كلمة خالدة لفولتير قال فيها: (كنت أتمنى أن أكون محاميًا، لأن المحاماة أجل مهنة في العالم).
وفي الحق أنه ليس بين المهن ما يسمو على المحاماة شرفًا وجلالاً، ولا ما يدانيها روعة وتضحية ومجدًا، ذلك أن رسالتها هي تحقيق العدالة بالوقوف إلى جانب المظلوم والأخذ بناصر الضعيف، والدفاع عن شرف الأفراد وحياتهم وحرياتهم وأموالهم، والمحامي يقوم بإسداء النصيحة للكبير، كما أنه القيم الطبيعي على الصغير، يلجأ إليه الأغنياء والفقراء على السواء، ومن عملائه الأمراء والعظماء،

المحامون أعوان القضاء

  يتمتع المحامي لدى المحاكم والدوائر والسلطات التي يمارس مهنته أمامها بالحرية التامة بحيث لا يجوز توقيفه أو تعقبه من أجل أي عمل قام به تأدية لواجباته المهنية ولا يتعرض المحامي تجاه هذه المحاكم والدوائر والسلطات التي يمارس مهنته أمامها إلا للمسؤولية التأديبية , و يجب أن ينال المحامي الرعاية والاهتمام اللائقين بكرامة المحاماة من المحاكم والنيابات بجميع درجاتها ودوائر الشرطة وكافة الدوائر والمراجع الرسمية التي يمارس مهنته أمامها وأن تقدم له كافة التسهيلات التي يقتضيها القيام بواجبه ولا يجوز إهمال طلباته بدون مسوغ قانوني , ولا يجوز تفتيش محام أثناء المحاكمة , وعلى النيابة أن تخطر النقابة عند الشروع في تحقيق أي شكوى ضد محام وللنقيب أو من ينتدبه أن يحضر جميع مراحل التحقيق , وفي حالة الجرم المشهود يبلغ النقيب أو من ينوب عنه بالسرعة الممكنة بما تم من إجراءات , و يعاقب من يعتدي على محام أثناء تأديته أعمال مهنته أو بسبب تأديتها بالعقوبة المقررة على من يعتدي على قاض أثناء تأديته وظيفته أو بسبب تأديته لها 

يمتنع على المحامي تحت طائلة المسؤولية

1- أن يسعى لجلب أصحاب القضايا أو الزبائن بواسطة الإعلانات أو باستخدام الوسطاء مقابل أجر أو منفعة

2- أن يشتري القضايا والحقوق المتنازع عليها .

3- أن يقبل الإسناد التجارية بطريق الحوالة لأسمه ، بقصد الإدعاء بها دون وكالة .

4- أن يؤدي شهادة ضد موكله بخصوص الدعوى التي وكل بها أو أن يفشي سراً أؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته  المتعلقة بأسرار الموكلين لدى القضاء في مختلف الظروف ولو بعد انتهاء وكالته .

5- أن يعطي رأيا أو مشورة لخصم موكله في دعوى سبق  له أن قبل الوكالة فيها أو في دعوى ذات علاقة بها ، ولو بعد انتهاء وكالته.

لا يجوز للمحامي تحت طائلة المسؤولية أن يقبل الوكالة

1- عن طرفين متخاصمين في دعوى واحدة

2- ضد موكله بوكالة عامة إذا كان يتقاضى من هذه الوكالة أتعابا شهريا أو سنوية

3- ضد شخص كان وكيل عنه ، في نفس الدعوى أو الدعاوى المتفرعة عنها ولو بعد انتهاء وكالته

4- ضد جهة سبق أن أطلعته على مستنداتها الثبوتية ووجهة دفاعها مقابل أتعاب استوفاها منها سلفا 

5- على المحامي أن لا يقبل الدعوى ضد زميل له أو ضد مجلس النقابة قبل إجازته من قبل النقيب

الدفاع عن المتهم

للمحامي الحق في تولي الدفاع عن الشخص المتهم بجريمة بغض النظر عن رأي المحامي في مسؤولية المتهم عن الجريمة وبغض النظر عن موقف السلطة أو أية جهة أخرى من المتهم ومن التهمة ، وبخلاف ذلك فإن أشخاصا أبرياء ضحايا ظروف مشكوك فيها يمكن أن يحرموا من حق الدفاع ،وإذا تولى المحامي مهمة الدفاع فإنه يصبح ملزما في تقديم كل دفاع يسمح به القانون بكل شرف وجرأة حتى نهاية المقضاة ، إذ لا يجوز أن يحرم أي شخص من حياته أو حريته دون أن يكفل له حق الدفاع المقدس

وأما بالنسبة للمحامي الذي يقوم بدور تمثيل الحق الشخصي ومساعدة النيابة العامة فإن واجبه الأساسي هو ضمان تحقيق العدالة وفق أحكام القانون وأن أية محاولة لطمس الوقائع أو البينات التي تثبت براءة المتهم هي من المخالفات المسلكية

 التقيد بالوقت وعدم التباطؤ

على المحامي في المحاكمات أن يتقيد بالحضور في المواعيد المحددة وأن يتوخى الإيجاز وأن يدخل مباشرة في موضوع المحاكمة وأن يتجنب تقديم أية طلبات بهدف تأخير الفصل في موضوع الدعوى , ولا يجوز للمحامي أن يقوم بأي إجراء ينتج عنه توقيف النظر في دعوى أو تأخير الفصل فيها مثل تقديم استئناف أو تمييز للطعن في قرار غير تابع للاستئناف أو التمييز أو أن يقوم بأي إجراء آخر من هذا القبيل بهدف تأخير الفصل في الدعوى , وعلى المحامي أن يحضر الجلسة المعينة لإصدار الحكم ، فإذا تعذر عليه الحضور لسبب مشروع يجب عليه أن ينيب زميلا آخر , ولا يجوز للمحامي أن يرفض بدون مبرر مشروع تبلغ الحكم الصادر بحق موكله في دعوى حقوقية

من واجبات المحامي تجاه زميله في الدعوى أو في أية إجراءات

على المحامي في كل ما يقدم من استدعاءات وطلبات ولوائح ومرافعات أن يذكر فيها اسم وكيل الخصم ، وإذا كان تبليغ أي من هذه الأوراق لوكيل الخصم ليس وجوبيا بحكم القانون على الجهة التي تقدم إليها فإنه يجب على المحامي أن يبلغ نسخا عنها في حينه إلى وكيل الخصم , وعلى المحامي قبل الشروع في إجراءات المحاكمة في الدعوى أن يتحقق بأن وكيل الخصم قد تبلغ موعد الجلسة ، فإذا كانت أوراق ملف الدعوى تثبت عدم وقوع التبليغ فإنه يجب على المحامي أن يطلب إلى المحكمة تبليغ وكيل الخصم, ولا يجوز للمحامي أن يطلب تأجيل النظر في الدعوى إلا لسبب مشروع ، وفي هذه الحالة يترتب عليه أن يخبر وكيل الخصم مسبقا وقبل وقت كاف بحيث لا يفاجأ وكيل الخصم بطلب التأجيل في اليوم المعين للنظر في الدعوى إلا لسبب من أسباب القوة القاهرة

قرارات هيئة عامة في المحاماه

تمييز حقوق 36 / 88 صفحة 1541 سنة 1988

اجاز قانون نقابه المحامين بالبند الثالث من الماده ( 41 ) لكل من مصالح الحكومه او الهيئات العامه او دوائر الاوقاف ان تنيب عنها في المرافعه احد موظيفها الحاصلين على اجازه الحقوق بمعنى ان يمارس عمل المحاماه بهذا الخصوص وبهذه الحاله يحكم لمن يمثله باتعاب المحاماه اسوه بما يحكم لخصمه اذا كان لكل منها نائب يمثله في الدعوى

نصت الماده العاشره من قانون دعاوى الحكومه على ان يحكم للحكومه باتعاب المحاماه بالصوره التى يحكم فيها بالدعاوى التى تقام بين افراد الناس وقياسا على هذا القاعده فتستحق اداره الجمارك اتعاب المحاماه عن اعمال المحاماه التى قام بها ممثلها

‏ان فرقاء الدعوى متساوون بالحقوق والواجبات ومقتضى هذه المساواه ان يحكم للرابح باتعاب المحاماه عند وجود نائب حقوقي يمثله هـ ع

عدل عليا 303 / 95 صفحة 1659 سنة 1996

‏الخصومه من النظام العام ومن واجب المحكمة التاكد من صحه الخصومه بين اطراف الدعوى كافه سواء اثير الدفع من قبل الخصوم او لم يثر ، وان البحث بهذا الدفع مقدم على بحث الدفوع الشكليه الاخرى المتعلقه بميعاد تقديم الدعوى ، وعليه فان خلو الوكاله المعطاه للمحامي الوكيل من ذكر الخصوص الموكل به يجعلها وكاله غير صحيحه عملا باحكام الماده ( 834 / 1 / ج ) من القانون المدني ، وبالتالي فان الوكاله المعطاه للمحامي الوكيل والتي خلت من ذكر الخصوص الموكل به ، وهو الطعن بقرار تسريح المستدعي امام محكمة العدل العليا لا تخوله اقامه هذه الدعوى وتكون الدعوى مقدمه ممن لا يملك حق تقديمها ويكون الدفع بعدم الخصومه مقبولا والدعوى مستوجبه الرد هـ ع

تمييز حقوق 864 / 93 صفحة 1308 سنة 1995

الخصومه من النظام العام وعلى المحكمه التثبت من صحتها وصحه تمثيل المدعى عليه وطالما ان الوكاله المعطاه للمحامي غير موقعه من صاحب الاسم التجاري وانما من شخص اخر فعلى المحكمه التثبت مما اذا كان من وقع وكاله المحامي له حق تمثيل المدعى عليه وحق توكيل المحامين في الدعاوى التى يكون المكتب التجاري العائد للمدعى عليه طرفا فيها ام لا هـ ع

تمييز حقوق 773 / 94 صفحة 1314 سنة 1995

الوكاله العامه التى تتضمن ( ان الوكيل مفوض بالاشراف والمناظره على بيت الموكل وله الحق بتاجيره وقبض بدل الايجار وانذار المستاجرين واقامه الدعوى ضدهم وطلب اخلائهم من الماجور كما ان له الحق باجراء اللازم حيال ما ذكر ) تخول الوكيل توكيل المحامين لاقامه دعوى الاخلاء ما دام ان عباره ( وله الحق باجراء اللازم ) الوارده في الوكاله تشمل حق توكيل المحامين هـ ع

تمييز حقوق 409 / 95 صفحة 3390 سنة 1995

ان توكيل محاميين بعقد واحد يجعل من حق اي من الوكيلين ان يقدم التمييز وحده عملا بالفقرة الثانية من المادة 842 من القانون المدني ولا يرد القول بان هذه المادة اشترطت في مسألة الخصومة ان يكون الوكيل الذي انفرد بالعمل قد أخذ رأي من وكل معه ذلك لأن اخذ الرأي في هذه الحالة ليس من النظام العام وانه يجوز للموكل ان يجيز العمل الذي انفرد به الوكيل كما ان هذا الشرط وضع لمصلحة الموكل من اجل تحديد العلاقة بينه وبين الوكيل ومدى مسؤولية الوكيل تجاهه هـ ع

تمييز حقوق 227 / 86 صفحة 574 سنة 1986

اذا ورد في نص الوكاله الخاصه المعطاه من المدعيين للمحامي باقامه الدعوى المدنيه امام محكمه بدايه الحقوق بعمان للمطالبه بمبلغ تعويضا لهم عن اضرارهم الماديه والمعنويه من جراء تسبب المدعو مازن بوفاه مورثهم واولاده , كما جاء في الوكاله ان المحامي الوكيل موكل بتقديم اللوائح والاستدعاءات والطلبات مما ينبني عليه ان الوكيل يملك حق ادخال اخرين في الدعوى بصفه مدعى عليهم لان الدعوى في الاصل مقامه على مدعى عليه خصم في الدعوى هـ ع

استقلال المحاماة

 المصدر البوابة القانونية

مقدمة 

 ترتبط المحاماة بالحياة القانونية ،كما تعيش في المحاكم وفي المجتمع ويقع على المحامي واجب خماسي الأبعاد: واجبه نحو موكله، وواجبه نحو خصمه، وواجبه نحو المحكمة ، وواجبه تجاه نفسه ، وواجبه تجاه النظام القانوني في الدولة .

ولكن الواجب الأعلى والأسمى الذي يقع على المحامي هو واجبه وولاؤه للعدل وأداء العدل  .انه من الخطأ أن نعتبر المحامي لسان موكله ،والناطق باسمه فقط يقول ما يريد موكله، وانه أداته لما يرشده إليه، إن المحامي ليس كذلك وإنما هو مدين بالولاء والإخلاص للقضية الأهم وهي قضية العدالة .

والمحاماة وهي من الحماية، تشكل الدعامة الأساسية لتحقيق العدل ، فهي مهنة مستقلة تشكل مع القضاء سلطة العدل ، فلا تنعقد المحكمة تحت طائلة البطلان إلا بوجود محام ، وهي تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدل وتأكيد سيادة القانون .

والإنسان في صراعه من أجل الحياة وبنضاله المستمر في درء الأخطار عن حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه بحاجة إلى حماية ، والمحاماة وجدت لحماية أغلى ما لدى الإنسان: حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه ، وحماية حقوق الأفراد وحقوق الأمة، والحياة لا تستقيم بدون حماية ، ودون حماية المحاماة .

والناس ــ أكثر من أي وقت مضى ــ يتطلعون إلى القانون لحماية وتعزيز الحقوق الفردية والجماعية وحل مشكلات الأفراد والجماعات ، والحكومات أكثر من أي وقت مضى تعتمد بصورة متزايدة على القانون في تنظيم المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولأنه بتعاظم دور القانون يجب أن يزداد ويتعاظم دور المحامين ودور نقابة المحامين ويجب أن يكون المحامون قادرين على إيصال العدالة للجميع عن طريق السعي لتحسين النظم القانونية وتحسين المهارات المهنية التي تمكن المحامي من تقريب العدالة للناس وعرض قضاياهم على القضاء وتعزيز فهم الجمهور لدور القانون في المجتمع .

والفهم السليم للمحاماة يضعها في مكانها كجزء لا يتجزأ من سلطة العدل بإدراك الترابط العضوي بينها وبين القضاء وبإدراك أن المحامي أصبح جزءاً لا يتجزأ من المحكمة .

أ.   فالمحكمة لا تنعقد أساساً إلا بوجود المحامي (المادة63/1 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني ).

ب. ومهمة المحامي التعامل مع القاعدة القانونية كيف تفسر وكيف تطبق وتلك هي أيضاً مهمة القاضي .

ج.  والقرار القضائي السليم هو الذي يوصل إليه بعد حوار أفكار بين طرفين مهمتهما إجادة الحوار .

د.  والقاضي يعطي حكمه ويعتمد في قراره على حقائق القضية التي قدمها المحامون الذين حضروا أمامه والذين قدموا الأدلة والمراجع ذات الصلة بالقضية .

          وسنبرز ماهية ومشتملات مبدأ استقلال المحاماة تحت العناوين التالية :

* مفهوم استــقلال المحامــاة .

* مقتضيات استقلال مهنة المحاماة .

* مظاهر استـقلال مهنة المحاماة .

* معـيقات استقلال مهنة المحاماة .

 وسنتناول كلاً من هذه الموضوعات من حيث المضمون النظري ونركز على استظهار التطبيقات من خلال نصوص القانون المنظم للمحاماة في الأردن { قانون نقابة المحامين الأردنيين والنظام الداخلي للنقابة } مشيرين إلى موقف القوانين العربية الأخرى والإعلانات الدولية ذات العلاقة  ، وفقاً لمقتضيات العرض وكلما كان ذلك متاحاً .

 1.    مفهوم استقلال المحاماة .

المحاماة من الحماية ، وهي رسالة نصرة الحق والدفاع عن المظلوم واستقصاء  العدل، والمحامون ( شركاء للقضاة اتخذوا مهنة لهم تقديم المشاركة القضائية والقانونية لمن يطلبها) ، وإذا كان البعض يذهب إلى اعتبار المحاماة فناً رفيعاً لازماً لتحقيق العدالة ، وهي كذلك ، إلا أن دور المحامي وطبيعة مهامه وعلاقته بموكله والقضاء والآخرين أوجد التحديد المتفق علية من أن((المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالةــ التي هي جوهر القانون ومرتكزه )) ولا تناقض بين مفهوم المحاماة كمهنة مستقلة ومفهومها كرسالة وفن رفيع ، لأن نشوء المحاماة بعيداً عن سلطات الدولة ودونما خضوع لما تخضع له هذه السلطات، وانطلاقها من واجب الدفاع وتقديم المساعد القانونية والقضائية ، وتطلبها المعرفة والعلم والتأهيل الجيد، حدد مفهومها كمهنة حرة مستقلة،وحدد غرضها ودورها كأداة للدفاع عن المحتاج، وحدد مكانتها كفنٍ رفيع جعلها بحق رسالة نصرة الحق وتحقيق العدالة .

ومفهوم المحاماة بالمعنى المتقدم جعل استقلالية المحاماة أهم مقومات وجودها وفعاليتها في أداء دورها ، وإذا كان استقلال مهنة المحاماة جزءاً من استقلال القضاء وكلاهما (استقلالية القضاء والمحاماة) جزءان لا يتجزءان لازمان لإقامة العدل، فإن لاستقلالية المحاماة، معنى ومفهوماً يختلف عن مفهوم ونطاق استقلال القضاء ، ومرد ذلك إلى أن المحاماة ليست سلطة كسلطة القضاء أو سلطة كبقية سلطات الدولة ( التنفيذية والتشريعية ) ، فالمحاماة منذ نشأتها هي مهنة معاونة القضاء تكمل وتشاطر القضاء مهمة إقامة العدل ، ومن هنا اعتبر استقلال المحاماة جزءاً من استقلال القضاء ، ومن هنا أيضاً أعتبر أن وجود النظام القانوني العادل والناجع لإقامة العدالة والحماية الفاعلة لحقوق الإنسان وحرياته يتوقفان على استقلال القضاة واستقلال المحامين ،وهذا المفهوم جرى تكريسه وتحديد مظاهره وعناصره في تشريعات المحاماة العربية بوجه عام  .

ويقصد باستقلال المحاماة بوجه عام قيام المحامين بأداء دورهم متحررين من كل تأثير أو ضغط من أي جهة كانت ، وأن تكون كل السبل ميسرة أمام الجمهور للاستعانة بالخدمة التي يقدمها المحامون .

فالمحامي في أدائه لمهمته وواجبه لا يخضع لغير ضميره الحر المستقل ، واستقلالية المحاماة باعتبارها مستمدة من طبيعة وظيفته الاجتماعية كمشارك للقضاء في إقامة العدل تعني حرية ممارسته لمهنته واستقلاليته في آلية الدفاع عن موكله ، ولعل هذا المفهوم لاستقلالية المحاماة هو الذي دفع للقول بأن ( المحاماة دعامة العدل باعتبار أن العدل أساس الملك ولا عدل بغير قضاء ولا قضاء بغير محاماة )  .

واستقلالية المحامي بالمقابل ليست امتيازاً له يتيح تبرير الخروج على القانون أو التعدي على القضاء حتى في إطار خدمته لمصالح موكله ، فالاستقلالية أداة حماية استوجبها طبيعة الترابط العضوي بين مهمة القاضي والمحامي في إقامة العدل وتنطلق من واجب مقدس أوجبه حق الدفاع المقدس ، ودور المحامي في إطار ذلك هو دور نزيه ملتزم بالقانون متفق مع واجبه في حماية حقوق الناس والدفاع عن الصواب وإقامة العدل وتحقيق المحاكمة العادلة . لهذا فإن محاولة البعض إصباغ صفة الفن بالمعنى المجرد على المحاماة لتبرير استقلال المحامي في خدمة مصالح موكله بعيداً عن املاءات القانون والضمير والعدالة لا يتفق ومفهوم الاستقلالية الذي أوجده نضال المدافعين الحقيقيين عن الحرية والحق في العدالة . وإذا كان مفهوماً أن استقلال المحامي ليس كمثل استقلال القاضي لوجود التزام قانوني بين المحامي وموكله في الدفاع عن مصالح الأخير ، فإن ذلك لا يغير من وجوب أن يكون بذل المحامي أقصى جهده في الدفاع عن موكله وضمان مصالحه المشروعة وحقوقه القانونية أو وضعه في مركز أفضل مما هو فيه ، إنما يجب أن يتم ضمن إطار القانون وآداب مهنة المحاماة وآداب الترافع وقواعد السلوك القويم في العلاقة مع الموكل والقضاء والغير ، وإدراك الترابط العضوي بين القضاء والمحاماة في أداء العدل .

واستقلال مهنة المحاماة يعني أداء المحامي واجباته لخدمة موكله على نحوٍ مستقل ونزيه متحرر من التدخل في شؤونه من قبل السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى سلطة القضاء ، ومن قبل أي كان دون خوف ووفقاً لما يمليه عليه ضميره وأخلاقيات مهنته ، ولهذا فإن مفهوم الاستقلالية في أفضل تعبير هو (( .. الكفاية الذاتية الوظيفية المصحوبة بأشكال المسؤولية التي تضمن أداء المحامي وظيفته بشكل يطمئن المتقاضين إلى من يمثلونهم ويثقوا فيهم وتخلق لدى المحامين القدرة على مقاومة كافة الضغوط والتدخلات من أي مصدر كان))

 الاهتمام الدولي والإقليمي بمبدأ استقلال مهنة المحاماة

يؤخذ على المواثيق الدولية عدم إيلائها الاهتمام الكافي لمبدأ استقلال المحاماة ، إذ بالرغم من أن المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أوجب توفير سائر الضمانات اللازمة للدفاع عن المتهم في محاكمة عادلة  وكرست ذات المبدأ ، المادة 14/3 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، وبالرغم من أن ضمانة هذا الحق تتطلب تنظيم الحماية الدولية لمبدأ استقلال المحاماة الذي يكفل قيام المحامي بواجبات الدفاع ، بالرغم من ذلك فقد تأخر الاهتمام الدولي باستقلال المحاماة ـ على عكس استقلال القضاء ـ ولم يتخذ بعد الموضع المطلوب ضمن اهتمامات المجتمع الدولي .

ويمكن رصد الجهود الدولية والإقليمية منذ إعلان أثينا الصادر عن اللجنة الدولية للحقوقيين حول سيادة القانون عام 1955 حيث أكد هذا الإعلان على استقلال مهنة المحاماة وتحررها من التدخل الخارجي لضمان احترام سيادة القانون . وأبرز المجهودات الدولية في هذا الميدان الاعلان العالمي حول استقلال العدالة الذي تبنته الدورة العامة الختامية لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 والذي أكد على أن العدالة تشكل الدعامة الرئيسة للحرية ، وأكد على استقلال السلطة القضائية والمحامين . وقد مثلت مؤتمرات الأمم المتحدة منع الجريمة ومعاملة السجناء موقعاً رحباً لبحث استقلال المحاماة وإقرار إعلانات تضمنت تأكيد المبدأ وتحديد مظاهره وعناصره ومتطلبات حمايته ، وقد تناولت هذه المؤتمرات منذ ميلانو 1985 هذا الموضوع بالبحث والمتابعة وفق توجيهات المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة وتوصل المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمع الجريمة المنعقد في هافانا ــ كوبا إلى إقرار المبادئ الأساسية بشأن استقلال ودور المحامين تضمن التأكيد على استقلال المحاماة واستقلال تنظيمات المهنة في تولي شؤونها وحددت المبادئ واجبات وحقوق المحامين وواجبات الدولة في ميدان حماية استقلال المحاماة التي تمثل الحد الأدنى من معايير احترام وتعزيز استقلال المحاماة .

أما اتحاد المحامين العرب فقد أولى مسألة استقلال المحاماة واستقلال القضاء اهتماماً خاصاً ،إذ انطلق مما قرره القانون الأساسي للاتحاد من عمل الاتحاد على تأمين استقلال القضاء والمحاماة ، فعقد عام 1980 مؤتمره الرابع عشر في الرباط تحت عنوان استقلال المحاماة ضمانة أساسية لحق الدفاع ، وأسس الاتحاد من بين لجانه لجنة لاستقلال المحاماة والقضاء جرى إعادة تنظيمها كلجنة دائمة بناءً على توصية المكتب الدائم للاتحاد المنعقد بالدار البيضاء عام 1990 ، وأجرت اللجنة دراسة مسحية لواقع المحاماة والقضاء في الوطن العربي من خلال الاستبيان الذي وجهه الاتحاد في شباط 1991 إلى جميع نقابات المحامين في الوطن العربي تضمن الاستيضاح عن مظاهر وواقع استقلال المحاماة والقضاء في الأقطار العربية ، ويكرس الاتحاد من بين أعماله بنداً خاصاً لمتابعة هذا الموضوع كما يوليه الاهتمام في صحافته حيث ينشر بشكل متواصل الأبحاث والدراسات المتعلقة بهذا الموضوع  .

 2.    مقتضيات الاســـتقـلال .

إن المقصود بالعنوان المتقدم تحديد متطلبات مبدأ استقلال المحاماة ، بمعنى تحديد أساس مشروعية المبدأ ومبرر وجوده ، إذ ــ كما ذكرنا ــ ليست الاستقلالية مجرد حرية قيام المحامي بما يريد ، إنما هي أداة لحماية المحامي في أدائه المشروع لواجبه ، لهذا فإن استقلالية المحاماة تتطلب ابتداء انطلاقها من واقع يكفل هذه الاستقلالية ممن يتمتع بها ويبررها في مواجهة منكريها. إن مفهوم الاستقلالية كما رأينا حدده طبيعة المحاماة كشريك للقضاء في إقامة العدل وتأكيد سيادة القانون ، وهذا ما يتطلب ويستوجب أن يكون المحامي نزيهاً في ممارسته لمهنته ، وبذات الوقت يتطلب أن يكون قادراً على ممارسة المهنة

فأول ضرورات استقلالية المحاماة أن يتحلى المحامي بكافة الصفات التي يلتزم بها القاضي من حيث النزاهة والحيدة والالتزام بالقانون والخضوع للضمير والاعتدال والأدب في عرض الموقف وفي القول والمرافعة والبعد عن التحيز والتعصب ، ليس في ممارسته لمهنته بل في سائر شؤون حياته ، لأن أول مقومات المحامي الالتزام الأخلاقي الرفيع الذي يضعه في انسجام مع دوره في أداء رسالة الدفاع المقدس ومشاركته وظيفة إقامة العدل . وقد نصت جميع التشريعات المنظمة لمهنة المحاماة على وجوب توفر مثل هذه الصفات فيمن يمارس مهنة المحاماة ، بل اعتبرتها التشريعات شرطاً من شروط مزاولة المهنة واستلزمت استمرار توفره ، واتجهت إلى زوال الحق في ممارسة المهنة عند انتفاء هذا الشرط . فالمادة 8 من قانون نقابة المحامين الأردني تطلبت في المحامي الراغب بمزاولة المهنة أن يكون محمود السيرة والسمعة غير محكوم بجريمة أخلاقية أو تأديبية لأسباب ماسة بالشرف والكرامة  كما أوجبت المادة 23 على المحامي قبل اشتغاله بالمهنة أداء القسم القانوني بأداء أعماله بأمانة وشرف وفق القوانين والأنظمة واحترام قوانين وتقاليد المهنة  ، وأوجبت المادة 54 على المحامي أن يتقيد في سلوكه بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة وأن يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه قانون النقابة وأنظمتها وتقاليد المهنة .

ونظمت لائحة آداب مهنة المحاماة وقواعد سلوك المحامين الأردنيين الأحكام التي تكفل التزام المحامي الخلقي في عمله وحياته وفي الحفاظ على سمعة وشرف وكرامة المهنة كما أكدت مواد النظام الداخلي على ذات الأحكام التي تضمنها القانون .

إن نزاهة المحامي والتزامه بالقانون تتطلب أيضاً احترام إجراءات التقاضي والبعد عن كل ما يعطلها وعن أي مسلك غير متفق معها في مواجهة خصمه ، كما تقتضي أن يبتعد عن كل إجراء من شأنه إعاقة العدالة أو مساعدة موكله على مخالفة القانون وفي ذلك قضت المادة 56 من القانون الأردني على وجوب تجنب المحامي كل إجراء أو قول يحول دون سير العدالة وبينت لائحة السلوك العديد من الأحكام التفصيلية في هذا الصدد

والنزاهة تستوجب من المحامي الابتعاد عن جميع وسائل ومظاهر استجلاب الزبائن والدعاية التجارية ووسائل الخداع وفي الحصول على الدعاوى و الإساءة لزملائه لتحقيق ذلك ، وفي ذلك قضت المادة 60 من القانون الأردني بحظر السعي لجلب أصحاب القضايا وحظر الإعلان التجاري أو استخدام الوسطاء لذلك ومنع شراء القضايا والحقوق محل النزاع وتضمنت مختلف تشريعات المهنة العربية ذات الحكم .

وحفاظاً على الحيدة والنزاهة ، والتزاماً بمفهوم المحاماة ودورها فإن المحامي يجب أن يمتنع عن ممارسة أي عمل إلى جانب المحاماة من شأنه التأثير على نزاهته أو أدائه ، ومن هنا تتفق تشريعات المهنة في حظر الجمع بين المحاماة وبين عدد من الوظائف والمهام والأعمال ، فالمادة 11 من القانون الأردني تحظر الجمع بين المحاماة ورئاسة السلطة التشريعية أو الوزارة أو الوظائف العامة أو الخاصة الدائمة أو المؤقتة أو احتراف التجارة أو منصب مدير أية شركة أو مؤسسة رسمية أو أية أعمال تتنافى مع استقلال المحامي أو تتعارض مع كرامة المحاماة وقد استثنت المادة الذكورة الاشتغال في تدريس القانون أو العمل في نقابة المحامين أو في الصحافة الحقوقية والثقافية .

 أما المتطلب الثاني لاستقلال مهنة المحاماة ، فيتمثل بالتأهيل القانوني الكفيل بأداء المحامي لمهنته بكل اقتدار وكفاءة ، فالمحاماة مهنة علمية وفن رفيع ، وهي لذلك تقوم على المعرفة المتجددة وتنمية المهارات والقدرة على الأداء ، والمحامي القادر على القيام بواجبات مهنته هو المحامي الذي يتقن إعداد واجباته ودعاويه بشكل مسبق متقن، والقادر على الإحاطة بمادة دعواه القانونية ومسائلها الواقعية وتحضير خطة وآلية دفاعه وتجهيز بيناته والقدرة على مواجهة مفاجآت الدعوى وسرعة البديهة في التعامل مع أحداث ومجريات مهامه  كما أن المحامي بحكم طبيعة مهنته باحث يتقن فن الوصول للمعلومة ويتحلى بصفات الباحث من حيث الموضوعية والصبر والمثابرة والتحليل ويمتلك أدوات المرافعة من لغة وخطابة وقدرة على العرض وتقدير متطلبات عرض الفكرة وكيفية عرضها ، إن جميع هذه الصفات وغيرها متطلب لاحتراف المحامي مهنة الدفاع عن حقوق الآخرين ، ومن غير هذه المكنة تفقد الاستقلالية أحد مبررات وجودها ، لذا كان من مقتضيات استقلال المحاماة التعليم القانوني والتدريب المهني والتأهيل المستمر ، إذ من خلال ذلك ( يتلقى المحامون الثقافة القانونية كعلم وفن ، وتتشكل لديهم مجموعة من القيم ، ويكتسبون إحساسهم بآداب المهنة ووعيهم للمسؤوليات الاجتماعية للمحاماة واهتمامهم بحقوق الإنسان والحريات الأساسية ، وعدم الكفاءة المهنية يعد أحد الأسباب الرئيسة لأزمة العدالة )

إن تشريعات مهنة المحاماة تتطلب إلى جانب التعليم القانوني التدريب المهني على أعمال المهنة ، وتتطلب إنجاز متطلبات معينة نظرية وعملية للنجاح في هذا التدريب ، كما يخضع المحامي إلى اختبارات التأكد من الجدارة والكفاءة ، وهذا شأن جميع التشريعات العربية على اختلاف بينها من حيث شروط ومتطلبات ومدد التدريب وآليات التثبت من الكفاءة ووقت ذلك ، فالقانون الأردني على سبيل المثال يتطلب لقيد المحامي في النقابة شرط حصوله على شهادة في الحقوق من إحدى الجامعات المعترف بها وفق قائمة الاعتراف التي تقررها النقابة   ( م8/و ) ويتطلب أن يتم المحامي التدريب على أعمال المحاماة ( م8/ ز ) وقد نظم القانون الأردني والنظام الداخلي الصادر بالاستناد إليه الأحكام الخاصة بالتدريب في المواد 25- 37 من القانون والمواد 4- 24 من النظام ، وأبرز أحكام هذه المواد تطلب القانون التدريب لمدة عامين تحت إشراف محامٍ أستاذ أتم خمس سنوات من العمل بهذه الصفة ويتطلب الالتزام بالمثول أمام المحاكم والدوام في مكتب المحامي المشرف ويتطلب لإنجاز التدريب إثبات الترافع بعدد من الدعاوى وتجاوز امتحانين شفهي وكتابي وتقديم بحث للمناقشة في موضوع مستجد وعملي تحت إشراف النقابة وتقييمها خلال جلسة مناقشة عامة ويتطلب حضور المحاضرات والندوات والبرامج التي يقررها مجلس النقابة سنوياً ، كما منح القانون والنظام لمجلس النقابة الحق في تمديد مدة التدريب في إطار صلاحيته في التثبت من كفاءة وجدارة المحامي المتدرب.

إن دور نقابات المحامين في تدريب المحامين وتقديم وتنظيم برامج التأهيل النظري والعملي ، وإن كان يعد دوراً هاماً ورئيساً في تحقيق وتعزيز الكفاءة العلمية للمحامين ، إلا أنه يظل واحداً من عناصر التأهيل المتطلبة لتحقيق احتراف المحامي وكفاءته ، فالمحامي منوط به ــ وعلى مدى عمره المهني ــ واجب البحث والتقصي والقراءة والعمل المتواصل لتطوير وتعزيز معارفه سيما فيما يستجد يومياً من مسائل وتشريعات وموضوعات في ميدان القانون والقضاء .

    إن استقلال مهنة المحاماة منوط بالمحامين في التزامهم الأخلاقي بكل ما يكفل نزاهتهم ويحافظ على شرف وكرامة المهنة وفي التزامهم بالحفاظ على كفاءتهم المهنية وتطوير قدراتهم المعارفية وأدائهم العملي .

 3.    مظاهر استقلال مهنة المحاماة :

           إذا كان ما تقدم بيان لمقتضيات الاستقلال ، وهو واجب المحامي وتنظيمات المحامين حصراً فإن ما سيأتي بيان للمظاهر الواجب توفرها للقول بوجود الاستقلال وكفالته . ويستخدم الفقه تعبيرات متعددة بديلة عن تعبير مظاهر الاستقلال ، فنجده يستخدم صور الاستقلال أو معاييره أو حتى عناصره ، والحقيقة أن جميع هذه التعبيرات ــ رغم عدم ترادفها ــ يراد منها بيان المسائل التي تكفل استقلالية المهنة والمناط بتشريعات تنظيمها النص عليها ، ومناط بتنظيمات المحامين العمل على حمايتها وتعزيزها ، ومناط بالمحامين مراعاته ، ومناط بسلطات الدولة والغير احترامها .

          ويمكن حشد مظاهر استقلال مهنة المحاماة ضمن محاور ستة ، هي :

1. استقلال التنظيم القانوني للمحامين وهيمنته على شؤون المحامين .

2. استقلال المحامي في علاقته بموكله .

3. استقلال المحامي في علاقته بالقضاء .

4. استقلال المحامي في علاقته بنقابته وزملائه .

5. استقلال المحامي في علاقته بالأجهزة المتصلة بنظام العدالة .

6. استقلال المحامي في علاقته بالغير .

ونعرض تالياً لكل محور مع ما يتضمنه من مظاهر فرعية موردين موقف القانون الأردني منها مشيرين إلى موقف التشريعات المقارنة العربية كلما كان لذلك مقتضى .

 1- استقلال التنظيم القانوني للمحامين وهيمنته على شؤون المحامين .

إن استقلال المحاماة يتطلب وجود تشريع منظم لمهنة المحاماة يكفل استقلال المحامين عن أية ارتباطات بأي من سلطات الدولة ويحصر مزاولة المهنة في المحامين الذين تتوفر فيهم الشروط المقررة في القانون ، كما يستوجب وجود تنظيم نقابي ( نقابة ) يتولى شؤون المهنة ويتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية ويناط به كافة الصلاحيات والمهام المتعلقة بالمحامين من حيث تنظيم المهنة وحمايتها والحفاظ على سمعتها ورعاية شؤون المحامين المعيشية في نطاق مظلة الخدمات الاجتماعية التي يتعين أن توفرها ، وتكون النقابة هي الجهة المناط بها وحدها مساءلة المحامين تأديبياً عن أية مخالفات لقوانين وأنظمة المحاماة وتخرج عن قواعد أدب وسلوك وأعراف المهنة ، واستقلال النقابة يشكل الضمانة الأساسية لاستقلال المحاماة وحتى تتمكن من أداء دورها يجب أن تكون ذات إرادة حرة يعترف القانون بها ويكفلها وأن تكون مجالسها التمثيلية منتخبة بطريقة حرة ديمقراطية دون تدخل أي جهة كانت وبأي شكل كان ، كما أن من مستلزمات استقلالية المحاماة واضطلاع النقابة بدورها في ذلك دفاع النقابة عن السلطة القضائية وحماية كرامة واستقلال القضاء . وهذه القواعد وما يتصل بها محل اتفاق في سائر تشريعات مهنة المحاماة العربية ، فالقانون الأردني قرر تأليف نقابة المحامين للقيام بتنظيم مهنة المحاماة ومنحها الشخصية الاعتبارية المستقلة مالياً وإدارياً وأوكل مهام تنظيم المهنة لمجلس النقابة المنتخب من قبل الهيئة العامة ( المواد 2و3و5 ) وحظر على غير المحامين مزاولة المهنة ( المادة 38 ) ومنح مجلس النقابة وحده الحق في مساءلة المحامين تأديبياً (المواد63-75)ونظم مهام الهيئة العامة واجتماعاتها وانتخاب مجلس النقابة (المواد 76-85) ونظم مهام المجلس وشؤونه (المواد 86-87) وقرر هيمنة المجلس على أموال النقابة واستثمارها والتصرف بها (المادة 103) .

2-استقلال المحامي في علاقته بموكله .

    إن استقلالية مهنة المحاماة من حيث علاقة المحامي بموكله تقيم على المحامي التزامات وتمنحه واجبات ،

          فمن حيث الحقوق .

· المحامي حر في قبول أو رفض الوكالة عن الغير باعتبار أن ما يربطه بموكله من علاقة يخضع لمبدأ سلطان الإرادة . لكن يقع عليه واجب عدم رفض قبول الوكالة في حالة المساعدة القضائية بالدفاع عن المحتاجين ( المادة 100/ب من القانون الأردني ) . كما أن قبول الوكالات العامة قد يكون خاضعاً لتحيد القانون كما هو الحال في الحكم المقرر في المادة 43/2 من القانون الأردني التي حظرت على المحامي أن يكون وكيلاً أو مستشاراً عاماً لأكثر من خمس شركات أو مؤسسات ولأكثر من شركتين مساهمتين من بينها وألزمته الفقرة 4 من المادة بإبلاغ النقابة بوكالاته العامة هذه .

· والمحامي حر في تحديد ومباشرة خطة دفاعه عن موكله . كما أنه مستقل في اجتهاده القانوني ولا يسأل عن استشارة أو رأي أبداه بحسن نية ( المادة 39 من القانون الأردني ) .

· وللمحامي الحق في الأتعاب المتفق عليها وفي النفقات وما تفرع عن الدعاوى المتفق على أتعابها ، وتنظم قوانين المهنة ولوائحها حدود ومقدار الأتعاب وأحكام تقديرها عند التنازع كما انها تقرر قواعد لضمان حق المحامي في الاتعاب  واستيفائها ( المواد 45 –52 من القانون الأردني ) .

· وللمحامي الحق في إنهاء وكالته واعتزالها والانسحاب من الدعوى إلا أن هذا الحق مقيد في مختلف التشريعات المنظمة لمهنة المحاماة ، فهو في التشريع الأردني مثلاً مقيد في استعماله في وقت مناسب دون إلحاق الضرر بالموكل ومقيد باستناده إلى سبب مشروع تحت طائلة المساءلة ( المادة 48 ) . ومقابل هذا الحق منح الموكل أيضاً الحق في عزل المحامي متى ما توفر السبب المشروع لذلك ( م 48/2 ) .

 أما من حيث الواجبات تجاه موكله .

· فالمحامي ملزم بالدفاع عن موكله بكل أمانة وإخلاص ومسؤول عن تجاوز حدود الوكالة أو التقصير أو الإهمال في واجباته ( المادة 55 ق نقابة المحامين  )  .

· والمحامي ملزم بعدم قبول الوكالة عن خصم موكله أو قبول وكالة خصمين في دعوى واحدة وقد قرر القانون الأردني في المادة 61 حظر التوكل ضد موكل سابق في حالة الوكالة العامة أو حالة التوكل في ذات الدعوى أو ما تفرع عنها أو حالة الجهة التي سبق له الاطلاع على مستنداتها أو دفاعها .

·  واجب المحامي في المحافظة على سر موكله المهني وكل ما توصل إلى علمه من معلومات أبداها له موكله أو عرفها بحكم علاقته به ، ويشمل التزامه هذا عدم إبداء أي وجه دفاع في الدعوى طالبه موكله بعدم البوح به إذا كان من قبيل السر المهني ويلحق بشكل أو آخر ضرراً بالموكل ، وفي ذلك قضت المادة 60/4 من قانون نقابة المحامين الأردنيين بحظر إفشاء السر حتى بعد انتهاء الوكالة ونصت المادة 51 من النظام الداخلي لنقابة المحامين الأردنيين على أن المحامي ( مقيد بسر المهنة المتعلق بأسرار الموكلين ليس لدى القضاء  فحسب بل في مختلف الظروف ) . وإذا كانت بعض التشريعات الوطنية تجيز للمحامي إفشاء السر إذا كان متصلاً بجرم فإن ذلك يتفق ووظيفته في ميدان إقامة العدل وسيادة القانون ، غير أن مسألة السر المهني تعد واحدة من أهم مظاهر استقلال المحامي يتعين على الكافة احترامها ولا يجبر المحامي من قبل أي سلطة بإفشاء أسرار موكله ، ويعد من مقاييس الاستقلالية وكفالة الدولة لها احترامها لعلاقات المحامين بموكليهم وحرصاً على التزام المحامي بالحفاظ على أسرار موكله المهنية .

· يقع على المحامي واجب الامتناع عن إبداء المشورة أو العون لخصم موكله وحتى الاتصال به في خارج ما وكله به موكله ( المادة 59 من النظام الداخلي الأردني ) .

· يلتزم المحامي بالامتناع عن الشهادة ضد موكله والامتناع عن القيام بكل ما يعرض مصالحه للخطر أو يلحق الضرر به .

· يلتزم المحامي بإعادة أوراق موكله وكل ما ائتمنه عليه من أموال ومستندات في الوقت المتعين عليه إعادتها أو تسليمها ( المادة 50 من القانون الأردني ) .

وقد قررت سائر تشريعات المهنة هذه الحقوق والواجبات كما تضمنتها لوائح آداب المهنة ونظم معظمها وأهمها إعلان المبادئ الأساسية العالمي الخاص بدور المحامين المقر من قبل مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة في كوبا 1990 ( البنود 12 – 15 من الإعلان المذكور ) .

 3-  استقلال المحامي في علاقته بالقضاء .

المحامي مستقل في ممارسته لواجبات مهنته عن القضاء ، ومقتضى الاستقلالية عدم خضوع المحامي لأي تدخل من جانب أي كان بما في ذلك القضاء ، ولا تتوقف مظاهر الاستقلالية عند هذا الحد ، لأن الترابط القائم ما بين القضاء والمحاماة من حيث وظيفتيهما في إقامة العدل استوجب التزامات متبادلة بين الطرفين ، فالمحامي في سعيه لحفظ استقلاليته يتعين عليه :

· أن يسلك تجاه القضاة مسلكاً محترماً يتفق وكرامة القاضي ومركزه وهيبته واستقلاله وأن يرتقي بأدب المخاطبة والمرافعة أمام القاضي ، وأن يتحاشى كل ما يخل بسير العدالة كل ذلك دون انتقاص بدوره في الدفاع عن موكله وحقه في الانتقاد والاعتراض المؤسس على القانون ودونما خوف أو اتخاذ أية اعتبارات شخصية تعيقه في أداء دوره . وفي ذلك تنص المادة 56 من قانون نقابة المحامين الأردنيين على أن ( على المحامي أن يسلك تجاه المحكمة مسلكاً يتفق وكرامة المحاماة وأن يتجنب كل إجراء أو قول يحول دون سير العدالة ) وتطلبت لائحة آداب وسلوك المهنة الأردنية على المحامي أن يحترم المحاكم وأن يساند القضاة في مواجهة كل إساءة يتعرضون لها . ( البند 1 من اللائحة ).

·   أن يقيم علاقته مع القضاء على أساس علاقات الزمالة والتعامل الرسمي فيتجنب التعامل الشخصي والاتصال والمناقشة على انفراد من غير داعٍ ، ويتجنب التناحر والنزاع مع القاضي ويسعى للحفاظ على العلاقة المهنية كشريكين في إقامة العدل وهو ما يستوجب الحرص لحل أي خلاف مع القاضي بشكل ودي بعيداً مع الاشتكاء إلا في الحالات التي تستلزم ذلك وبعد أخذ موافقة النقيب أو النقابة . وفي هذا الصدد أوجبت المادة 55 من النظام الداخلي لنقابة المحامين الأردنيين على المحامي أن يرفع إلى مجلس النقابة أية حالة حصل فيها مساس بكرامته من قبل القضاء لاتخاذ الإجراء المناسب كما تطلب البند 2 من لائحة آداب المهنة الأردنية الامتناع عن الاهتمام الزائد بالقاضي أو ممارسة النفوذ عليه أو مناقشته على انفراد .

   وبالمقابل فإن مبدأ استقلال المحاماة يقيم على القضاة التزامات لحماية هذا المبدأ ، ويبرز ذلك مما يلي :

·   إن استقلال المحاماة يقتضي احترام القضاء للمحامين ودورهم وإتاحة الفرصة كاملة لهم للقيام بواجبهم ، فلا يرفض القضاء مثول المحامي أمامه ، ولا يجيز القضاء للمتداعين المثول دون محامٍ في حالة تطلب القانون ذلك ، فالقانون الأردني مثلاً يحظر الحضور في مختلف الدعاوى أمام مختلف المحاكم دون محامٍ أستاذ ، ويحظر تقديم اللوائح أو الطعون من غير محامٍ أستاذ واستثنى من ذلك محاكم الصلح والتسوية والقضايا الجزائية ودعاوى تصحيح النفوس (المادة 41 ).

·   واستقلال المحاماة يستوجب أن يتيح القضاء للمحامي إبداء أقواله واعتراضاته بكل حرية وأن يحترم حق المرافعة ويمنح المحامي الرخص المقررة في القانون للتأجيل أو الاستمهال وأن يعطى الوقت الكافي للمرافعة والاستعداد لها ومناقشة الشهود وغير ذلك من أعمال مهنته .

 4- استقلال المحامي في علاقته بنقابته وزملاءه .

إن حماية استقلال المحاماة واجب على المحامين وعلى تنظيمهم النقابي ، وتعد استقلاليتهم أسمى مطالبهم ، وأكثر حاجاتهم ضرورة ، لذا كان المحامي أكثر الجهات المنوط بها حماية استقلالية المحاماة ،ويتأتى ذلك فيما يتعين أن يلتزم به تجاه زملائه من جهة وتجاه نقابته من جهة أخرى :

فبالنسبة لعلاقة المحامي بزملائه ، يقع عليه واجب الالتزام بقواعد اللياقة والاحترام والتقدير ضمن إطار علاقات الزمالة المهنية ، والامتناع عن كل ما يمس الزملاء وتحديداً الخصم في الدعوى والابتعاد عن الضغائن والتعرض للمسائل الشخصية والانتقاد والهجوم غير الموضوعي ، وأن تحكم مخاطبته زملاءه في قاعات المحاكمة آداب المرافعة ويسود التعاون من أجل تيسير إجراءات التقاضي ويقع عليه واجب الامتناع عن كل ما يعطل طلبات خصمه دون سند أو مبرر والامتناع عن التوكل عن الأشخاص الذين لهم وكلاء من المحامين أو المستشارين إلا في حدود قواعد المهنة المقررة وتقاليدها ، وعلى المحامي في علاقته بزملائه الوكلاء معه في نفس الدعوى عن ذات الشخص أن يبدي كل تعاون مع زملائه لتيسير خطة الدفاع ويقدم كل ما لديه من علم ومعرفة في إطار العمل كفريق واحد بعيداً عن التفرد والأنانية .والمحامي يقع عليه واجب عدم إفشاء ما يبوح له به زملائه وعدم استغلال ذلك في دفاعه إذا كان قد ائتمنه الخصم عليه ، كما يقع على المحامي واجب تقديم كل ما في وسعه لتدريب المحامي المسجل تحت اسمه وإشرافه ومده بالعون والمساهمة الحقيقية في إنجاز المحامي المتدرب متطلبات التدريب النظري والعملي وذلك بتهيئة المادة القانونية والدعاوى العملية لإطلاعه عليها وإشراكه بالعمل وتكليفه بالمهام المختلفة ومتابعة أخطائه وإنجازه في إطار علاقة مهنية صرفة بعيدة عن المحاباة أو التسلط ، كما يلتزم المحامي المشارك مع غيره بحفظ أسرار زملائه في ذات المكتب وعدم التوكل ضدهم أو التواطؤ معهم ضد الغير ، وبالعموم فإن مقدار احترام المحامي زميله الآخر وحرصه على استقلاله واحد من العوامل الرئيسة لحماية استقلال المحاماة وتعزيز احترامها من قبل الغير . وهذه المبادئ نصت عليها تشريعات المهنة الأردنية ، فالمادة 53/3/أ من قانون النقابة نظمت واجب المحامي تجاه زملائه المشاركين في نفس المكتب ، والمادة 57 من ذات القانون ألزمت المحامي بالتعامل بلياقة مع زملائه وأن يرفع كل خلاف مع أي من زملائه للنقابة وحظرت المادة 62 من ذات القانون إقامة المحامي الدعوى أو الشكوى ضد زميله قبل الحصول على إذن النقابة بذلك ، وحددت المادة 14 من نظام النقابة واجبات المحامي الأستاذ تجاه زميله المتدرب تحت إشرافه والمادة 52 من النظام حظرت التوكل في دعوى سبق لزميله أن توكل بها إلا بإذن الأخير الخطي وحظرت المادة 53 على المحامي الاستناد في مرافعته على الأحاديث الخصوصية التي جرت بينه وبين زميله وأوجبت المادة 57 من النظام على المحامي إخطار زميله برغبته بتأجيل الجلسة . وهذه المبادئ وما يتصل بها مقررة بوجه عام في تشريعات المحاماة العربية .

أما بالنسبة لالتزام المحامي تجاه نقابته في إطار تعزيز استقلالها وحمايته ، فإنه يقع عليه واجب تنفيذ كل ما هو مقرر في قانون النقابة وأنظمتها ولوائحها من واجبات تجاه نقابته ، فيؤدي التزاماته المالية تجاهها ( م 20 و21 من قانون نقابة المحامين الأردنيين ) ويرفع إليها أي منازعة أو شكاية ضد زميل له أو قاض لتتخذ الإجراء اللازم، ويمتـثـل لأوامر وطلبات النقابة في ميدان التأديب والمساءلة المسلكية دون إخلال بحقه في الطعن بقراراتها ، ويقوم بواجبه في انتخاب مجلس النقابة والمشاركة في هيئاتها العامة ، وتنفيذ ما يكلفه به النقيب من أعمال مهنية مجانية كإلقاء المحاضرات وتقديم الاستشارات للمتدربين وإعداد الدروس والمحاضرات لهم وتنظيم أعمال المؤتمرات وإعداد المقالات والدراسات لغايات النشر في الصحافة الحقوقية ومساعدة النقابة في أعمالها والدفاع عن المحتاجين في إطار المساعدة القضائية ( المادة 100 من قانون النقابة الأردني ) وبالعموم فإن المحامي في إطار فهمه لأهمية استقلالية مهنة المحاماة وإدراكه أن إسناد النقابة واحترام أنظمتها وقراراتها واحد من أهم عناصر كفالة وتعزيز استقلال المهنة يتعين عليه أن يساهم في كل ما من شأنه تعزيز مكانة النقابة وهيبتها واحترام دورها ليقطع الطريق على استغلال المتربصين بالمهنة واستقلاليتها لكل مظهر من مظاهر إهدار المحامين لمكانة وهيبة نقابتهم المناط بها حماية استقلاليتهم .

 5- استقلال المحامي في علاقته بالأجهزة المتصلة بنظام العدالة .

كما قدمنا في صدر هذه الدراسة ، فإن استقلال المحاماة يقوم ويتعزز في دولة القانون التي يسود فيها احترام حقوق الإنسان ، لأن سيادة حقوق الإنسان يعني احترام أجهزة الضبط العدلية لحقوق المتهم المفترضة براءته إلى حين إدانته بقرار قضائي في محاكمة عادلة أتيح له فيها حق الدفاع بكل ضماناته ، ومثل هذا الاحترام ينسحب على احترام واجب المحامي في الدفاع وحقه في القيام بكل ما يقع في هذا الإطار، وبالتالي تتعزز مظاهر استقلال المحاماة واحترام دور المحامي كلما تعزز في الدولة وتعزز في قواعد النظام القانوني للدولة حماية حقوق الإنسان ، فاحترام الحقوق يستوجب احترام حماة هذه الحقوق .

واستقلال المحامي في علاقته بالأجهزة العاملة في ميدان العدالة – طبعاً إلى جانب القضاء الذي خصصنا له البند 3 أعلاه – يقتضي أن تحترم سائر الدوائر والسلطات التي يمارس مهنته أمامها حرية المحامي ومكانته والتعاون معه وإتاحة كل فرصة له للقيام بواجبات الدفاع عن موكله ، وتقتضي أن لا يتعرض المحامي للملاحقة أو القبض عليه جراء ما يجريه من أعمال في خدمة موكله ، ويتعين أن ينال الرعاية والاحترام الكافيين أمام دوائر الشرطة والنيابة وجهات التحقيق ، وأن تحترم سرية أوراقه وملفاته وأن لا يتعرض مكتبه للتفتيش والمداهمة وأن لا يتعرض شخصه للتفتيش  ( المادة 40 من قانون النقابة الأردني ) .

أن استقلال المحاماة لا يتفق وتقييد حرية المحامي في إبداء دفاعه وطرح كل ما يجده خادماً لمصلحة موكله  لذا تحرص النظم القانونية على إقرار سبب تبرير أو سبب إعفاء من المسؤولية عن أية أقوال يبديها المحامي في دفاعه عن موكله ( م 39 من قانون نقابة المحامين الأردني ) .

وفي إطار حماية استقلالية المحامي فإنه يحظر على جهات التحقيق والضبط العدلي توقيف المحامي أو التحقيق معه كأصل عام إلا بعد إعلام النقابة التي ينتسب إليها وحضور مندوب النقابة للدفاع عنه . ( المادة م40/4 و5 ) من القانون الأردني .

كما يقع على عاتق المحاكم إخطار النقابة بكل حكم جزائي يصدر بحق محام وإرسال نسخة عنه للنقابة وذلك في إطار دور النقابة في المساءلة التأديبية للمحامي . ( المادة 73 من قانون النقابة الأردني ) .

وتقتضي استقلالية مهنة المحاماة أن يحصل المحامي من الجهات المختصة على التسهيلات اللازمة والامتيازات الضرورية للقيام بمسؤولياته المهنية كالحماية الكاملة للطابع السري في علاقته بموكله وحقه في اللقاء المنفرد مع موكله الموقوف وحرية المحامي في الانتقال والسفر إلى أية جهة لخدمة قضية موكله وتعاون مختلف دوائر الدولة معه تحديداً في استفساراته حول قضيته وظروفها ومسائلها وفي تزويده بالبينات التي تتوفر لدى هذه الجهات وفق الأصول المقررة في القانون .

 6- استقلالية المحامي في علاقته بالغير .

إن المحامي وفق مبدأ استقلال مهنة المحامي لا يجوز أن يتعرض لأي تهديد أو تدخل في شؤون مهنته من أي جهة كانت أو من أي شخص كان ، وفي هذا الإطار فإن المحامي يتعين أن لا يتعرض للتهديد أو الإيذاء أو الضغط جراء مواقفه التي أبداها سيما وأن المحامي معرض للدفاع عمن لا يرتضي الرأي العام مسلكه أو لا ترتضي السلطات موقفه ، ومن بين الضمانات التي تحقق ذلك تغليط العقوبات على كل فعل جرمي يستهدف المحامي جراء قيامه بمهام مهنته، وفي هذا الصدد فإن المادة 40/6 من قانون نقابة المحامين الأردني قررت معاقبة كل من يعتدي على محامٍ أثناء تأدية أعمال مهنته أو بسبب تأديتها بالعقوبة المقررة على من يعتدي على قاضٍ أثناء تأديته وظيفته أو بسبب تأديته لها .

4.    معيقات استقلال المحاماة  .

الوعاء الذي يتسع ليضم معيقات استقلال المحاماة هو انتهاك حقوق الإنسان وتغييب الديمقراطية وحكم القانون  فالتربة الخصبة لسيادة القانون وضمان استقلال ركني العدالة القضاء والمحاماة هو حماية حقوق الإنسان والديمقراطية ، وسيادتهما سيادة لدعائم العدالة ، ويمكن تحديد أبرز معيقات استقلال المحاماة في الوطن العربي عموماً وفي الأردن على وجه الخصوص بما يلي :

 1. إنشاء وتعميم المحاكم الخاصة وعسكرة القضاء .

إن نظام العدالة الطبيعي هو الذي يوفر للمتقاضين المثول أمام قاضيهم الطبيعي ، وقاضيهم الطبيعي هو القاضي النظامي الذي يستقل بعمله عن أي تأثير ولا يخضع في قضائه لغير ضميره والقانون ، وهذا هو القاضي المنتسب للسلطة القضائية المستقلة التي حمى استقلالها قواعد الدستور وتشريعات استقلال القضاء ، وأمام القاضي الطبيعي يمثل المدافع الطبيعي وهو المحامي المسلح بقواعد الإجراء التي تقيد القاضي وتقيد المحامي ، ويتسلح كلاهما – القاضي والمحامي ــ بالحس المشترك في ضرورة إسناد كل منهما للآخر للحفاظ على استقلاليتهما ، ومن هنا كان الاتجاه نحو إنشاء وتوسيع القضاء الاستثنائي بوجه عام والقضاء العسكري بوجه خاص متعارضاً مع الضمانات المشار إليها لحيدة واستقلال القضاء واستقلال المحاماة ونجاعة نظام العدالة . فالقضاء الاستثنائي يرتبط ويتأثر ــ إن لم يكن مباشرة فبشكل غير مباشر ــ بالسلطة التنفيذية التي تجد فيه مدخلاً لتسهيل إنفاذ سياستها في معالجة الدعاوى والموضوعات التي يختص بها  هذا الارتباط يخلق واقعاً من التأثير والضغط يبدد استقلال القاضي الذي هو ضمانة العدالة الأولى ، وممارسة المهنة أمام مثل هذا القضاء تتحول إما إلى أداء شكلي للدور المنوط بالمحامي أو مساجلات في غير صالح الموكل ، وهو ما يحول المحاماة من رسالة الدفاع عن المتهم إلى الدفاع عن ذات المحامي أمام تهميش دوره وإهدار كرامته في أحيان كثيرة أو الدفاع عن الامتيازات الذاتية فيما نشأ جراء امتداد تأثير السلطة إلى المحامي العامل أما هذا القضاء ، وفي الحالتين يهدر استقلال المحامي في غير صالح نظام العدالة برمته .

إن عسكرة القضاء واستثنائيته إلى جانب عدم دستوريته واتجاهه عكس تيار إنماء حقوق الإنسان والديمقراطية واحد من المعيقات الرئيسة أمام سيادة أحد دعائم مبادئ العدالة، إنه معيق حقيقي أمام استقلال مهنة المحاماة .

 2. تضييق الحق في الاستعانة بمحامٍ .

إن حق المتهم في الاستعانة بالمحامي في كل وقت وأمام أية جهة تحقيق أو محاكمة واحد من أهم ضمانات تعزيز العدالة وكفالة استقلال المحاماة ، وتنزع التشريعات العربية عموماً إلى تقييد الحق في الاستعانة بمحامٍ  فقانون الأصول الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961 على سبيل المثال يحصر الحق في الاستعانة بمحامٍ أمام النيابة ولا يجيز ذلك أمام جهات الضبط العدلية ، كما أن هذا الحق مقيد بطلب المتهم ووجود المحامي دون التزام من النيابة بتعيين محامٍ عن المتهم ، وحضور المحامي أمام النيابة مقيد أيضاً ، فهو محظور بالنسبة لسماع الشهود كما أن الكلام أمام المحقق منوط بإذن الأخير ، ومنع المحقق المحامي من الكلام لا أثر له غير إثبات الواقعة في المحضر ، كما أن المدعي العام يملك منع المحامي من الاتصال بموكله ( المواد 63 ــ 66 ) .

إن تضييق الحق في الاستعانة بمحامٍ في الدعاوى الجزائية من شأنه المساس باستقلالية المحاماة لما يسود بسبب ذلك من إيمان بهيمنة النيابة على التحقيق في مواجهة المحامي ، وفي ذلك مساس بمكانة المحاماة وثقة الجمهور بها إلى جانب حرمان المتهم من المدافع عن حقه في احترام قرينة البراءة التي يحظى بها .

 3. التدخل المباشر وغير المباشر في النقابات ودورها .

إن تدخل السلطة التنفيذية في النقابات المنظمة لشؤون المهنة واحد من أخطر معيقات وعوامل إهدار استقلال مهنة المحاماة ، وإذا كان التدخل بالحل أو تعيين اللجان المؤقتةــ كما  هو الحال فيما شهدته الساحة العربية في أكثر من قطر كالسودان ومصر وليبيا ــ مما يعد انتهاكاً سافراً لا لمبدأ استقلال المحاماة فحسب بل للحقوق المكفولة دستورياً ــ فإن التدخل غير المباشر ليس أقل خطراً ، ويتخذ التدخل صوراً شتى أقربها استخدام السلطة نفوذها ومؤيديها للسيطرة على النقابة وتمرير مخططاتها في تهميش دورها ، أو التدخل في التعليم القانوني لجهة توجيهه وتحديد منتسبيه بما يخلق واقعاً جديداً في النقابة عند انتساب هؤلاء لعضويتها ، وقد يتخذ التدخل بعداً تشريعياً من خلال استثمار السلطة التنفيذية دورها التشريعي أو تأثيرها على السلطة التشريعية وهيمنتها على قرارها من خلال تمرير تشريعات تحجم دور النقابة في تعزيز استقلالية المحاماة تحت شعارات متعددة كشعار مهننة المهنة وإبعاد النقابات عن العمل العام والتدخل في الشؤون السياسية .

إلى جانب هذه المعيقات الثلاث المتقدمة ، فإن إهدار أي من مظاهر استقلال المحاماة السابق عرضها يحقق قيام عائق أمام استقلال المحاماة ، فانتهاك مكاتب المحامين أو سرية علاقاتهم بموكليهم أو إضعاف مؤسسة المساعدة القضائية للمحتاجين أو ضعف التأهيل والكفاءة للمحامين أو الإستقواء على القضاء والتدخل في شؤونه أو غير ذلك من المساس بضمانات ومظاهر الاستقلالية من شأنه أن يقيم عوائق حقيقية أمام استقلالية المهنة وأدائها لرسالتها المقدسة .

 الخلاصة

      إن حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية تقتضي حصول جميع الأشخاص على خدمات قانونية يقدمها مهنيون قانونيين مستقلون يتمتعون بالكفاءة والجدارة والقدرة على أداء واجبات الدفاع ويتحلون بالنزاهة والحيدة والالتزام الخلقي في عملهم ، والمحاماة القادرة على المشاركة في إدارة نظام العدالة وإعلاء صرح الحق هي المحاماة المستقلة المرتبطة بالقضاء المستقل في دولة تحترم وتكفل حقوق الإنسان ، وهي المحاماة التي تتولى شؤونها نقابات المحامين التي تتمتع بالاستقلال في إدارة وتولي شؤون المهنة والحفاظ على كرامتها وكفاءة منتسبيها ومساءلة المخل منهم بواجباته المهنية والأخلاقية ، واستقلال المحاماة منوط بكفالة حق كل شخص في الوصول إلى خدمة المحامي والاستعانة به والتمتع بمساعدته عند عدم توفر القدرة المادية على توكيله ، واستقلالية المهنة المقدسة منوط بالمحامين في سعيهم للحفاظ على استقلاليتهم وهيبة نقابتهم وفي فرض احترام الغير للمهنة سواء الأشخاص أو السلطات أو القضاء أو الأجهزة والجهات التي يباشرون عملهم أمامها ، والاستقلالية وحمايتها واجب على التنظيم الممثل للمحامين المناط به تدعيم مكانة المهنة والارتقاء بكفاءة ومعارف منتسبيها والحفاظ على كرامتهم ، وحماية واحترام استقلالية المحاماة أخيراً واجب على الدولة وسلطاتها الثلاث من خلال توفير الأجواء للمحامين في أدائهم لوظيفتهم المهنية دون عائق أو تدخل وعدم تعريضهم للاعتداء أو الملاحقة أو المضايقة جراء ما يجرونه من مهام الدفاع عن موكليهم ، وتوفير ضمانات حمايتهم من كل اعتداء واحترام علاقتهم بموكليهم وسرية مكاتبهم وأوراقهم وأعمالهم واتصالاتهم .

 

 

المحاماة أجل مهنة في العالم
لحضرة الأستاذ راغب حنا المحامي

المصدر : مجلة المحاماة - مصر سنة 1952

تقدير المحاماة:
عنوان هذا المقال مأخوذ عن كلمة خالدة لفولتير قال فيها: (كنت أتمنى أن أكون محاميًا، لأن المحاماة أجل مهنة في العالم).
وفي الحق أنه ليس بين المهن ما يسمو على المحاماة شرفًا وجلالاً، ولا ما يدانيها روعة وتضحية ومجدًا، ذلك أن رسالتها هي تحقيق العدالة بالوقوف إلى جانب المظلوم والأخذ بناصر الضعيف، والدفاع عن شرف الأفراد وحياتهم وحرياتهم وأموالهم، والمحامي يقوم بإسداء النصيحة للكبير، كما أنه القيم الطبيعي على الصغير، يلجأ إليه الأغنياء والفقراء على السواء، ومن عملائه الأمراء والعظماء، يضحى بوقته وصحته وأحيانًا بحياته في الدفاع عن متهم بريء أو ضعيف مهضوم الحق.
ومن أبلغ ما قيل في وصف المحاماة وتقديرها ما قاله دوجيسو رئيس مجلس القضاء الأعلى بفرنسا في عهد لويس الخامس عشر:
(المحاماة عريقة كالقضاء - مجيدة كالفضيلة - ضرورية كالعدالة - هي المهنة التي يندمج فيها السعي إلى الثروة مع أداء الواجب - حيث الجدارة والجاه لا ينفصلان - المحامي يكرس حياته لخدمة الجمهور دون أن يكون عبدًا له - ومهنة المحاماة تجعل المرء نبيلاً بغير ولادة، غنيًا بلا مال رفيعًا من غير حاجة إلى لقب، سعيدًا بغير ثروة) .
وفي تقدير عمل المحامي قال المغفور له الأستاذ عبد العزيز فهمي رئيس محكمة النقض عند افتتاح أولى جلساتها في سنة 1931 (إذا وازنت بين عمل القاضي وعمل المحامي لوجدت أن عمل المحامي أدق وأخطر: لأن مهمة القاضي هي الوزن والترجيح، أما مهمة المحامي فهي الخلق والإبداع والتكوين).
هذه شهادة قاضي القضاة في مصر، وتلك شهادة كبير القضاة في فرنسا، وكلاهما من الشهود العدول الذين لا سبيل إلى اتهامهم بالتحيز للمحاماة أو محاباة المحامين...
المحامي كما يجب أن يكون:
يخطئ من يظن أن مؤهلات المحامي هي فقط الحصول على إجازة الليسانس أو الدكتوراة في القوانين، كما يخطئ من يعتقد أن صناعة المحامي هي مجرد الكلام أو أن دراساته قاصرة على كتب القانون، إذ المحامي النابه يجب أن تستمر دراساته يوميًا طوال حياته، وتتناول - إلى جانب كتب القانون والموسوعات العلمية والقضائية - كتب الأدب والتاريخ والفلسفة والمنطق والاجتماع والاقتصاد وعلم النفس.
بل إن عمل المحامي يحتاج إلى ثقافة متنوعة متجددة واطلاع شامل دائم على مختلف العلوم والفنون، حتى يستطيع الاضطلاع بمهمة الدفاع في القضايا المختلفة التي يوكل إليه أمرها من مدنية وتجارية وجنائية وعسكرية وسياسية وإدارية وتأديبية وضرائبية، وما لم يكن المحامي مطلعًا على شتى العلوم والفنون ومختلف القوانين والقرارات وكتب الشراح وأحدث الأحكام، في كل فرع من تلك الفروع، فإنه يجد نفسه عاجزًا عن القيام بواجبه فيما يعرض له يوميًا من مشكلات وما قد يواجهه أمام المحاكم من مناقشة الفنيين من الخبراء والتعليق على آرائهم.
المحاماة أشق مهنة في العالم:
كما أن المحاماة أجل مهنة في العالم فإنها أيضًا أشق مهنة في العالم، فهي تفرض على المحامي أن يكرس لها كل وقته ومجهوده، وهي لا تدع له وقتًا للراحة أو الرياضة، يبدأ المحامي دائمًا عمله مبكرًا ويقضي ساعات الصباح عادةً في أداء واجبه أمام مختلف المحاكم متنقلاً بين دار القضاء العالي والمحكمة الكلية والمحاكم الجزئية ومحكمة القضاء الإداري - فضلاً عن المحاكم والمجالس العسكرية والشرعية والملية وغيرها - هذا إذا كان محاميًا بالقاهرة، أما إذا كان محاميًا بإحدى المحافظات أو المديريات أو المراكز فإن عمله يكون أشق إذ يقتضيه السفر بالقطارات والتنقل بالسيارات بين مقر المحكمة الكلية التي يعمل في دائرتها، ومقر محكمة الاستئناف التي تستأنف الأحكام أمامها والمراكز التي تقع فيها المحاكم الجزئية التابعة لها.
فإذا عاد المحامي بعد الظهر إلى منزله مكدودًا محطم الأعصاب لا يكاد يجد وقتًا لتناول الطعام أو للراحة، إذ يتعين عليه أن يعود إلى مكتبه لاستقبال عملائه - حيث يقضي شطرًا من الليل في تفهم ما يعرض عليه من مشكلات، والإفتاء فيما يستشار فيه من منازعات، وتدوين ملاحظاته عما يعهد به إليه من قضايا، حتى إذا ما انتهى من هذا العمل المضني بين إزعاج التليفون ومضايقات بعض العملاء ومساوماتهم - ولم يستدعِ لحضور تحقيق أو مجلس صلح أو تحكيم - كان عليه أن يبدأ دراسة قضايا اليوم التالي وإعداد دفاعه فيها مستعينًا بالمراجع القانونية، كما أن عليه تحرير المذكرات في القضايا التي حجزت للحكم والقضايا التي لا زالت في التحضير، وهو مضطر لتحريرها ومراجعتها لتقديمها في المواعيد المحددة لها وإلا تعرض للمسؤولية في حالة التأخير عن تقديم مذكرة في قضية محجوزة للحكم، وعرض موكله للحكم عليه بغرامة في حالة التأخير عن تقديم مذكرة في قضية معروضة على قاضي التحضير، والموكل لا يرحم والقاضي لا يعذر، والمحامي فوق هذا وذاك مسؤول أمام ضميره عن أداء واجبه على الوجه الأكمل، ولهذا فهو يقضي الليل ساهرًا باحثًا منقبًا، حتى إذا ما أتم عمله وأرضى ضميره آوى إلى فراشه ليقضي ما بقي من الليل مسهدًا يستعرض أعمال اليوم ويفكر في مشكلات الغد....
هذا موجز للعمل اليومي للمحامي، ومنه يتضح أن المحامي كالشمعة يحترق ليضيء للآخرين، ومع ذلك فكثيرًا ما تقابل مجهوداته وتضحياته الغالية بالجحود ونكران الجميل من جانب الموكلين الذين ما أن يكسبوا قضاياهم حتى يتنكروا لمحاميهم، رغبةً في إهدار حقوقه بعد أن حصل لهم على حقوقهم المهضومة !!
ولذلك كانت المحاماة من أشق المهن وأكثرها إرهاقًا للعقل والجسم والأعصاب، حقًا إن المحامي ينعم بشيء من الاستقلال والحرية وقد يصيب بعض الجاه، وهو ما يحسده عليه الكثيرون ناسين أن ذلك يكون دائمًا على حساب راحته وصحته وأعصابه، وأحيانًا يدفع المحامي ثمنًا لتلك الحرية وذلك الجاه حياته نفسها، وما أغلاه من ثمن !!
ومن أبلغ ما قيل في وصف حياة المحامي ومتاعبه ما قاله العلامة جارسونيه:
(إن المحامي يترافع في يوم واحد أمام محاكم متعددة في دعاوى مختلفة، ومنزله ليس مكانًا لراحته ولا بعاصم له من مضايقة عملائه، إذ يقصده كل من يريد أن يتخفف من أعباء مشاكله وهمومه، ولا يكاد ينتهي من مرافعة طويلة إلا ليعالج مذكرات أطول، فعمله معالجة مختلف المشاكل وتخفيف متاعب الآخرين، وأستطيع القول إنه بين مواطنيه يمثل الرجال الأولين الذين قاموا بتبليغ الرسالة الإلهية) .
محامون يتولون زعامة الشعوب ورئاسة الدول:
لما كانت دراسات المحامين وأعمالهم تتناول شتى نواحي الحياة، وصناعتهم تقتضي التمكن من الخطابة والبلاغة، إلى جانب إلمامهم بنفسية الجماهير ودراستهم لدساتير الأمم والقوانين الدولية والإدارية والمالية، كان من الطبيعي أن يبرز من بين المحامين من تولوا زعامة الأمم وقيادة الشعوب ورئاسة الدول والحكومات والبرلمانات، ومن اختيروا لأرفع مناصب القضاء.
ويكفي في هذه العجالة أن نشير إلى أن غاندي زعيم الهند كان محاميًا، كما أن مصطفى كامل وسعد زغلول زعيمي مصر الخالدين كانا محاميين.
وقد تولى رئاسة جمهورية فرنسا كثيرون من المحامين ونقباء المحامين نذكر منهم: جول جريفى ولوبيه وفالليير وبوانكاريه وميلليران، كما تولى رئاسة الوزارة في فرنسا في أحرج أوقات الحرب محامون - منهم ألكسندر ريبو ورينيه فيفانى وارستيد بريان وغيرهم...
أما في مصر فقد تولى رئاسة الوزارة في العصر الحديث من المحامين: سعد زغلول ومصطفى النحاس وحسن صبري وأحمد ماهر وإبراهيم عبد الهادي ونجيب الهلالي، كما تولى رئاسة مجلس الشيوخ ورئاسة مجلس النواب من المحامين: محمود بسيوني ومحمد محمود خليل ومحمد حسين هيكل وويصا واصف وعبد السلام فهمي جمعة وحامد جودة.
وأما من تولى منصب الوزارة من رجال المحاماة فأكثر من أن يحيط بهم الحصر، ويكفي أن نذكر أن غالبية الوزراء في العهود الأخيرة كانوا دائمًا من المحامين.
وقد قدمت المحاماة للقضاء أفذاذًا شرفوا القضاء كما شرفت بهم المحاماة، نذكر منهم الزعيم الخالد سعد زغلول ونقيب المحامين عبد العزيز فهمي والفقيه الكبير حامد فهمي وكثيرين غيرهم ممن شغلوا ولا زالوا يشغلون بكل جدارة أرفع مناصب القضاء.
الوزراء والمستشارون والقضاة يشتغلون بالمحاماة:
ولا يفوتنا أن نسجل في هذه المناسبة أن عددًا كبيرًا من الوزراء والمستشارين والقضاة - الذين استقالوا أو أحيلوا إلى المعاش لبلوغهم السن القانوني ومنهم رؤساء ووكلاء محكمة النقض ومحاكم الاستئناف - اشتغلوا بالمحاماة، حتى لقد كاد يصبح تقليدًا أن كل وزير من رجال القانون أو مستشار أو قاضٍ يتقاعد، يبادر فور تقاعده إلى الاشتغال بالمحاماة، ففي ميدانها الحر الفسيح متسع للجميع...
حوادث بين القضاة والمحامين:
ولقد كان هذا التبادل بين رجال القضاء ورجال المحاماة، وذلك التقدير الكريم من القضاء لمهنة المحاماة، مدعاة للاحترام المتبادل والود والوئام والتعاون بين الفريقين، ولكن لسوء الحظ كثيرًا ما يقع من الحوادث بين القضاة والمحامين ما يعكر صفو العلاقات بين القضاء الجالس والقضاء الواقف، ونحن لا نلوم فريقًا دون فريق، ولكننا نرجع الحوادث إلى أسبابها للعمل من الجانبين على تلافيها واستمرار التعاون والاحترام المتبادل بينهما لتحقيق رسالتهما المشتركة في خدمة العدالة.
ولعل أهم أسباب هذا الخلاف ما أشار إليه حضرة المستشار الكبير محمد مختار عبد الله في محاضرته (المحاماة في نظر القاضي) حيث قال:
(إن جميع أسباب الاحتكاك بين القضاء والمحاماة منشؤها في الغالب رول طويل مربك يبغي القاضي أن ينجزه من جهة، ومن جهة أخرى رغبة حارة من جانب المحامي في إرضاء ضميره بعرض كل ما لديه من وقائع وأسانيد، ولا يمكن التوفيق بين الطرفين إلا إذا قدر كل منهما وجهة نظر الآخر، وكان في أداء واجبه مخلصًا في مساعدة الطرف الآخر أيضًا على أداء واجبه، وقد يكون حماس المحامي باعثًا له على أن يبالغ في الاهتمام بمسائل يرى القاضي المثقل بالرول الطويل أن الوقت لا يتسع للإنصات إليها، كما قد يبالغ القاضي في الرغبة في الإنجاز بحيث يحرج المحامي أمام ضميره وأمام موكليه، وهذه الصعوبة نشعر أنها في ازدياد كل يوم، فالإحصائيات القضائية تدل على اضطراد الزيادة في عدد القضايا وبعد أن كانت المائة هي العدد الذي لا يحلم بوصول رول القاضي الجزئي إليه أصبح مشحونًا أحيانًا بعدة مئات، وإذن لا مفر من التعاون الفعلي بين القضاء والمحاماة ليرضي كل ضميره .
حصانة المحامي في الجلسة:
ولقد كان تعدد حوادث الاحتكاك بين القضاة والمحامين حافزًا للمشرع على أن يتدخل فيضع من التشريعات ما يحمي المحاماة أثناء وجوده بالجلسة للقيام بواجبه، ويحيطه بحصانة يمتنع معها على القاضي أن يحاكمه أو يحكم عليه إذا وقع منه أثناء انعقاد الجلسة ما يعده القاضي اعتداءً عليه أو إخلالاً بنظام الجلسة، إذ يقتصر حق القاضي في مثل هذه الحالة على تحرير محضر بما حدث، مع جواز إحالة المحامي إلى قاضي التحقيق لإجراء التحقيق إذا كان ما وقع منه يستوجب مؤاخذته جنائيًا وإلى رئيس المحكمة إذا كان ما وقع منه يستوجب مؤاخذته تأديبيًا، وفي الحالين لا يجوز أن يكون رئيس الجلسة التي وقع فيها الحادث أو أحد أعضائها عضوًا في الهيئة التي تنظر الدعوى الجنائية أو التأديبية إذا أقيمت.
وقد استحدثت هذه الحصانة في مصر بقانون المحاماة رقم (98) لسنة 1944 ثم نص عليها
قانون المرافعات الجديد في المادة (130)، كما نص عليها قانون الإجراءات الجنائية في المادة (245)، لكي يتسنى للمحامي أن يقوم بواجبه المقدس في الدفاع عن موكليه بكل حرية واطمئنان على الوجه الذي يرضي ضميره، ولكي لا يكون القاضي - الذي يعتقد أن المحامي اعتدى عليه أو أخل بنظام الجلسة - خصمًا وحكمًا في آنٍ واحد، ولكي لا يقضي في دعوى هو أحد طرفيها تحت تأثير غضب أو ضيق صدر بسبب (الرول الطويل المربك الذي عليه أن ينجزه)، كما يقول حضرة المستشار محمد مختار عبد الله...
ولعل هذه الحصانة - مع النصائح الغالية التي أشار على الفريقين باتباعها حضرة المستشار محمد مختار عبد الله - كفيلة بعدم تكرار حوادث الاحتكاك بين القضاة والمحامين ليتعاون الجميع في ود دائم واحترام متبادل على أداء رسالتهما المشتركة في خدمة العدالة.

(2)

بيان:
تكلمنا في العدد الماضي عن تقدير القضاء لمهنة المحاماة، واستخلصنا منه صحة كلمة فولتير (إن المحاماة أجل مهنة في العالم)، ثم تناولنا الكلام على عمل المحامي وحياته اليومية، وأثبتنا أن المحاماة - كما أنها أجل مهنة في العالم - هي أيضًا أشق مهنة في العالم، وتكلمنا عن المحامي كما يجب أن يكون، وأشرنا إلى ثقافته وتنوع دراساته، وأوردنا بيانًا موجزًا عن المحامين الذين تولوا رئاسة الدول والحكومات والبرلمانات وزعامة الشعوب، والذين تولوا أرفع مناصب القضاء، والوزراء والمستشارين والقضاة الذين تركوا مناصبهم للاشتغال بالمحاماة، وأخيرًا تكلمنا عن متاعب المهنة وأخصها الحوادث التي تقع بين القضاة والمحامين وأسبابها وعلاجها، وانتهينا إلى الكلام عن حصانة المحامي في الجلسة والقوانين التي نظمتها
وفي عدد سابق تكلمنا عن مقابل أتعاب المحاماة الذي يقضي به على الخصم الذي خسر الدعوى، وما جرى به العرف من الحكم بمبالغ تافهة لا تعوض صاحب الحق عما أنفقه في سبيل الوصول إلى حقه، وأوردنا حكم القانون وآراء الشراح وأحكام القضاء التي توجب كلها الحكم لصاحب الحق بقدر من أتعاب المحاماة يوازي ما دفعه فعلاً، أو ما كان يجب أن يدفعه، إلى محاميه الذي عهد إليه في استرداد حقه المغصوب أو دفع دعوى خصمه المبطلة .
ونختم هذه السلسلة بالكلام عن واجب المحامي، ثم عن المحامين تحت التمرين.
واجب المحامي:
إن واجب المحامي هو الدفاع عن المظلوم، ولكن هل كل المتهمين مظلومون ؟ وماذا يفعل المحامي إذا وكل عن متهم معترف ؟ بل ماذا يفعل إذا وكل عن متهم منكر اعترف له بارتكاب الجريمة ؟
هذه أسئلة لا تجد ردًا عليها في الكتب، ولكننا نعرف الرد عليهم من تقاليد المحاماة الشريفة العريقة، حقًا إنه ليس كل المتهمين مظلومين، ولكن قل إن تجد منهما غير جدير بالرحمة والعطف، فكثيرًا ما نصادف متهمين مثقفين من عليه القوم دفعتهم الظروف دفعًا إلى ارتكاب جريمة في ثورة غضب، أو دفعًا لإهانة، وجلَّ من لا يخطئ.....
وهناك متهمون ارتكبوا جرائم دون أن يكونوا مسؤولين عنها لسبب من أسباب الإباحة وموانع العقاب: كمن يرتكب جريمة بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة (مادة 60 عقوبات)، ومن يرتكب جريمة دفاعًا عن النفس أو المال (مادة 61 عقوبات) أو من يرتكب جريمة وهو فاقد الشعور أو الاختيار في عمله، إما لجنون أو عاهة في العقل، وإما لغيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدرة إذا أخذها قهرًا عنه أو على غير علم منه بها، (مادة 62 عقوبات) أو الموظف الذي يرتكب الفعل تنفيذًا لأمر صادر إليه من رئيس تجب عليه إطاعته أو اعتقد أنها واجبة عليه، أو يرتكب الفعل بحسن نية تنفيذًا لما أمرت به القوانين أو ما أعتقد أن إجراءه من اختصاصه (مادة 63 عقوبات).
وهناك متهمون غير مسؤولين مسؤولية كاملة عن الأفعال التي ارتكبوها لمرض عقلي أو نفسي أو عصبي - كالعته والشيزوفرانيا والحالات السيكرباتية....
في هذه الحالات يجب على المحامي أن يبرز ويثبت للمحكمة ظروف الحادث، وسبب الإباحة أو موانع العقاب إن وجدت، وحالة المتهم وقت ارتكاب الجريمة من الوجهة العقلية والنفسية والعصبية، مستعينًا بتاريخ المتهم وأثر الوراثة وتقارير الأطباء الأخصائيين، مع بيان الظروف المخففة.
ولكن ما العمل إذا كان المتهم قد أنكر ارتكاب الجريمة وباح لمحاميه بارتكابها ؟
لا شك أن في هذه الحالة تعارضًا بين ضمير المحامي وواجبه إذ هو لا يستطيع إفشاء سر المهنة، كما أن ضميره لا يطاوعه على طلب البراءة.
ومن حسن الحظ إن هذه الحالة نادرة الوقوع، حيث لا يبوح المتهم عادةً لمحاميه بارتكاب الجريمة إذا كان قد أنكر ارتكابها أمام المحققين، حيث لا يجد فائدة تعود عليه من الاعتراف للمحامي.
فإذا حدث ذلك فإنه يجب على المحامي أن يتنحى عن الدفاع في القضية - إرضاءً لضميره ومحافظةً على مصلحة موكله - وفي هذه الحالة يوكل المتهم محاميًا آخر لن يبيح إليه في هذه المرة بسره، فيتولى المحامي الجديد الدفاع عنه مرتاح الضمير لطلب البراءة.
وهذه إحدى التضحيات التي تحتمها على المحامي تقاليد مهنته الشريفة...
المحامون تحت التمرين:
إن مدة السنتين التي يقضيها المحامي تحت التمرين هي إحدى الصعوبات التي تواجه خريجي الحقوق، بل هي الصدمة الأولى التي تجابهم، إذ يرون زملاءهم من خريجي المعاهد الأخرى يباشرون عملهم فور تخرجهم، ويتقاضون مرتبات محترمة تتناسب مع مؤهلاتهم، بينما يضطرون هم - دون سواهم - إلى قضاء هذه الفترة يقومون بأعمالهم أمام المحاكم وفي المكاتب دون أن يتقاضوا أجرًا مناسبًا، أو دون أن يتقاضوا أجرًا أصلاً...
والذنب في ذلك ليس ذنبهم، بل ذنب النظام السخيف الذي يفرض عليهم قضاء أربع سنوات كاملة في كلية الحقوق يحشون أدمغتهم بدراسات نظرية وتفصيلات دقيقة وفروض قد لا تتحقق أبدًا ويندر أن تصادفهم في العمل أصلاً دون أن يتمرنوا على تحرير عرائض الدعوى والمذكرات، أو يشهدوا جلسات المحاكم وما يدور فيها من مرافعات، أو يطلعوا على الأحكام والتحقيقات، أو يلموا بمختلف إجراءات التقاضي أمام المحاكم، وتحرير العقود وشهرها بمكاتب التوثيق والشهر العقاري !!!
ولا ندري لماذا لا تختزل بعض الدراسات النظرية، والتفصيلات التي لا طائل تحتها، وتخصص السنان الأخيرتان - إلى جانب الدراسة النظرية - للتمرين عمليًا على تحرير عرائض الدعاوى والمذكرات وإجراءات التحقيق وشهود جلسات المحاكم وزيارة أقلام الكتاب والمحضرين ومكاتب التوثيق والشهر العقاري تحت إشراف أساتذتهم، كما هو الحال في الكليات العملية مثل كليات الطب التي يقضي طلبتها العامين الأخيرين في المران بالمستشفيات - وكليات الهندسة التي يتمرن طلبتها في المصانع - ومدارس المعلمين التي يقوم طلبة السنة النهائية ليس فقط بزيارة المدارس بل بإلقاء الدروس على التلاميذ !!!
هذا هو الحل العملي الوحيد لمشكلة المحامين تحت التمرين، ففيه حفظ لكرامتهم وتجنيبهم صعابًا لا يجوز أن يتعرض لها أمثالهم من الشباب في مستهل حياتهم العملية.

 المحاماة في نظر القاضي

نص المحاضرة التي ألقاها حضرة القاضي محمد مختار عبد الله على المحامين تحت التمرين بقاعة محكمة الاستئناف الأهلية يوم 10 ديسمبر سنة 1931
تفضل سعادة النقيب في محاضرته الأخيرة بتوجيه الدعوة إلى القضاء ليساهم في هذا البحث الممتع عن مهنة المحاماة وقد أقدمت على الاستجابة لتلك الدعوة وأنا عالم بخطورة الموضوع ولولا العلاقة الوثيقة المتجددة التي تربط القضاة والمحاماة والتي تجعل القاضي والمحامي كاهنين يقوم كل منهما بما خصصته الهيئة الاجتماعية لكليهما من طقوس في هيكل العدالة ذلك الهيكل المفتح الأبواب للجميع والذي يقصده الجميع على اختلاف العقيدة والرأي والمثل الأعلى، لولا ذلك يا حضرات السادة لترددت كثيرًا، بل لا حجمت عن قبول الدعوة، والواقع أن القضاء، وإن سبق المحاماة في الظهور وكان في ولادته مرتبطًا بجلال الملك ومظهره حيث كان دوامًا بيد صاحب التاج والصولجان إلا أن المحاماة كانت وليدة عاطفة نبيلة في الهيئة الاجتماعية تبغي تحقيق المساواة بين الخصوم وتمكين الضعيف من الوقوف في نفس المستوى الذي يسهل على القوي الوصول إليه أمام منصة القضاء فترون إذن أن ما امتاز به القضاء من حيث طيب الذوق قد عادله ما اختصت به المحاماة من حيث نبل المولد وشرف المطمح، وقد عاشت الهيئتان بعد ذلك سويًا وكما أسلفت القول انتهى الأمر إلى توثيق تلك العلاقة الشريفة بينهما حتى جعلت من كليهما دعامة أساسية لهيكل العدالة.
وأريد أن أقرر هنا أن ذلك الهيكل أصبح من ضروريات النظام الاجتماعي بل هو من دعائمه المكينة، وهو مفتوح على مصراعيه ليقصده كل ذي ظلامة متقدمًا بما كسبت يداه ويخرج منه وقد حلت السكينة في قلبه محل الخوف لعلمه أن كهنة الهيكل لا يصدرون إلا عن عقيدة هم مسؤولون أمامها فقط، ننتقل بعد ذلك إلى تعريف المحامي فنجد العلامة جارسونيه نقول عنه بأنه الشخص الذي بعد أن حصل على إجازة ليسانس الحقوق وقام بأداء القسم الذي يفرضه القانون مع الاشتراطات الأخرى الواردة باللوائح يتولى الدفاع شفويًا وكتابةً أمام المحاكم عن شرف مواطنيه وحياتهم وحرياتهم وأموالهم (جارسونيه جزء 1 صـ 412)، وهذا التعريف يشمل المحامي بمصر طبعًا من حيث طبيعة عمله ومؤهلاته المتطلبة - في الوقت الحاضر - وإن كان المحامي لا يؤدي قسمًا وحبذا لو اتبع هذا النظام ويقول لابر بير
la bruyére في صدد أعمال المحامي (أنه يتكلم في يوم واحد أمام محاكم مختلفة في دعاوى مختلفة وليس منزله ملجأ لراحته ولا بعاصم له عن مضايقة المتقاضين إذ يقصده كل من يريد أن يحمله أعباء مشاكله وشكوكه ولا ينتهي المحامي من خطاب طويل إلا ليعالج مذكرات أطول فكل عمله محصور في تنويع المتاعب والمشاكل وأجرأ على القول بأنه بين مواطنيه يمثل الرجال الأولين الذين قاموا بتبليغ الرسالة الإلهية) (جارسونيه جزء 1 صـ 413)، وقد يكون من الأنسب أن آتي بتعريف أحد أعلام القضاء القديم في فرنسا لتلك المهنة أقصد المستر agusseau حيث قال (بين أحكام تلك الظروف ظهر نظام قديم كالقضاء نبيل كالفضيلة لازم كالعدالة يتميز بصفة اختص بها دون غيره فهو وحده في جميع الظروف يحتفظ دوامًا في غبطة وهدوء باستقلاله وهو في حريته جزيل الفائدة للوطن مكرس نفسه لخدمة الجمهور بدون أن يكون عبدًا له...، ومهنة المحاماة في تجردها عن القيود تسمو إلى أرفع منزلة بدون أن تفقد شيئًا من حريتها الأولى وهي كالفضيلة في ترفعها عن التبرج تستطيع أن تجعل المرء نبيلاً بغير ولادة غنيًا بلا مال رفيعًا من غير حاجة إلى لقب، سعيدًا بغير ثروة) آبلتون مهنة المحاماة صـ 21.
هذه المهنة هي التي حمل لواءها قديمًا بريكليس وديموستين وشيشرون وغيرهم من العظماء والتي تخرج للدول دوامًا وفي كل العصور زعماء قادرين وقادة نابهين ولذا كانت بحق في طليعة المهن المنتجة الشريفة نستطيع بعد ذلك الانتقال إلى مسابرة المحامي في طريقه الطويل المنهك للقوى لنرى ما يجب أن يتزود به ذلك الرحالة حتى يصل من مرحلته إلى منتهاها وبدء الرحلة على ما أعتقد تكون في معهد الدراسة القانونية حيث يتلقى الطالب المعلومات القانونية وهي الخامات التي يحتاج إليها المحامي في صناعته ولئن كانت مستلزمات الحياة العملية تستدعي موادًا أخرى غير هذه الخامات فإنه مما لا شك فيه أن محصول الطالب في معهد القانون إن كان طيبًا يسهل عليه الحصول على المواد الأخرى ويجعلها أقرب إلى متناوله بحيث يستطيع أن يقوم بإتمام النسيج اللازم لصناعته في وقت أقصر وبطريقة أكثر إتقانًا، ومعهد الدراسة بطبيعة الحال يلقن الطلبة المعلومات النظرية والحلول العلمية التي يستنبطها المشتغلون بالقانون من الفقهاء وقد تكون هذه النظريات في مآخذها بعيدة عن الاعتبارات العملية لتلك الاعتبارات التي تصدم جماعة المشتغلين بتطبيق القانون والمترافعين أمامهم.
وقد يكون حرص المعهد على حشو رؤوس الطلبة بشتى الدراسات مانعًا لهم عن التزود من الدراسة التي هي ألزم لهم في حياتهم العملية وقد يكون جو المعهد النظري بعيدًا عن جو الهيكل العملي كل ذلك نسلم به ولكننا نريد للطالب الذي يبغي الاشتغال بالمحاماة أن يغادر معهده وقد ألم تمام الإلمام بالوسائل التي يلجأ إليها لمعالجة مشكلة قانونية بحيث يستطيع إبان حياته العملية الرجوع إليها بسهولة وسرعة وبديهي أنه لا يتيسر له معرفة تلك الوسائل إلا إذ كان على علم تام بأسماء المؤلفات القانونية والموسوعات العلمية والقضائية نريد له وقد عرضت له مشكلة ما أن يعرف أين يصل إلى أعماقها وكيف يتيسر له التنقيب على الحلول التي وجدت لها إن كانت قد عرضت من قبل والتي قد تستنبط إن لم تكن قد عرضت نريده على ثقة من طريق يسلكه مباشرةً بدون أن يضل بين الموسوعات بحيث يمد يده حالاً إلى ما يريده من عديد المجلدات وهذا ما لا يتأتى لكل طالب إذ لا يستطيعه قارئ المذكرات والمختصرات العديدة التي في متناول الطلبة بل يستطيعه من اعتمد على نفسه واتخذ من محاضرات أستاذه عونًا له على البحث والتنقيب بين تلك المجلدات العديدة التي وضعت في متناوله بمكتبة المعهد وبالاختصار يجب على المتطلب للمحاماة أن يغادر المعهد وهو على علم تام بأسماء أمهات الموسوعات والمؤلفات في مختلف القوانين وكيفية بنائها وتركيبها وطريقة الاستعانة بها يجب أن يغادر المعهد وقد كون له عقلية علمية مستقلة يستطيع بها أن ينظر إلى أية مشكلة من جميع زواياها ويوازن بين حجج كل رأي ليستخلص لنفسه ما يراه الحل الصحيح نريد أن تكون تلك العقلية علمية بمعنى ألا ترضخ إلا لما يقوم عليه الدليل غير عابئة بأي اعتبار آخر ومن حُسن حظ المشتغلين بالقانون أن مجال التفكير والاستنباط أكثر اتساعًا أمامهم من غيرهم، فعلم القانون لا يقوم على حقائق حسابية (أي لما تماتيكه) تستلزم التسليم والرضوخ فهو من هذه الوجهة يفسح المجال للرواد بغير أن تشل مجهودهم أو يقلل من دائرة أبحاثهم ومع ذلك كله فمتى تزود الناشئ بذلك فلا يعتقدن أن فيه الكفاية وهنا أترك الكلمة للأستاذ النقيب ألبرت سال
albert salle في جلسة افتتاح محاضرات المحامين أمام محكمة باريس بتاريخ 3 ديسمبر سنة 1921 (أن فن المحاماة لمن الصعوبة بمكان فهو لا يكتسب بأداء القسم ولكن بالدراسة الطويلة وبالدأب على العمل مع شيء من الاستعداد الطبيعي ولكن هذا الاستعداد مهما كان عظيمًا فلا يكتفي لأن يقوم مقام علم المتفقهين وأن إجازة الليسانس التي حصلتم عليها تظهر أنكم قلبتم صحائف القوانين وأن عندكم بعض المعلومات العامة عن حقوق الارتفاق وعن العقود وأن لديكم الكفاءة لدراسة بعض المسائل القانونية وهذا على وجه التقريب كل ما تعلمون ولكنكم لا تعرفون أن تفرقوا بين الإنذار والتكليف بالحضور وهيهات أن تكشف لكم صورة الحكم عن أسرارها حيث تضلون بين مجاهل صفات الخصوم ولا تستطيعون أن تستوعبوا الصيغة الخطيرة لمنطوق الحكم) آبلتون صـ 513، وقد مر علينا جميعًا ذلك الدور وأذكر أنني عند ما انتقلت من النيابة إلى القضاء كانت ملفات القضايا المدنية ألغازًا فكم أضعت ثمين الوقت في تقليب الأوراق العديدة لأصل إلى صحيفة الدعوى أو لصحيفة الاستئناف حتى أتفهم محتوياتها وكم كان من العسير أن أصل إلى موقع الأمر بالحجز التحفظي ومحضر حصوله.
ثم كم كان من الشاق أن أصل إلى حصر النزاع بين الخصوم داخل حدوده وأن أجرده من الحواشي العديدة المرتبطة به وأذكر أنه عرضت على الهيئة التي جلست فيها لأول مرة قضية استئنافية عن دعوى استحقاق عقارية وكان النزاع حول ميعاد الاستئناف وهو يتوقف طبعًا على ما إذا كانت الدعوى فرعية أوقفت الإجراءات أم لا ولما رجعت إلى الدوسيه وتعلمون حضراتكم أنه يكون منتفخ الأوداج عادةً في قضايا تثبيت الملكية فبالأولى إذا أضيف إلى النزاع أخيرًا دعوى استحقاق ضللت طريقي فتفضل زميلي القديم بحمله عبء الدوسيه عني ولشد ما كانت دهشتي عند ما وجدته كالطبيب الماهر عثر حالاً بين صحائف محاضر الجلسات العديدة المكتوبة بخط عسر القراءة على تدخل المستحق أثناء إجراءات البيع ودفعه للأمانة المتطلبة حتى ترتب على ذلك إيقاف البيع، هذا مثل لبعض الصعوبات المادية التي تجابه المحامي في بدء اشتغاله وكثير مثلها وإن كانت من نوع آخر تقابله عندما يضطر إلى تكييف النزاع الذي عهد به موكله إليه وإلباسه الثوب القانوني متقدمًا إلى القضاء ليطلب موافقته على صلاحية الثوب وكم يجب عليه من اليقظة خشية أن يلج خصمه من ناحية قد تكون فضفاضة في الثوب وهذه الخبرة التي يكتسبها المحامي قد يتلقاها بين أعمدة هيكل العدالة وقد يتلقاها من مناقشة زملائه أمام منصة القضاء وقد يتلقاها في بطون المؤلفات القانونية وبين صفحات المجلات القضائية والزمن له حكمه في إتمام الإنضاج، ومن العبث وضع قواعد عامة يستطيع المبتدئ أن يصل إلى النجاح في مهمته إذا راعاها فلا بد أن يكون لديه شيء من الاستعداد الفطري ولنحاذر المغالاة في ذلك، فلقد قطعت المحاماة منذ أمد بعيد وعلى الأقل في المسائل المدنية الشوط الذي كانت فيه فصاحة التعبير كل شيء وأصبحت الآن تعتمد في معظم الأحوال على المذكرات الكتابية حيث يكون القول الفصل للحجة القانونية مهما وضعت في عبارة سقيمة ومهما كانت بعيدة عن طلاوة التعبير وسهولة الأداء، ويمكن أن نجمل شروط النجاح في أربعة مجاراةً للأستاذ النقيب آبلتون (صـ 515).
أولاً: الثقافة العامة.
ثانيًا: حب المهنة.
ثالثًا: تنظيم العمل.
رابعًا: المواظبة.

ولنبدأ بالشرط الأول وهو الثقافة العامة بمعنى أن محصول المحامي يجب أن يكون متنوعًا، فهو بطبيعة عمله تعترض له من المشاكل اليومية ما يستلزم إلمامًا تامًا بمختلف المعلومات والمعارف فهو بحاجة إلى التاريخ، بحاجة إلى الأدب، بحاجة إلى الطب مثل حاجته إلى الرياضة والعلوم البيولوجية، أما افتقاره إلى تفهم الإنسانية فليس بأقل شأنًا وأقصد الإنسانية في جميع بيئاتها في البيئات العالية والواطئة حتى إذا مازجت به المهنة يومًا بين حوادث درايته كانت الصورة التي يصفها أمام القضاء طبق الأصل من تلك الحياة التي يجهلها الكثيرون وكانت ألوانها قاتمة حيث يجب أن تكون قاتمة زاهية حيث يجب أن تكون زاهية بعيدة عن التفاصيل المملة التي تجعل الناظر إليها ينسى الجوهر مجسمة لما يريد أن يحملها من معنى يبعث إلى أفئدة القضاة صحة التقدير وسلامة الحكم، فالمحامي من هذه الوجهة فنان يعتمد في أحوال كثيرة على مهارته في التصوير وهو إذن بحاجة إلى أن يتسامى إلى الذرى العالية بعيدًا عن مشاغبات الخصوم وحيلهم في هدوء العلياء يشرف إلى أسفل من جميع الزوايا متجردًا عن زلل الشهوة وضلال المصلحة، ولا أشك في أنه يستطيع إذ ذاك أن يكون رأيًا صائبًا يسهل عليه جدًا أن يوحي به إلى القضاة، لأنه يكون في هذه الحالة القاضي الذي عالج الأمر بنزاهة وإنصاف قبل أن يكون المحامي الذي اندفع في الطريق تحت تأثير النظرة القريبة التي تضلل كثيرًا، هذا إلى أن الاشتغال دوامًا بالقانون وتقليب صحائف مجاميعه ومصاحبة المفسرين والانتقال من دالوز الدوري إلى دالوز العملي، ومن كاربنتيه إلى باسيكر يرى، ثم من المجموعة الرسمية إلى المحاماة، كل ذلك يورث السآمة إلى الذهن وقد يبعث إليه الجمود، فالذهن البشري يجب أن يأخذ نصيبه أيضًا من الرياضة، يجب أن يعطي من وقت لآخر جرعات مختلفة من بعض العقاقير الاجتماعية والجواهر الفلسفية أو التمارين الماتماتيكية حتى يمكن أن يظهر في تمام رونقة وحتى يستطيع أن يمد صاحبه بالضياء الذي يبدد الغياهب والظلمات التي تعرض له في طريقه وألا تعرض الذهن إلى الجمود الناشئ من العمل في دائرة واحدة، أو بعبارة أخرى يصبح الذهن آلة ديناميكية فقط وإذ ذاك هيهات له الصعود إلى العلياء يمكننا إذن أن نفهم تلك العبارة البليغة التي وجهها الأستاذ النقيب ألبيرت سال إلى المحامين المبتدئين في خطابه بتاريخ 3 ديسمبر سنة 1921 (أشير عليكم أن تتبعوا ما يوحيه إليه ذوقكم واختياركم، باشروا الرسم أو النحت، قوموا بالتأليف أو قرض الشعر، وليكن ما تقدمون عليه مسحة الطلاوة والرونق واحرصوا على أن تنفضوا ولو ساعة في اليوم غبار الملفات واستنشقوا هواء آخر خلاف ما تجدون في قاعات الجلسات ومع كتبة المحاكم إذ ذاك تتوسع مدارككم وتسمو عقولكم وتنفتح صدوركم فيمكنكم أن تستأنفوا مطالعة دالوز بهمة وعزيمة، وإذا كان ما تصبوا إليه قبل كل شيء وأن تنتصر الحقيقة أمام القضاء فلا تنسَ أن لها رفيقان الجمال والرحمة وأنكم تصلون بلا مشقة إلى المثل الأعلى للرجل الشريف إذا زرعتم جميلاً وفعلتم الخير واحترمتم الحق، ومتى كنتم رجالاً شرفاء كنتم محامين نابهين) آبلتون صـ 517.
وإذا كنا نطالب المحامي بوفرة ثروته من الثقافة العامة بسبب ما يضطر له أحيانًا من مواجهة الفنيين من مختلفي المهن ومناقشتهم والتعليق على آرائهم، فإن ذلك ليس من شأنه أن يقلل من قيمة محصول المحامي من المعلومات القانونية يجب أن يكون مجهود المحامي في بدء حياته موجهًا إلى زيادة ذلك المحصول إلى جعله وافيًا وهذا لا يتأتى إلا بالاطلاع المستمر ومتابعة حركة الفقه والقضاء وليكن اطلاعه شاملاً لفروع القوانين المختلفة فقد يجد نفسه وهو يترافع في قضية جنائية مثلاً مضطرًا إلى معالجة موضوع مدني وهو معرض في كل وقت إلى الإجابة على اعتراضات متنوعة تشمل جميع ميادين النشاط القانوني، فإذا لم تكن معلوماته جامعة وقوية فإنه يتعرض إلى الهزيمة أمام خصمه ومهنته قاسية تستلزم أن تكون بضاعته حاضرة تحت طلب زميله أو طلب القاضي في أي وقت شاء خصمه ولربما أمكنه أن يحتمي وراء طلب التأجيل للاستعداد أو التأجيل لتقديم مذكرة ولكنه لا يضمن إجابته إلى هذا الطلب فضلاً عما يشعر به من حرج بين زملائه والقضاة والمترددين على قاعات الجلسات على أن هناك حالات كثيرة تضطره إلى المبادرة بتقديم ما لديه من دفوع وقد يستطيع أن يحضرها في مكتبه ولكنه عرضة لأن يفاجأ أثناء المرافعة بدفع إذا لم يتحرز في الإجابة عليه تضيع عليه حق موكله وقد يكون مطمئنًا على حق موكله اعتمادًا على مناصرة الأحكام السابقة له غافلاً عن تطور حديث للقضاء هنا أو في فرنسا فإذا به أمام خصمه ضعيف الجانب حليف الخسران والمحاماة في مصر أشق منها في أي بلد آخر بسبب الأوضاع التاريخية والاجتماعية التي استلزمت تعدد جهات الاختصاص وتعدد القوانين فهناك محاكم الأحوال الشخصية العادية والاستثنائية وهناك المحاكم القنصلية ثم المختلطة والأهلية وهناك الشريعة الإسلامية وقانون نابليون مصدر التشريع المصري فيما عدا الأحوال الشخصية وهناك التشريع المختلط ثم التشريع الأهلي، والمحامي مطالب بأن يكون على بينة من أمر هذه الجهات، لأن لها وظائف قضائية وهذه القوانين لأنها قد تثار في أي وقت أمامه هذا إلى أن تفاعل هذه القوانين المختلفة يسبب ازدياد المصاعب وتنوع المشاكل ولا تنسوا أن النشاط التشريعي قد جارى النهضة الحديثة إذ القوانين ليست إلا وليدة الحاجات الاجتماعية ونسجل باغتباط أن حاجاتنا الاجتماعية قد تضاعفت بفعل التقدم الذي قطعنه مصر في عهدها المبارك منذ أبدت رغبتها في التحكم بمصيرها، والحق يقال إن المشرع المصري كان كثير النشاط دائم الحركة لم يترفق بزبائنه من قضاة ومحامين بل إنه يمطرهم دوامًا بالقوانين والمراسيم ويطلع عليهم بالتعديلات الكثيرة للقوانين الأصلية والقوانين الحديثة تلك التعديلات التي تمليها ظروف الحياة العملية، وإذا أردتم مثلاً ظاهرًا فعليكم بمقارنة المجلدين اللذين لقانوني المرافعات والعقوبات قبل سنة 1919 بالمجلدين اللذين صدرا في الأيام الأخيرة منتفخي الأوداج متضاعفي الصفحات وطبعًا تضاعف الصفحات يستلزم تضاعف الجهد لقراءتها وتفهم أحكامها وتثبتها في الذاكرة ولم تكن ظروف الوطن وحدها العامل في ذلك ولكن الظروف العالمية وما قطعته الإنسانية من أشواط بعيدة عقب الحرب العظمى واندفاع النشاط الإنساني في ميادين كانت عذراء من قبل، كل ذلك حتم على المشرع متابعة ذلك التطور وحتم على أولئك الذين يسيرون في ركاب المشرع أن يسرعوا الخطى، فترون من ذلك أن الأعباء الثقيلة الملقاة على عواتق المحامين بسبب أوضاع الوطن الخاصة قد ازدادت ثقلاً في السنين الأخيرة ولكن هل تنوء أكتاف الجيل الحاضر عن حمل تلك الأعباء أم هل يقبل بابتهاج تلك الأعباء على أنها الواجبات التي في عنقه كهمزة الوصل بين ماضٍ تثير ذكرياته الألم ومستقبل تبعث بوارده على الرجاء ؟ وهل يتاح لهذا الجيل أن يضيف إلى التقاليد السامية لأبطال المحاماة الذين سموا بردائها في مستهل هذا القرن ؟ هذا ما استميح لنفسي الرد عليه بالإيجاب، لأننا نلمس من قريب المجهودات العظيمة التي يقدمها عن طيب خاطر أفراد ذلك الجيل وأعتقد أن علم المحاماة سيظل مرفوعًا في الطبقات العالية التي سمت به إليها عزيمة أولئك الأمجاد الذين كابدوا الأهوال في سبيل الرفعة به، قلنا إن أول شرط لنجاح المحامي وفرة محصوله من الثقافة العامة وبينا الضرورات الاجتماعية التي تستلزم زيادة ذلك المحصول في الوقت الحاضر وعلى الأخص في مصر ويمكننا أن ننتقل الآن إلى الشرط الثاني الخاص بحب المهنة.
والواقع أن مهنة المحاماة جديرة بكل محبة كيف لا والمشتغل بها يرى دوامًا في عنقه حريات مواطنيه وأموالهم وهو منهم مستودع أسرارهم ومناط آمالهم، وهو في الهيئة الاجتماعية كالطبيب تعرض له العلل الغير جسمانية فيشخصها ويصف دواءها ثم يتقدم إلى القاضي ليصرف ذلك الدواء، حقًا إن القاضي غير مقيد بهذا التشخيص ولكن في الأحايين التي يكون التشخيص فيها مبنيًا على غير الاعتبارات الشخصية ويكون مستمدًا من ملاحظة دقيقة بعيدة عن هوى التحيز يجد القاضي نفسه مسوقًا لاعتماد التذكرة الطبية وصرف الدواء المطلوب وحب المهنة هو الذي يلهم محترفها الصبر على شدائدها ويعده إلى تحمل مغارمها، قليل جدًا من المهن الحرة تماثل المحاماة في فداحة أعبائها وعلى قدر فداحة تلك الأعباء تكون المحبة المتطلبة وإذا أحب المحامي مهنته وجب عليه أن يصوغ لنفسه مثلاً عاليًا يكون أمام ناظريه بحيث يحافظ على كرامة تلك المهنة ويؤدي لها ما تتطلبه من احترام وإعزاز وأن أهم ما يحرص عليه هو استقلاله في مهنته يجب أن يكون مستقلاً أمام الخصوم فلا يرضى لنفسه أن يكون آلة بين أيديهم يستعملونه في مشاكساتهم ويسخرونه لمشاغباتهم، بل يسمو بتلك المهنة عن عبث المشاغبة وضيق النطاق، يجب أن يسمو بها فوق الاعتبارات الفردية والحزازات الشخصية، يجب ألا يساء استعمال تلك المهنة للخروج بها عما وضعت له فلم تكن ولادتها إلا لتحقيق أنبل المقاصد بإعطاء الجميع الفرصة المتماثلة أمام هيئة القضاء ولتمثيل مصالح الضعفاء فكانت إذن رسالة للسلام لا للقتال ووسيلة لفض المنازعات لا لخلقها، وبديهي أن القيام بالواجب يستلزم التضحية فليقم بها عن طيب خاطر إذا أحب مهنته صبر على مصاعبها في البداءة فالنجاح بطيء يأتي دوامًا بخطى متمهلة فعليه ألا يستسلم لملل الانتظار بل فليشغل نفسه بالعمل الدائم المتنوع ويستطيع الكثيرون أن يوجدوا لأنفسهم مجالات كثيرة له فهناك مجال الكتابة والنشر في المجلات والجرائد القانونية وهي تذخر دوامًا بالأبحاث المبتكرة التي تقدم لها ومن دواعي السرور أن يجد أمامه مجلة محترمة كالمحاماة التي تصدرها النقابة يستطيع أن ينتفع ببعض صحائفها، بل ليس ما يمنعه أن يشترك مع بعض زملائه في إخراج مجلة قانونية إذ العهد الحاضر يستتبع ازدياد النشاط من جميع الطوائف، وقد تعاضدت معاهد الدراسة النظرية أو التطبيقات العملية بالقوانين مع النقابة في إحياء لغة للقانون سهلة الأداء دقيقة التعبير، ومع كثرة عدد المشتغلين بالقانون فإن المجلات والجرائد القضائية التي تظهر في الوقت الحاضر ليست كافية لسد الحاجات المتزايدة كل يوم بل هناك أرض طيبة للإنتاج الصالح، هناك أيضًا قضايا المعافاة وهي من دواعي السرور كثيرة يجد فيها الفرصة اللازمة للعمل لإظهار مواهبه بل إن قضايا المعافاة هي المظهر الباقي على نبالة أصل المهنة، فهناك الكثيرون لا تسمح له أحوالهم المادية بتقدير مجهودات المترافعين وقد يكون ما وصلوا إليه من حال نتيجة لحق مهضوم أو قد تكون المقادير قد طوحت بهم بين براثن اتهام جائر فليس أشرف من أن تتقدم المحاماة للأخذ بناصر هؤلاء وعند ذلك يجد المبتدئ ما يريد من فرصة فليحضر لقضيته بذمة وأمانة وليلم بأطرافها وليتقدم بها إلى القضاء في أسلوب مقنع لطيف وأنا الكفيل له بأن عهد انتظاره للنجاح لن يطول ولقد نسمع أحيانًا كثيرة من الواقفين على الشاطئ حملات قد تشتد في مناسبات خاصة على المهنة لمساعدتها للمجرمين الذين يعكرون السلام الاجتماعي وأود أن أعتبر في هذا العمل من المهنة داعية من دواعي الحاجة إليها تستطيع أن تفخر بها بحق فالمجرم في العهد الحاضر ليس ذلك الشيطان الذي حقت عليه آية (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه)، ولا كانت فكرة العقاب مبناها أن السن بالسن والعين بالعين، المجرم ليس إلا ظاهرة من الظواهر البيولوجية تمخضت عنه الجماعة وكلما ازداد النشاط الاجتماعي وشمل ميادين كثيرة كلما أنبت المحبط أنواعًا كثيرة من الإجرام، وليس هناك أشخاص يولدون مجرمين بطبعهم كما كان ينشر بذلك لمبروزو بل هناك أشخاص قد يولدون متأثرين بنقائص خلقية يبعث عليها الوسط الذي عاش فيه آباؤهم فإذا حالت الهيئة الاجتماعية بين هذه الطبائع التي قد يكتسب بعضها وبين الظهور، إذا لم تعطَ الفرصة للذيوع والانتشار فإنها لا تلبث أن تزول لأنها ليست غرائز أصلية بل طبائع مكتسبة تزول بفعل عدم الاستعمال، هؤلاء الأشخاص بحاجة إلى من يتقدم بهم إلى القضاء يناشده النظرة الواسعة، يناشده التحرر من شهوة التنكيل، يناشده أن يرد المجرم إلى الجماعة التي خرج عليها تائبًا مستغفرًا، لا ساخطًا منتقمًا، صدقوني أن القضاة بحاجة إلى التذكير بذلك من وقت لآخر، فقيام المحامي بهذا الواجب يزيد من أكاليل الفخار التي تتوج بها هامه، فلندع إذن جماعة الشاطئ في حديثهم حتى يقع أحدهم في المحظور لنرى ما يقوله حينذاك عن العمل الذي كان يحنق على المحامي من أجله، حب المهنة يستلزم أن يستلهم المحامي منها الجزاء على متاعبه غير منتظر جزاءً أو شكورًا ممن كرس نفسه لخدمتهم فكم من الطبائع جافة جاحدة لو نيط بأصحابها وحدهم المكافأة الأدبية لكانت خيبة الأمل محققة وقد يكون هؤلاء الأفراد قليلين ولكن هذا لا يمنع من أنهم موجودون وأن تعليق المحامي لأسباب غبطته عليهم قد يسبب له مرارة الخيبة بعكس ما لو استلهم الغبطة والرضا من ضميره فقط فلا يكون محل لشعور بخيبة أو مرارة حسبه إنه أدى واجبًا للجماعة في عنقه للشخصية المعنوية لتلك الجماعة المستقلة عن أفراد هذه الجماعة حسبه ذلك وكفى، وأخيرًا فليكن في حبه للمهنة ما يهون عليه مشاعر الألم عند ما يرى انتصار ما يعتقد أنه الباطل.

القسم الثاني

وأود أن أقرر في غير مواربة أن القضاء غير معصوم عن الخطأ وأن نتيجة الخطأ قد تكون انتصاف باطل على حق إلا أن ذلك من حسن الحظ قليل الوقوع وقد تكفل المشرع بتبيان الأدوية التي يلجأ إليها في مثل هذه الأحوال هذا من جهة ومن جهة أخرى فليذكر المحامي نفسه بطبيعة عمله فهو يمثل مصلحة جانب ويتلقى معلوماته من هذا الجانب، وقد يكون فيما يتلقاه ما لا يتفق مع الواقع وقد يكون عرضة لتكوين اعتقاده تحت هذا التأثير وقد ينطق هو بالحكم الذي يعتقد أنه ناصر باطلاً لو كان في مجلس القضاء يسمع للخصمين ويرجح ما يعتقده الحق والصواب، ثم ليتذكر أخيرًا أن طبيعة النظام الاجتماعي التي توجب ضم الملايين سويًا لتكوين حياة مشتركة لدولة واحدة طبيعية ذلك النظام تستلزم افتراض انتصار الباطن أحيانًا وقد يكون ما يعتقد أنه باطل بعيد كل البعد عن ذلك ولا أدل على صحة ما نقول من تفاوت وجهة النظر بين شخص وآخر، وبين أمة وأخرى فقد ترى أمة من الأمم تحقق العدالة بالأخذ بأسباب نظام ترى أمة أخرى أن الدعوة إليه جريمة تستوجب العقوبة وإذن فليكن في حب المهنة ما يعينه على احتمال جميع تلك الآلام وحسبه أنه يحظى في القيام بمهنته كما قال فليكس ليوفيل في مؤلفه عن paillet أو المحامي (صـ 16) أنه يستمتع بثلاث مسرات في أداء مهنته:
أولاً: مسرة المصالحة.
ثانيًا: مسرة المرافعة.
ثالثًا: مسرة كسب الدعوى.

وبطبيعة الحال يجد في تلك المسرات جميعًا ما يخفف عليه مرارة المهنة وكما قال النقيب الأستاذ آبلتون بحق (صـ 520) (إن حب المهنة يشد أزر المحامي في جهاده ويحمل حياته ويضاعف اغتباطه بالنجاح ويخفف أثر الفشل).
ننتقل إلى الشرط الثالث وهو تنظيم العمل، وهذا يختلف تبعًا لما إذا كان المحامي يشتغل مستقلاً أو يمضي مدة التمرين عند زميل، ولكنه على كل حال يحسن صنعًا إذا نظم عمله بحيث يوزع وقته على ما هو مطلوب منه، وأول ما يجب عليه أن يتذكره أن يكرس وقتًا طويلاً كل يوم إلى العمل فلا تدهشوا إذا قدر فيلكس ليوفيل أن أقل ما يلزم المحامي من وقت للعمل اليومي عشر ساعات، ولذا فقد قال لاروش فلانتن عن المحاماة في القرن السابع عشر (إن مهنة المحاماة تعالج المرء من داء الكسل إذ صيرورتك محاميًا وقيامك مبكرًا في الصباح شيئان لا يفترقان)، وقال لوازيل (إن مهنة المحامي تفرض عليه أن يكرس لها كل مجهوده (آبلتون صـ 520)، والمحامي يمضي الصباح في مباشرة عمله أمام الهيئات القضائية المختلفة، وخير له أن يحرص على المحافظة على مواعيد الجلسات، فإذا كانت قضيته في بدء الرول استطاع أن ينتهي منها ليتفرغ لغيرها، وليعلم أن تأخيره قد يضايق زميلاً له يحرص على المواظبة كما يضايق القاضي الذي يريد التخلص من رول طويل أمامه بتنجيز القضايا أولاً بأول منصة وأظنكم في هذا المقام وقد وصلنا إلى منصة القضاء تطالبوني بإبداء الرأي عن المرافعة وسأحاول أن يكون رأيي مبنيًا على غير مصلحتي الشخصية وأظننا نذكر أن جميع أسباب الاحتكاك بين القضاء والمحاماة منشؤها في الغالب رول طويل مر بك يبغي القاضي أن ينجزه من جهة، ومن جهة أخرى رغبةً حارة في القيام بإرضاء الذمة بعرض كل شيء أمام القضاء حتى يريح المحامي ضميره، ولا يمكن التوفيق بين الطرفين إلا إذا قدر كل طرف منهما وجهة نظر الآخر وكان في أدائه واجبه مخلصًا في مساعدة الطرف الآخر أيضًا على مثل ذلك وقد يكون حماس المحامي باعثًا له على أن يبالغ في الاهتمام بأشياء يرى القاضي المثقل بالرول الطويل أن الوقت لا يتسع للإنصات إليها كما قد يبلغ القاضي في الرغبة في الإنجاز بحيث يحرج مركز المحامي أمام ضميره وهذه الصعوبة تشعر أنها في ازدياد كل يوم، فالإحصائيات القضائية تدل على اضطراد الزيادة في عدد القضايا وبعد أن كانت مائة العدد الذي لا يحلم بوصول رول القاضي الجزئي إليه أصبح مشحونًا في بعض الأحيان بعدة مئات وليس من المنتظر أن يزداد عدد الجلسات والقضاة إلى أكثر مما هو في الوقت الحاضر على الأقل حتى مستقبل غير قريب وإذن لا مفر من التعاون الفعلي بين القضاء والمحاماة ليرضي كل ضميره، والواقع أن المرافعة الشفوية في المسائل المدنية والتجارية على الأقل فقدت كثيرًا من أهميتها السابقة، فقد كان عون المحامي في الأزمنة القديمة على بلاغة التعبير، ومن الخطأ أن يلجأ المحامي في الوقت الحاضر إلى الاستعانة بالأساليب الخطابية التي كانوا يلجأون إليها حتى قبيل الحرب العالمية التي تعتبر مبدأ تطور المحاماة واستقرارها على أسس علمية من مشاهدات نفسانية وتجارب بسيكولوجية وتمت إلى كثير من العلوم بصلات وثيقة وتبيان الحقائق العلمية لا يحتاج بطبيعة الحال إلى أساليب خطابية بقدر ما يحتاج إلى السهولة والوضوح وحرفة المحاكم لا يتفق معها القيام بحركات وأساليب مسرحية لأنها أبعد الأشياء عن التأثير على القضاة بحكم ما ينطوي تحتها من الاصطناع، وليس معنى هذا أن يترافع المحامي بدون عاطفة فإن العاطفة لازمة لكي يصل الإقناع منه إلى القضاة، ولكن ليحرص على أن تكون عاطفة غير مبالغ فيها متئدة بعيدة كل البعد عن التهيج إذ أن التهيج يثير التمرد في نفوس السامعين فبدلاً من أن ينفعل القاضي تحت تأثير التهيج يجد ذهنه متمردًا بل قد تدفع به ع