قبول المحامي للقضايا
ومن أكبر الكبائر في المحاماة أن يقبل المحامي القضية عن يد وسيط يشترك معه في قليل أو كثير من أتعابه وعلى من ابتُلي بهذا الداء أن يتصور أنه يعيش على السمسرة لا على الثقة وأنه يعمل في كنف السماسرة لا في ظل المحاماة.
فإذا سعى صاحب القضية إلى المحامي فليفسح له صدره لسماع أقواله بغير ملل ولا ضجر وقد يرافق صاحب القضية أحيانًا قريبه أو صديقه ليقوم مقامه في إبداء معلوماته للمحامي فيجب على المحامي أن يترك صاحب القضية نفسه يتكلم ليرسل الكلام على سجيته بدون تصنع ومن غير لف ولا دوران فإن ذلك أدنى أن لا يغش المحامي في تقدير مركز طالب التوكيل وليُعنَ عناية تامة بالوقوف منه على الوقائع الصحيحة للدعوى وليكن في ذلك مدققًا كل التدقيق لأن الوقوف على الوقائع الصحيحة يمكنه من إعطاء الرأي الصحيح.
فإن تبين أن صاحب القضية ليس على حق فيما يدعيه فعليه أن يصارحه بذلك مبينًا له وجه الضرر من استرساله في الخصومة وما يجره عليه ذلك من خسارة الدعوى وخسارة المال ومرارة الحكم ومشونة الباطل. .فإذا فاز بإقناع المبطل بالارتداد عن باطله فقد غنم:
أولاً: راحة ضميره لأنه أنهى خصومة بين طرفين،
وغنم ثانيًا: ثقة صاحب القضية الذي اقتنع ببطلان خصومته فارتد وهو يحمد الله على توفير الكرامة والمال،
وغنم ثالثًا: حسن الأحدوثة حين يعرف الناس له ذلك وأنه طالب الحق لا طالب مادة، ورب قضية رفض المحامي قبولها كانت سببًا في عدة قضايا يسند إليه فيما بعد مباشرتها،
فليتدبر ذلك حضرات المحامين المبتدئين وليعلموا أنهم لن يخسروا أتعاب القضية التي يرفضون قبولها بحق وأنهم بالعكس سيكسبون بهذا الرفض النزيه أضعافه.
وقد تكون قيمة الدعوى مغرية وقد تكون أتعابها إذا قبلها المحامي ضخمة وقد يكون المحامي حين يرفضها في ضيق من المال لظرف من الظروف، فليحذر المحامي أن يكون لهذه الأمور تأثير على رأيه لأنه إذا قبل قضية خاسرة تحت تأثير هذه الاعتبارات فهو إذًا مخادع.
إن كثيرًا من المنازعات يمكن تسويتها صلحًا بين المتخاصمين غير أن العناد أو الطمع قد يحمل أحد الطرفين على الالتجاء إلى المحاكم فإذا ما أيقن هذا المعاند أو هذا الطامع بأنه لن يبوء من القضية إلا بالفشل وأنه سيخسر الدعوى ويخسر إلى جانبها الأتعاب التي يدفعها للمحامي ومصاريف الدعوى وأتعاب محامي الخصم التي تقدرها المحكمة وأنه فوق ذلك سيخسر الصلح المعروض عليه أو الذي يمكنه الحصول عليه وديًا فقد يعيده ذلك إلى صوابه ويسعى إلى التفاهم مع خصمه بطريقة ودية ويكون الفضل في ذلك للمحامي الشريف الذي أخلص النصيحة وحسم الشر ووفر على المتقاضين الإنفاق على الخصومة والاسترسال في المنازعات.
فعلى المحامين أن يكونوا في هذه الحالة مصابيح للتنبيه إلى الخطر لا مزالق لسقوط الموكلين في الهاوية، أما إذا اطمأن المحامي إلى أن صاحب القضية على حق فليأخذ بيده في ضوء الحقيقة إلى ساحة العدل وليقف بجانبه منتصرًا لحقه مناضلاً عنه بكل مقدرته، بذلك يكون العمل شريفًا لذيذًا مباركًا.