1956 الذى وضع أيام عبدالناصر من الشرط بأنه لا يحق لأبناء الأسرة المالكة السابقة شغل هذا المنصب، فجاء السادات وحذف هذه المادة من دستور 1971!
وعلى الرغم من أن كثيرين يرون أن تجربة السادات السياسية قبل الثورة كانت زادا له بعد أن تولى رئاسة الجمهورية، ووصفوه بالمحنك الذى اختلف عن سائر رؤساء الجمهورية الذين سبقوه، نجيب وعبدالناصر، اللذين لم يملكا وقت اعتلائهما المنصب سوى خبرتهما العسكرية، مع بعض الخبرة السياسية التى اكتسبها عبدالناصر بين عامى 1952 و1954، لم يتنبه هؤلاء إلى أن هذه الخبرة قد تأتى فى كثير من مناحيها بمردود عكسي، فيما يتمثل فى الحنين إلى الماضى والرغبة فى احياء رموزه مع ما جد من وصوله إلى مكان القمة.
ويكفى فى هذا أن نذكر بمشهد يوم المنصة، فقد كان الرئيس يرتدى زى القوات النازية، ولعل الكثيرين الذين عجبوا من ذلك لم يتذكروا أو لم يكونوا على علم بأن الرجل قد قبض عليه خلال الحرب وحوكم بتهمة التعاون مع الألمان، وظل فى السجن لعامين بسبب هذا الاتهام، كما أن الرجل فى تقديرنا قد تصور أن كرسى الرئاسة يمكنه من صنع ما يشاء بغض النظر عن الظروف التاريخية المحيطة.
ونرى أن قصر القامة السياسية من جانب، والحنين إلى الماضى إلى حد تصور أنه يمكن بعثه حيا بعد أن كان قد شبع موتا، كانا وراء الانقلاب على سياسات عبدالناصر الذى لم يتأخر كثيرا، فهو وإن كان قد بدأ بالصراع مع رجال الأخير الذين تخلص منهم فى مايو عام 1971، إلا أنه سارع الخطى بعد حرب 1973، من جراء ما اعتقده الرجل والمحيطون به من أنها قد وفرت له شرعية أخرى غير الشرعية الناصرية، الأمر الذى قد يكون صحيحا فى بعض جوانبه فلم يكتف بالانقلاب على رجال الرئيس الراحل، بل تعداه إلى الانقلاب على سياساته الداخلية والخارجية.
ولا نرغب فى هذا المقال القصير أن نكرر مظاهر هذا الانقلاب، والتى رصدتها كتابات عديدة، البعض اعتبرها ضد مصالح الشعب المصري، بل وضد دور مصر فى المنطقة، والتى اعتبرها آخرون نوعا من الحنكة السياسية.
وبدا الانقلاب على سياسات عبدالناصر الاقتصادية - الاجتماعية بالتحول عن المباديء الاشتراكية، وعن المعسكر الشرقى عموما، إلى سياسة الانفتاح الاقتصادى غير المدروس، وإلى مد الأيدى لكل من خاصمه الرجل حفاظا على مكانة مصر فى المنطقة وعلى دورها العربى القيادى المؤثر.. ولم تتوقف سياسة مد الأيدى على الولايات المتحدة الأمريكية وإنما وصلت إلى اسرائيل بعد زيارته الدرامية للقدس فى نوفمبر 1977، مما أثر كثيرا على مكانة مصر ودورها فى المنطقة المحيطة، إلى حد تجميد عضويتها فى جامعة الدول العربية، غير أن الرجل سار فى طريقه لا يلوى على شيء.
على الرغم من محاولة الترويج لهذه السياسات بإشاعة مقولة رددها الكثيرون من خصومه بأن العرب كانوا دائما عبئا على مصر، وأن تحمل أعباء القضية الفلسطينية دون أن تشاركها أية دولة عربية مشاركة جادة، كانت السبب وراء ما يعانيه المصريون من أزمات اقتصادية، وراجت فى ذلك الوقت فى الشارع المصرى بين العامة وأنصاف المتعلمين قولة يعنى خدنا إيه من العرب!
غير أن هذه الأقاويل وإن جازت على البعض غير أنها لم تجز على كثيرين ممن وعدوهم بالمن والعسل والترقى إلى الشرائح العليا فى الوقت الذى انحدر غالبيتهم معه عن موقعهم الطبقى القديم، الأمر الذى عبروا عنه فى مظاهرات الطلاب فى الجامعة ومظاهرات الخبز.
وبالعقلية القديمة التى تربت عند الرئيس الجديد فى فترة عمله السياسى قبل الثورة، والتى بدأت بتشويه سمعة سلفه، وكانت ذخيرة المعركة التى تقرر أن يخوضها جاهزة.. فى الجامعات الاسلامية على رأسها جماعة الاخوان التى كان لها ثأر قديم عندعبدالناصر.
وقصة تشجيعه لهؤلاء لمواجهة الناصريين أكثر من معروفة، والدور الذى لعبه رجل المقاولات المشهور عثمان أحمد عثمان ومحافظ أسيوط لتشجيع هؤلاء معلوم، وقد تم كل هذا تحت أنظار الرئيس وبرضائه التام.
ونرى أن ميول السادات وتاريخه جعلته الأقرب إلى اليمين الديني، وهو الأمر الذى فطن إليه عبدالناصر منذ وقت مبكر، فجعله قبل قيام الثورة همزة الوصل بين الاخوان وبين الضباط الأحرار، ثم إنه عمل بعدها ومنذ عام 1954 سكرتيرا عاما للمؤتمر الاسلامي.
ولعل هذه الميول هى التى عجلت باتباع سياسات تناقض سياسة عبدالناصر بمد الأيدى للدول المحافظة، ذات الطابع الديني، خاصة المملكة العربية السعودية، ثم ما اتصل بذلك من سحبها من الدول الاشتراكية على رأسها الاتحاد السوفيتى باعتبارها دولا ملحدة، أو على الأقل لا دين لها!
وفى هذا المناخ تعاظم شأن هذه الجماعات، وظهرت جريدة الاخوان القديمة، الدعوة، التى بدأت حملة شعواء على عبدالناصر وعهده، والتى أخذت، فى ذات الوقت، فى تشويه سمعة الرجل واختلاق القصص حوله.
لم يمض وقت طويل حتى بدأت بعض الأقلام فى الصحف القومية تغير لهجتها تماما عن الزعيم الخالد، وإن تفاوتت فى هذا إذ بينما اتبعت جريدة مثل الجمهورية التى كانت ناطقة باسم الثورة هذا النهج الجديد، خاصة وأنه كان للرئيس الجديد ماض معها وقت أن كان رئيسا لتحريرها، مما وفر له فيها بعض الأتباع الراغبين فى ارضائه.
فعلت هذا وبشكل أقل جريدة الأخبار، وكان للفاعلين أسبابهم، فعدد غير قليل منهم كانوا من تلامذة مؤسسيها، مصطفى وعلى أمين، ولم ينسوا ما فعله عبدالناصر، خاصة بالأول، بغض النظر عما إذا كان محقا فيه أم لا.
الأهرام كانت الجريدة الوحيدة التى لم تنضم لصفوف المنددين، خاصة مع وجود الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيسا لها حتى عام 1974، وحافظت على احترامها، ولما كان معروفا من علاقة بين الأستاذ وبين عبدالناصر فقد عزا أنصار السادات فى الصحف الأخرى هذا الموقف لتلك العلاقة، وشنوا حملة شديدة على هيكل، واتهموه باحتكار الأخبار والتعرف على السياسات أيام الزعيم الراحل، حتى أنهم وصفوه بالصحفى الأوحد، وعزوا كل ما أحرزه الرجل فى تاريخه من مجد صحفى إلى هذه العلاقة، بمعنى آخر أن حملة التشويه لم تقف عند شخصية عبدالناصر وإنما طالت آخرين وقد أثبتت الأيام بطلان ما ذهب إليه هؤلاء، فالرجل لم يتوقف عن الكتابة بعد أن ترك الأهرام، أو أجبر على تركه، وأصبحت له ذخيرة من المؤلفات التاريخية والسياسية أبقته فى مقدمة الكتاب فى العالم العربي، بل وذاع صيته إلى العالم الخارجي، وهو ما لم يحدث لأى من المتقولين عليه بعد أن تركوا مواقعهم الصحفية!
المهم أنه قد ترتب على استبعاد هيكل من رئاسة تحرير الأهرام، أن دخلت الجريدة العريقة فى حالة من القلق لفترة غير قصيرة، خاصة بعد تولى عدد من خصوم الرجل بعضا من المسئولية فيها، غير أنه بعد استقرار الأمور فى الجريدة العريقة، خاصة بعد تولى الأستاذ ابراهيم نافع المسئولية فيها، باعتباره أحد أبنائها، أن عاد للصحيفة توازنها، وقد حماها من الانجراف فى الحملة تاريخها القديم القائم على الالتزام بالدقة فى الأخبار والتوازن فى المواقف.
غير أن هذا التشويه تحول إلى تشهير قبل مضى وقت طويل، خاصة بعد عودة حزب الوفد إلى الوجود بحكم قضائى عام 1977، ولسوء الحظ فإن تلك العودة تمت على أيدى الجناح اليمينى بزعامة فؤاد سراج الدين، والذى كان الوفد قد وقع فى أيديه تماما خلال النصف الثانى من الأربعينيات وحتى قيام الثورة، ونظن أن الأمر كان سيصبح مختلفا لو كان قد تم ذلك على أيدى الجناح اليسارى الذى كان قد بقى من شخوصه محمد صلاح الدين وبعض رجال الطليعة الوفدية
وقد أصدر أعداء الجناح اليمينى لعبدالناصر مما أوقعه برجاله، وكان أغلبهم من كبار ملاك الأراضى الزراعية، من خسارة مادية فادحة بعد تطبيق قوانين الاصلاح الزراعي، ومن محاكمات دفعت بعضهم إلى أحضان السجون بمن فيهم فؤاد باشا نفسه، ومن حرمان من امتيازات الحكم التى طالما أدمنوها.
جاء هؤلاء بكل ما حملوه للرجل من تار بايت وأصدروا جريدتهم الوفد التى لم تترك فرصة دون التشهير بعبدالناصر، واستخدموا فى هذا كل ما كتبه أعداؤه، هذا فضلا عن استكتاب العديدين ممن رغبوا فى التشهير بالرجل وعهده، واستبعدوا أى قلم صديق.. ومعروفة قصة العرض الذى قدمه رئيس تحرير الجريدة للأستاذ هيكل لكتابة مقال أسبوعى فى الجريدة قبل أن يحصل على موافقة الباشا، معتقدا أن ذلك ما يروج الجريدة الناشئة، بيد أن رئيس الحزب رفض الفكرة من أساسها فقد كان لا يتصور أن تستكتب جريدته رجلا مثل هيكل مهما بلغت قامته الصحفية، وتم سحب العرض.
وفى هذا المناخ تدخلت قوى خارجية لتقوى من عضد جماعات التشهير، فقامت بعض الدول العربية المحافظة التى كانت محلا لهجوم عبدالناصر بتأييد الأحزاب والصحف التى تولت هذه الحملة غير أننا نجد فى عديد من العواصم العربية والافريقية شارعا رئيسيا باسم عبدالناصر غير أننا لا نعثر فى متحف الشمع الشهير فى لندن باسم مدام توسو سوى على تمثال للرئيس السادات، وهو أمر ذو دلالة بل دلالات!
وصلت حملة التشهير إلى ذروتها عندما قرر الرئيس السادات اصدار مجلة أسبوعية عن دار عريقة فى اصدار الكتب هى دار المعارف، هى مجلة أكتوبر، التى ضمت إلى هيئة تحريرها أصحاب الأقلام المستعدة للتشهير بعبدالناصر، وكان معلوما أنها مجلة الرئيس، وإن كانت هذه قصة طويلة نؤثر أن نتركها لوقتها!
وعلى الرغم من رحيل الرئيس السادات قبل نحو ربع القرن، ورغم اختفاء عدد من خصوم عبدالناصر الذين جعلوا شغلهم الشاغل تشويه سمعته، فإنه من المثير أن يظل أنصارهم يسعون إلى اقتناص مناسبات معينة لعزف نشيد الاتهامات الذى تقطعت أنفاسه، ولا ندرى لمصلحة من؟
ولعل سيادة هذا المناخ هو الذى منع حتى هذه اللحظة من كتابة تاريخ الحقبة المدهشة التى حكم خلالها الرجل مصر كتابة موضوعية، فالخصوم سادرون فى التشويه والأنصار مشغولون بمحاولات دفع هذه الاتهامات غير الصحيحة فى غالب الأحيان والمبالغ فيها أحيانا أخري، وعموما فإنه لا ينبغى للأمم أن تعامل رجالها الذين تفهموا حركة التاريخ واستثمروها لصالح الوطن بهذا الشكل الذى يجعلنا قابعين فى الدور الأول، فى ذات الوقت دون أن نرتفع أبدا إلى الدور الذى يعلوه!!

جريدة العربي الناصري

ماذا بقي من ثورة 23 يوليو

ستظل التجربة الناصرية رؤية لواقع الأمة العربية وقدرة موضوعية على قراءة التاريخ بل واستشراف المستقبل. لقد شكل جمال عبد الناصر تقاطعاً لثلاثة خطوط محورية هي التاريخ العربي-الإسلامي الباحث عن النهضة باعتبار الوطن العربي القلب الاستراتيجي للعالم ثم البناء الاجتماعي في التفاوت الطبقي الهائل في المجتمع الذي فرض عليه الانتماء للقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغير وأخيراً الشخصية الفردية بما اتسمت به من مقومات كاريزمية.

ويصدق هذا القول أن عظمة القائد في أمتنا تتحدد بدرجة استثارته للموحدات الحضارية الكبرى التي يمكن أن تستجيب لها الغالبية العظمى من الشعب العربي كما تتوقف درجة نجاح هذه الاستثارة بمصداقيتها للقاعدة الحضارية الديموغرافية التي تنطلق منها لتبلور المفهوم التقدمي للعروبة ولتكون القيادة الناصرية محصلة لتراكمات متصلة من الأطروحات القومية بشأن الوحدة والعدالة الاجتماعية والتحرر للوصول إلى صيغة مثلى لخدمة الجماهير على قاعدة من المبادئ والمثل العليا. وارتبط عبد الناصر بتوجهات عروبية ذات مضمون أمني ركزت على ضرورة المناعة الأمنية للنظام الإقليمي العربي. ثم وحد بين الحد الأقصى والحد الأدنى في القضايا الأمنية ما جعل الوطن متحداً في إيجاد البدائل الواقعية لآليات المعالجة وهو بالطبع ما لا يوفر للقوى المعادية إمكانية النفاذ إلى جسد النظام ذي المناعة المؤسساتية. وتؤدي هذه الوضعية إلى مزيد من الانسجام بين تطلعات الجماهير وأمن أمتها القومي لرؤية محددة نشأت القيم والمصالح المفروضة للتمسك بالسيادة القومية. وجاء ذلك بفهم طبيعة السيادة كفكرة توحيدية لتعزيز فعالية العروبة دون أن تكون إقلالاً من الاندماج في المجتمع الدولي وإنما على العكس فهي ذات الفكرة التي أخذ بها الاتحاد الأوروبي زمن العولمة لتقوية الروابط المصلحية. ويعاضد من التوجهات الأمنية وجود رقابة شعبية أي أن حرية التصرف ليست مطلقة للنخبة والتي تقلل من الاختلالات الهيكلية الكامنة في النظام العربي مثل الانكشاف الاقتصادي للخارج بالاعتماد على المصادر الغذائية الأميركية واختلال توازن القوى ضد أعداء الأمة. الأمر الذي يجعل الدول العربية أكثر دينامية تجاه الإيمان بدور العقيدة الأمنية بالوحدة العربية لتقوية مواقفها في عالم التكتلات العملاقة. وأكدت رؤى جمال عبد الناصر القومية تفاعل العروبة مع القضايا العالمية باكتساب مقومات مقاومة الاختراقات الخارجية بالعمل على : 1- تقوية حساسية الدول العربية تجاه الغرب حيث ضرورة إيقاف النزاعات الداخلية بينها وتقليل الأزمات المتوترة لاكتساب مقدرة توحيد الإرادة لمواجهة الخطر الصهيوني. 2- تنامي الشعور بالاندماجية بتقليل الصراعات القطرية وتفعيل البعد الشعبي في الأمن العربي لتحقيق الإجماع القومي. ولذلك فرغم الإيمان الناصري بتحقيق الوحدة كحتمية تاريخية إلا أن التعاضد الجماعي للإرادة الشعبية في العمل الوحدوي هو السبيل الوحيد للوحة. 3- إعطاء التنسيق الدفاعي بين الدول العربية أولوية قصوى وبخاصة عند مواجهة الخطر الخارجي وكان تكوين القيادة المشتركة لأركان الجيوش العربية والجبهة الدفاعية مع دول الطوق مرحلة لحماية العروبة من الاختلالات.

إن ما يبقى من التراث الناصري وإمداداته المستقبلية هي القيم الأساسية التي عبر عنها جمال عبد الناصر. لقد كرس قيماً جديدة من حرية الوطن والمواطن والعدالة الاجتماعية بتذويب الفوارق بين الطبقات والوحدة ذات المضمون التقدمي وكانت أحكام القيم عند عبد الناصر ذات عناصر ذاتية نابعة من طبيعة شخصيته السوية وإيمانه بالحق والخير والجمال. وتوجه هذه القيم الفعل الإرادي نحو الأهداف الاستراتيجية وهي لذلك ستتحقق لأنها الأهداف الصحيحة للنضال الشعبي. فهناك حتمية لتحقيق الوحدة لمواجهة المشروعات الخارجية التي ترغب في تفتيت الأمة في صراعها الممتد ضد إسرائيل. ورغم عدم نجاح تجربة الوحدة المصرية-السورية إلا أن الوقائع منذ عام 1970 تشير إلى أن تشرذم الجهود العربية يؤدي إلى نقاط إيجابية لمصلحة العدو. واعتقد عبد الناصر بحتمية إلغاء استغلال الإنسان للإنسان حلاً لمشاكل التخلف الاقتصادي والاجتماعي وإذا كانت صيغة الاشتراكية لم تصمد بعد رحيله فإن الصمود أمام الزحف الرأسمالي زمن العولمة لن يكون إلا بتذويب الفوارق بين الطبقات وإلغاء الاستغلال بإصلاح الهياكل الإدارية ونزع السمات البيروقراطية التي تسببت في فشل التطبيق العربي للاشتراكية.  

Home Up