... / مواضيع قانونية وابحاث قانونية / حجية الأحكام الصادرة على المسلمين في الدول غير الاسلامية
حجية الأحكام الصادرة على المسلمين في الدول غير الاسلامية
أرسل لصديق طباعه

بسم الله الرحمن الرحيم
حجية الأحكام الصادرة على المسلمين  في الدول غير الاسلامية 
 إعداد  القاضي الدكتور أشرف يحيى العمري  قاضي عمان الشرعي
جمادى الآخر/1428هـ  حــزيـران /2007م


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد النبي الهاشمي الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد :
انطلاقا من الفهم الصحيح لهذا الدين العظيم الذي شرعه الله منهجا للحياة وختم الله به الرسالات ، دينا كاملا مرضيا لكل الخلائق الى يوم الدين ، فإن علماء المسلمين مكلفون بأن يبلغوا به جهدهم بحثا عن الأحكام ومدلولاتها وعللها ، ليصلوا بالناس فيما يغلب على الظن الى حكم الله تعالى في المسائل التي يعايشون ، لأن المسلمين بطبيعتهم نفوسهم تتشوف الى معرفة الحلال والحرام تنفيذا لأمر الله في اتباع ما يحل ، والبعد عما يحرم ، وانهم يحتاجون في ذلك معينا لبيان هذا الأحكام في كل ما يستجد لهم من وقائع إعمالا لمبدأ كمال التشريع حيث أنه بسعته وقواعده يصلح تشريعا لكل الظروف والأزمان ، وإن من لوازم حفظ الله لهذا الدين أن يهيئ له أناسا يقومون به ، ولذا فلا يعقل أن تخلوا مسألة من بيان ، أو زمان ممن يملك البيان ، وخاصة في أوقاتنا المعاصرة ، التي يعيش فيها المسلمون في شتى بقاع الدنيا في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية ، فتنشأ مع مرور الأيام أقضية وحوادث تتطلب الحلول والبيان ، ومن هذه المسائل الأحكام الصادرة على المسلمين من قبل أنظمة قضائية تفتقد الى الشروط الشرعية التي طلب الفقهاء مراعاتها فيمن يتصدر للقضاء ، أو في ذات النظام القضائي المطبق سواء في الدول الاسلامية أو في البلاد غير الإسلامية فان منها من يحتكم إلى أحكام الشريعة ومنها من لا يحتكم ، ومنها ما تختلط فيها الأحكام ، ويتبع ذلك التعدد في الأنظمة القضائية ، وتعيين القضاة في تلك الدول ، والتي لا ينفك المسلم في مسألة ما من الحاجة الى التحاكم ومراجعة النظام القضائي القائم ، أو قد يضطر إلى اللجوء اليه بحكم  القانون العام في الدولة الآمر بذلك .
  وقد تنبهت دائرة قاضي القضاة - جزى الله القائمين عليها خيرا  - الى كثير من المسائل التي تحتاج الى مزيد من البحث والنظر، والمرتبطة بجوانب مهمة في حياة الانسان وبقطاع كبير منهم ولهذه الغاية فقد عزمت على عقد مؤتمر قضائي تقدم فيه البحوث والدراسات ليتم مناقشتها والخروج بآراء تتفق مع الشرع تعالج موضوعات عدة ومنها ما يتعلق بما أشرت اليه من أحكام قضائية بحق المسلمين تصدر عن جهات غير إسلامية ، وانني في هذه الورقة سأحاول أن أعرض لهذه المسألة وأبين آراء الفقهاء والباحثين فيها ومستعرضا للحلول الشرعية المقترحة ، وأشير هنا إلى أنني قد كتبت في هذه المسألة من خلال أطروحة الدكتوراة التي تقدمت بها في الجامعة الأردنية بعنوان ( نظرية التفريق القضائي بين الزوجين دراسة تأصيلية  و مقارنة ) ولذا فقد قمت في هذه الورقة بالرجوع الى ما كتبته هناك وأضفت إليه سائلا ً الله تعالى  أن يثيبني على ذلك وأن يجنبني الزلل وأن يعفو عن كل خطأ،والحمد لله رب العالمين .
 
مشكلة الدراسة
ان مشكلة الدراسة بحسب الترتيب المنهجي للدراسات العلمية يكمن في أسئلة تحاول هذه الدراسة الاجابة عليها ويمكن حصر الأسئلة في عموم ما يلي :
هل الأحكام القضائية الصادرة على المسلمين في الدول غير الاسلامية تعتبر حجة ويجوز اعتمادها وتنفيذها وتترتب عليها أحكامها كما الأحكام الصادرة عن الجهات القضائية في الدول الاسلامية ؟وإن كانت غير ذلك فما البديل الذي يمكن أن يلجأ اليه المسلمون للوصول الى أحكام تحفظ حقوقهم وتكون معتمدة شرعا وقانونا .
ومع أن ظاهر هذا السؤال محدوديته الا أن امعان النظر فيه وفي الوقائع المحتملة يمكن أن يعرضنا لاحتمالات عديدة  تحتاج الى التفصيل في الاجابة .
وحيث أن من محددات هذا البحث النظر في المسألة في حدود موضوعات الأحوال الشخصية وخاصة قضايا التفريق بين الزوجين فيمكن استعراض الاحتمالات التالية المتعلقة بطرفي النزاع والقانون المطبق في فصل النزاع و مكان اجراء الالتزام كما يلي :
أولا : فيما يخص طرفي الحكم فإن لهما احتمالات هي :
-أن يكونا من حملة جنسية تلك الدولة ومن رعاياها .
-أن يكون أحدهما من حملة جنسية تلك الدولة والآخر مقيم هناك مجرد اقامة .
-أن يكون الطرفان مقيمين هناك وليسا من المواطنين .
-أن يكون عقد الزواج قد جرى في تلك الدولة ونظم فيها .
-أن يكون عقد الزواج نظم في دولة اسلامية واعترفت به تلك الدولة أو لم تعترف          وتم انشاء عقد مدني جديد يتوافق مع قوانين تلك الدولة .
ثانيا : فيما يتعلق بالقانون المطبق للوصول الى الحكم ، فان القاضي قد يطبق قانون الدولة نفسها -وهذا ما يحدث في الغالب- الا أن هذا القانون قد يتفق مع الشريعة الاسلامية وقد يختلف معها  سواء في أسباب الطلاق أو كيفيته أو طريق المرافعة وأدلة الاثبات الموصلة اليه، و قد يطبق القاضي قانون الدولة التي ينتمي اليها طرفا النزاع اذا لم يكونا من المواطنين هناك و اذا ما أتاح لهم القانون ذلك .
ثالثا : فيما يخص الجهة مصدرة القرار.
      -قد تكون جهة قضائية وقد يكون القاضي فيها غير مسلم .
      -قد تكون جهة قضائية وقد يكون القاضي فيها  مسلما .
      -قد تكون جهة غير قضائية ولكن قراراتها تعطى الصفة القضائية وفق قانون تلك الدول  كهيئات الوساطة والتحكيم والتابعية الدينية لبعض الطوائف وقد تكون هذه الجهة مسلمة أو غير مسلمة .
وبناء على هذه الاحتمالات يمكن أن نخرج بعدد كبير من المسائل التي تحتاج الى أجوبة وأحكام فهل تعطى جميع هذه المسائل الحكم ذاته أم لا ؟ فمثلا هل حكم الطلاق اذا صدر بما يتوافق مع الشرع الاسلامي من قاض غير مسلم يمكن اعتماده وهل اذا صدر من قاض مسلم ولكن لا يتوافق مع أحكام الشرع يمكن اعتماده ؟ وهل لمكان اجراء العقد أثر في اعتماد الأحكام ؟ و هل العلة في الجهة مصدرة الحكم أم بالقانون الذي طبق في سبيل اصدار الحكم أم فيهما معا ؟
كل هذه أسئلة مشروعة ولكنها تزيد من الحاجة الى البحث عن الفتوى التي يسأل عنها كل مسلم قد يتعرض لمثل هذه الوقائع شاء أم أبى .
وانني أضيف الى ذلك أمورا أخرى هل ما يطبق على المسلمين من أحكام في الدول الاسلامية والذي هو نتاج فقه كان في الأصل مخصصا لمن هم يعيشون داخل الدولة الاسلامية مواطنون فيها أو مقيمون ؟ ، هل نطبق ذات الأحكام على المسلمين المقيمين داخل الدول غير الاسلامية وعلى المسلمين من رعايا تلك الدول ؟ أم أن هناك فروقا بحكم الاختلاف الواقعي بين الحالين ؟ وهل ناقش الفقهاء ذلك قديما وتعرضوا له أم أنهم بحكم الواقع آنذاك لم يتطرقوا اليه ؟ .
 
ما سأحاول بيانه في هذه الورقة جانب من الشروط المتعلقة بالجهة الرئيسة في العملية القضائية وهو القاضي ثم الجهة التي قد تنوب عنه ، ومعالجة أحكام القاضي غير المسلم وذلك لدى النظام القضائي في الدول غير الإسلامية على وجه الخصوص .
وسأتعرض لموضوع هذا البحث في مبحثين رئيسين متعلقين بالأحكام الصادرة في مسائل الأحوال الشخصية يكون أحد طرفي النزاع أو كليهما مسلما كما يلي :
المبحث الأول : في حجية الأحكام الصادرة عن القضاة غير المسلمين في الدول الأجنبية والمتعلقة بطرف مسلم .
المبحث الثاني : في حجية الأحكام الصادرة عن جهات غير قضائية في الدول غير الإسلامية كالمراكز الإسلامية والجمعيات التي تمثل المسلمين وغير ذلك .
 
المبحث الأول
 حجية الأحكام الصادرة عن القضاة غير المسلمين في الدول غير الاسلامية
 
المطلب الأول : تعريف القاضي وشروطه
الفرع الأول : التعريف بالقاضي
درجت أكثر كتب الفقه على البدء بتعريف القضاء ووضعت لذلك حدوداً ورسما  . وعند الحديث عن القاضي توجه التصنيف إلى بيان شروطه وصفاته وآدابه لذا فإننا يمكن أن نصل إلى تعريف القاضي من تعريف  الفقهاء للقضاء ، ولذا فالمتأخرون من الفقهاء عرفوا القاضي بأنه الذات الذي نصب وعين من قبل السلطان لأجل فصل وحسم الدعوى والمخاصمة الواقعة بين الناس توفيقا لأحكامها المشروعة( ) .
وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن القاضي لا يكون كذلك  حتى يولى هذه المهمة من صاحب الولاية العامة في الدولة ، وذلك للتمييز بينه وبين المحكم ، ولتكون له ولاية عامة مستمدة من الجهة التي قامت بتعيينه .
الفرع الثاني : شروط القاضي وصفاته
اشترط الفقهاء صفات واجب توفرها في القاضي لصحة توليه هذا المنصب وصحة ما يصدر عنه من أحكام ، إلا أن الفقهاء لم يتفقوا على هذه الشروط مجتمعة فهناك شروط متفق عليها بينهم وشروط مختلف عليها .
الشروط المتفق عليها هي( ):
1- الإسلام 2-العقل 3-البلوغ 4-السمع 5-البصر 6-النطق .
 الشروط المختلف عليها ( )
1- العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام
قال الحنفية العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام ليس شرطا في القاضي لتقليده القضاء بل يندب ويستحب ، لأنه من الممكن أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتواهم وهو خلاف الأولى .
2- الذكورة
الذكورة عند الحنفية ليست شرطا لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي في الحدود والقصاص لأن الحدود لا تقام  بشهادتها وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة ، وان كانت لا تولى إلا أنها إن وليت نفذ قضاؤها .
3- العدالة
العدالة ليست شرطا عند الحنفية للتولية بل هي شرط كمال إذا لم يجاوز المولى حد الشرع في قضاياه ، لأن الفاسق من أهل شهادة التحمل ، وتقليده خلاف الأولى .
والأمور المختلف فيها يتفق الفقهاء غير المشترطين لها أن وجودها  يعتبر من الأفضل فيمن يتولى القضاء ، ويصححون ولاية من لم تتوافر فيه ، أما نفاذ الأحكام فكثير من المحققين يتجهون إلى نفاذ أحكام من لم تتوافر فيه صفات الكمال من الوالي أو من يعينه من القضاة ،  وإن كان الأولى عدم توليته يقول الإمام العز ابن عبد السلام : ( والقضاة في قول ورأي كالأئمة في عدم اشتراط العدالة لنفوذ أحكامهم )  وأضاف أنه عند تعذر العدالة في الولايات فيقام أقلهم فسوقا ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبا للمصالح العامة ودفعا للمفاسد الشاملة ، إذ يبعد عن الشارع ورعايته لمصالح العباد تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها( ) .
ولذا فقد قال الإمام مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لا أَرَى خِصَالَ القُضَاةِ تَجتَمِعُ "اليَومَ !!" فِي أَحَدٍ، فَإِن اجتَمَعَ فيه مِنهَا خَصلَتَانِ العِلْمُ وَالوَرَعُ رأيتُ أن يُوَلَّى  .
وقَالَ ابن تيمية - رَحِمَهُ اللَّهُ: الوِلايَةُ لَهَا رُكنَانِ: القُوَّةُ، وَالأَمَانَةُ. فَالقُوَّةُ فِي الحُكْمِ: تَرجِعُ إلَى العِلْمِ بِالعَدْلِ، وَتَنفِيذِ الْحُكمِ. وَالأَمَانَةُ: تَرْجِعُ إلَى خَشيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تُعتَبَرُ حَسْبَ الإِمكَانِ، وَيَجِبُ تَولِيَةُ الأَمثَلِ فَالأَمثَلِ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلامُ الإِمَامِ أَحمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيرِهِ. فَيُوَلِّي لِعَدَمِه أَنفَعَ الفَاسِقِينَ، وَأَقَلَّهُمَ شَرًّا، وَأَعدَلَ المُقَلِّدِينَ، وَأعرَفَهُمَ بِالتَّقلِيدِ، وَإِن كَانَ أَحَدُهُمَا أَعلَمَ وَالآخَرُ أَورَعَ: قُدِّمَ - فِيمَا قَد يَظهَرُ حُكمُهُ وَيُخَافُ الهَوَى فِيهِ - الأَورَعُ، وَفِيمَا نَدَرَ حُكمُهُ وَيُخَافُ فِيهِ الاشتِبَاهُ - الأَعلَمُ. قال البهوتي: وهو كَمَا قَالَ، وَإِلا لَتَعَطَّلَت الأَحكَامُ وَاختَلَّ النِّظَام  .

 
المطلب الثاني
شرط الإسلام في القاضي
إن اشتراط إسلام القاضي الذي يولى في الدولة المسلمة لم يختلف فيه فقيهان من المسلمين، حيث أن النظر في أقضيه المسلمين وتطبيق أحكام الإسلام عليهم - وهي دين -لا يؤديها حقها ويفهمها فهمها إلا مؤمن بها متبع لها ، إضافة إلى أن الصفات الأخرى التابعة إنما يحوطها دين الشخص بالرعاية و الحماية والحفظ. .
و الفقهاء في جلهم قد اشترطوا أن  يتولى المسلم القضاء ولو كان المتقاضيان غير مسلمين لأن القانون العام الواجب التطبيق في الدولة الإسلامية هو القانون الإسلامي وتعيين اكثر من قاض داخل الدولة بولاية عامة ليطبق كل منهم قانونا خاصا يؤدي إلى هدم عنصر وحدة النظام القضائي ، ويؤدي إلى تعدده وتعدد القانون المطبق الواجب التعميم على الصغير والكبير والغني والفقير والشريف والوضيع.
وهذا لا يعني عدم اختصاص الأقليات بفقههم الخاص في المسائل الشخصية والعقائدية  لكن ما يتعلق بالنظام العام  فهم والمسلمون سواء .
إلا أن هذا الفقه السائد قديما إنما هو فقه  يعبر عن واقع كان قائما آنذاك حيث الدولة المسلمة التي تحتكم إلى شريعة ربها وتعتني بالأقليات الساكنة في ذمتها وتحت رعايتها.
 ولم يتعرض الفقهاء في بحثهم لشروط القاضي إلى وجود أقليات مسلمة تعيش في دول ذات نظام غير إسلامي تختلف عن واقعهم ، لذا فلا نكاد نجد من الفقهاء من رتب للأقليات المسلمة أحكاما سوى ما ذكر من أحكام تغلب الكفار على المسلمين في ديارهم وتعيين ولاة أو قضاة عليهم من المسلمين أو من غير المسلمين . و إننا نجد مثل هذا الفقه لدى كثير من الكتابات المعاصرة في القضاء ونظامه ، حيث لم تناقش هذه المسألة تأصيلا أوتفريعا.
الا أن عددا من المحدثين أخذ في البدء بالحديث عن الشروط التي ذكرها الفقهاء للقاضي مبينين أنها شروط اجتهادية قد تغيرت وتبدلت من زمان لآخر بحسب الأحوال والأزمنة التي جرت بها الفتيا وأنه لا يوجد هناك نصوص واضحة جلية قاطعة تفيد اشتراط شرط بعينه لتولية القضاء ولذا فقد أورد عدد من الفقهاء ومن شيوخ المذاهب الفقهية ما يشير الى ذلك بل نصوا على تعذر تطبيق ما أورده من كان قبلهم من شروط واكتفى بعضهم بالعلم والعدالة وقال آخر يولى الأمثل فالأمثل وكل ذلك خوفا من تعطل هذا المرفق الهام في حياة الناس بداعي عدم وجود من يصلح له وحتى لا ينال الناس من مدى ولايته وشرعيتها ونفاذ أحكامه.
يقول الدكتور ناصر بن زيد   :
( ومع أنَّ الفقهاءَ قد اتفقوا على القول باشتراطه في القاضي، إلا أنه لم يخل من الاستثناء، ولو أننا عدنا إلى ما ذكره أهل العلم من قياس القاضي على الشاهد في الشروط، ومن قولهم: بجواز تحميل غير المسلم الشهادةَ في حال الضرورة؛ لِمَا ورد في تفسير آية الوصية في السفر، لتأتَّى القول: بجواز تولية غير المسلم القضاءَ في حال الاضطرار.
 وقد أشار كثيرٌ من الفقهاء - عند ذكر قاضي الضرورة - إلى تصحيح أحكام القضاة غير المسلمين؛ إذا كان لهم دولة على ديار الإسلام؛ كما حصل من التتار في أوَّلِ أمرهم ومن الصليبيين في القديم والحديث ) .
وأضاف : (وإذا علمنا: أنَّ العدل لا يتأتى من المسلم فقط، بل يأتي من غير المسلم ولا شك، فقد أثنى الرسولُ، صلى الله عليه وسلم، على النجاشي - وهو لا يزال على دين النصرانية – "بأنه ملكٌ لا يُظلَمُ بأرضه أحدٌ"؛ رواه البيهقي في دلائل النبوة، ولِمَا أُثِرَ عن غير واحدٍ من السلف قوله: إنَّ الله يُمَكِّنُ للدولة الكافرة العادلة ما لا يُمَكِّنُ للدولة الظالمة؛ وإن كانت مسلمةً )
وختم قوله بالحكم الآتي : (من ذلك كله يظهر لنا: أنَّ شرطَ الإسلام في تنصيب القاضي - وإن كان لازماً في مجتمعنا اليوم وما شابهه من مجتمعات المسلمين - إلا أنه غير لازمٍ في سائر المجتمعات بحسب أحوالها، كما أنَّ تحقيق العدالة لا يتوقف على وجوده والله أعلم )

هذا كله اذا تحدثنا عن البلاد الاسلامية فكيف بنا ونحن نريد الحديث عن البلاد غير الاسلامية مما لا تقر بشرعنا أو ديننا ولا تضع وزنا لقول فقهائنا في هذه المسألة، ولذا فان الحديث عن خضوع المسلمين لأحكام القضاة في تلك البلاد أمر يختلف عما ذكره الفقهاء في أزمنتهم عن الدولة الاسلامية .
اننا نبحث في ذلك في وقت تعقدت فيه أساليب الحياة وكثر التنوع السكاني والمذهبي والديني وكثرت حركة الشعوب فلا تجد بلدا في العالم اليوم الا وفيه مسلمون اما من الوافدين اليه أو من اهله الأصليين ، فكما نناقش حجية الحكم على المسلمين الوافدين فكذلك ينبغي التنبه الى المواطنين الأصليين أو أولئك المتجنسين بجنسيات الدول التي يقيمون فيها .

المطلب الثالث
قرار التفريق من القاضي غير المسلم
البحث في الجهة مصدرة الحكم له عدة أحوال . فقها وواقعا
أما في الفقه فقد تعرض الفقهاء لمسالة القاضي المسلم وحكم غير المسلم و الحالات التي لا يوجد فيها قاض يقضي بين الناس كيف يحلون نزاعاتهم ويثبتون حقوقهم وقد نص الشافعية على ذلك في عدة مواضع من مسائل التفريق منها ما أشرت اليه في نهاية الفرع الأول في مسألة التفريق لعدم الإنفاق مثلا وكيف يمكن اللجوء إلى المحكم أو الاستقلال بالفسخ.
أما واقعا فإن الأنظمة القضائية في دول العالم الإسلامي (غالبا) تجيز تعيين القاضي غير المسلم للنظر في الأحكام بين المسلمين إلا أن مسائل الأحوال الشخصية ما زالت من المستثنيات في الإطار العام حيث تختص بالقضاة المسلمين ، ومع هذا الاختصاص فقد توجد حالات يمكن أن ينظر فيها هيئة قضائية غير مسلمة في مسألة تخص أفراد المسلمين ، وذلك مثلا ما عليه العمل في القانون الأردني في حالات محددة ( )  وهي أنه إذا كان أحد طرفي النزاع غير مسلم فالاختصاص في مسائل الأحوال الشخصية  لا يكون للمحكمة الشرعية إلا بموافقة الطرفين و في هذه الحالة قد تتحول القضية إلى القضاء النظامي التي ربما ينظرها قاض غير مسلم يحكم على مسلم في مسألة من مسائل التفريق .
وواقع آخر يتمثل في الأقليات المسلمة الموجودة في الدول غير الإسلامية التي قضاتها من غير المسلمين والتي تحكم بنظام  غير إسلامي يسمونه مدنيا أو علمانيا .
وهنا لابد من ملاحظة أمرين الأول : هل العلة في الشخص الذي يحكم أم في القانون الذي يحكم؟
نظر الفقهاء المسلمون إلى المسالتين من الناحية الفقهية لأن القانون لن يكون الأقدر على تطبيقه وسبر مكنوناته والاجتهاد فيه إلا من يؤمن به ويعتقده ، والمسألة عند المسلمين مرتبطة بالديانة والتعبد لا بمجرد الفعل المادي الدنيوي الآثار ، إلا أن الأحكام الصادرة في التفريق في البلاد غير الإسلامية تترتب عليها آثارها بين الطرفين هناك إذا كان عقد زواجهما مقيدا هناك بموجب قوانين تلك البلاد ، ويتمكن الطرفان بعد ذلك من إجراء زواج جديد دون الرجوع إلى محاكم أخرى ، فكيف العمل إزاء ذلك كله؟.
إن ما جرى عليه العمل سابقا لدى محكمة الاستئناف الشرعية في الأردن هو ضرورة أن يكون الحكم الصادر بالطلاق يتضمن أسبابا مقبولة شرعا ليتسنى اعتماده  ، وهذا ما تقرر في العديد  من قراراتها الا أنه قد صدر قرار يخالف هذا التوجه ولاحق على تلك القرارات يعتمد الحكم الصادر عن المحاكم الأجنبية وقد علل القرار بأن حكم المحكمة الأمريكية بينة قائمة بذاتها اذا صدقت حسب الأصول وأن المحاكم الأردنية لا تملك النظر في صحة الطلاق واثباته ما لم يطعن فيه بما يمنع تنفيذه حسب المادة السابعة من قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية الأردني .
الا أن الأدلة التي ساقتها المحكمة لاعتماد الحكم اقتصرت على أن موضوع الولاية يطبق على الدولة الاسلامية ولا ينظر اليه في الديار غير الاسلامية لأن المسلمين هناك يعتبرون من تابعية تلك الدول ولا تنطبق عليهم أحكام الولاية في الدولة الاسلامية ، كما اعتمدت محكمة الاستئناف على أمر واقعي وهو أن الدول الاسلامية ومنها الأردن لا تشترط في القاضي أن يكون مسلما في القضاء النظامي والذي يصدر أحكاما على المسلمين في جميع القضايا ومنها الطلاق في بعض الأحيان كما أشرت سابقا  .
ويمكن تحقيق هذه المسألة بين الرأين المذكورين  فيما يلي من أمور :
1- التفريق هل هو مسألة اجتهادية أم توقيفية ؟
2- التفريق الذي حصل هل هو محصور الأسباب أم غير محصور ؟
3- كيفية إجراء العقد ومكانه ومدى تأثير ذلك على التفريق .
 فالأصل في الطرفين إذا عقدا عقداً مستوفيا الشرائط الشرعية وفق قانون غير إسلامي وهما يعلمان أن التفريق له أحكام خاصة عندهم سنداً لهذا العقد وكان الرجل عالما بذلك قابلا به،وكانت تلك الأحكام مما يجوز الاتفاق على مثلها أو المصالحة عليها وليس فيها مخالفة للنظام العام الشرعي، يكون الزوج بذلك وكأنه دخل في العقد قابلا حكم القانون فيه مفوضا إياه ، خاضعا لأحكامه وهذا من حيث الأثر له حكم النص على الشرط في العقد ، وهذا الملحظ خاص بدرجة أكبر بالأحكام الصادرة من المحاكم الأجنبية بناء على طلب المرأة، لأن الرجل إذا كان هو المدعي فلا إشكال فهو الذي يملك حق الطلاق ويملك التفويض به والتوكيل سواء كان العقد تم هناك أم لا لأن الزوج على الحالين يكون كمن فوض أمر الطلاق الى القاضي وهل يشترط في المفوض ما شترط في القاضي ؟ الجواب لا لأن المفوض هو وكيل من جهة ويجوز التوكيل دون ننظر الى الديانة.
وقد أصدر الشيخ المولوي فتوى  تتعرض لهذا الأمر نصها ((إن الطلاق الذي تحكم به المحكمة السويدية بين زوجين مسلمين مقيمين في السويد، وقد يكون أحدهما أو كلاهما سويدي الجنسية، هذا الطلاق ليس له مفعول شرعي..... ))   حيث كان عند اصداره الفتوى يرى عدم اعتماد تلك الأحكام ما لم تقر من جهة شرعية بصحتها ،وهو ما رجع عنه بعد ذلك أو فصل فيه ونحن نعرض لذلك لمعرفة التوجبه والدليل الذي سيق في الأمرين ، فالمدقق بالفتوى يلحظ أمرين الأول عدم اعتماد الحكم ابتداء لعدم معرفة الخصوم مدى المطابقة مع الحكم الشرعي ولذا فهم بحاجة لمرجعية شرعية تعنى بذلك والثاني هو عدم الاعتراف بمرجعية الحكم الصادر من تلك المحكمة ولو كان مطابقا للشرع بدلالة أن الشيخ أفتى بسريان أحكام الفرقة عند صحة أسبابها من تاريخ القرار الصادر من المرجعية الشرعية وليس المحكمة الأجنبية ، وهذه الفتوى نقلتها وأعلق عليها لأهمية موضوعها ولدلالة الجهة المصدرة لها حيث أن الشيخ المولوي من العلماء المشاركين في بيان الأحكام الشرعية للجاليات المسلمة خارج العالم الإسلامي وهو كذلك في المجلس الأوروبي للإفتاء  ، وقد رجعت إلى المجلة الخاصة بإصدار الفتاوى المعتمدة للمجلس الأوروبي ووجدت فتوى المجلس رقم (60) التي تنص على أمرين الأول اعتماد تلك الأحكام والثاني تعليل هذا الاعتماد بالتفويض الضمني من الزوج المحمول محمل الشرط في انطباق أحكام التفريق حسب القانون الأجنبي عليه ، وهذا نص الفتوى  :
( الأصل أن المسلم لا يرجع في قضائه إلا إلى قاض مسلم أو من يقوم مقامه، غير أنه بسبب غياب قضاء إسلامي حتى الآن يتحاكم إليه المسلمون في غير البلاد الإسلامية، فإنه يتعين على المسلم الذي أجرى عقد زواجه وفق قوانين هذه البلاد، تنفيذ قرار القاضي غير المسلم بالطلاق؛ لأن هذا المسلم لما عقد زواجه وفق هذا القانون غير الإسلامي، فقد رضي ضمناً بنتائجه، ومنها أن هذا العقد لا يحل عروته إلا القاضي. وهو ما يمكن اعتباره تفويضاً من الزوج جائزاً له شرعاً عند الجمهور، ولو لم يصرح بذلك. لأن القاعدة الفقهية تقول (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)  وتنفيذ أحكام القضاء ولو كان غير إسلامي جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد وحسماً للفوضى، كما أفاده كلام غير واحد من حذاق العلماء كالعز بن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي )  .
وهذا التعليل منطقي ينسجم مع القواعد العامة وأضيف إلى ما ورد في الفتوى مؤيدا لها أن التعاقد مع المرأة في تلك الدول مع العلم بالتقاضي إلى ذلك القانون ، بموجب العقد الناشئ عندهم أو الموثق بعد نشوئه لديهم ، هذه الصورة تتجه وتقترب من صيغة الاتفاق التحكيمي الذي يتم إنشاؤه عند التعاقدات المختلفة لتعيين المرجعية القانونية و الإجرائية حال حصول أي نزاع بين المتعاقدين ، مع عدم سلب الطرفين حرية اللجوء إلى القضاء إذا رغبا بذلك اتفاقا ، والأخذ بذلك قد يرفع الحرج خاصة إذا تم الأخذ بالرأي القائل بان الاتفاق التحكيمي( ) إذا تم إنشاؤه مع العقد كشرط من شروطه له صفة الإلزام بعد ذلك( ) ، ويقول الدكتور الدوري :      ( القول بعدم جواز عزل المحكم إلا بتراضي الخصمين معا هو الأقوى ، لأن جميع أقوال الفقهاء في ذلك اجتهادية مبنية على إرادة تحقيق مصالح الناس ولو انفرد أحدهما بنقض عقد التحكيم فإنه يؤدي إلى بطلان المقصود من التحكيم )  ،  وبهذا يتم نقل الاختصاص القضائي للمحكمة غير الإسلامية من الصفة القضائية إلى الصفة التحكيمية ، إلا أن هذا قد يعترض عليه بأن المحكم لا بد وأن يكون مسلما وان يحكم بموجب الشرع فأما المسالة الأولى فقد أجاب عنها الدكتور عبد الحميد الأحدب( ) بأن هناك اتجاها يرتكز على قوله تعالى ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها )  يجيز أن يكون الحكم غير مسلم لأن المرأة قد تكون من أهل الكتاب فيكون الحكم المختار من أهلها من أهل الكتاب وحيث أعطت الآية الأولوية لهذا الاختيار وهو فوق الجواز ولا يوجد ما يشير أو ينص على عدم ذلك أو يستثني هذه الحالة من التحكيم ، وهذا الأمر قد يستفاد منه ، وفي حال الضرورة فهو أصل معتبر في القرآن في الإشهاد على الوصية من غير المسلمين( ) .
ومما يؤيد ذلك ما جاء في قرار لمجمع الفقه الاسلامي  حيث أجاز مجمع الفقه الاسلامي في دورته التاسعة المنعقدة في دولة الامارات العربية المتحدة في 1/4/1995م في قراره رقم 91/8/9  لجوء الدول الاسلامية الى هيئات التحكيم الدولية غير الاسلامية لعدم وجود محاكم دولية اسلامية معللا القرار بأنه توصل الى ما هو جائز شرعا   ، وهذا التحكيم في قضايا كبيرة عامة تخص جموع المسلمين أجيز فيه التحاكم الى هيئة غير اسلامية فإنه من باب أولى القول بجواز ذلك التحكيم في مسائل أقل شأنا كالتفريق بين المرأة وزوجها . 
 
وقد اطلعت لاحقا على بحث مهم في الموضوع للشيخ المولوي بعنوان تطليق القاضي غير المسلم وهو موجه إلى الجالية الإسلامية وضع فيه احتمالات عدة وأجاب عليها معتمدا مبدأ الجنسية ومكان إجراء العقد وتفويض الزوج وأن الشرط المعروف كالمنصوص وقواعد رفع الضرر وقد خلص في نهايته إلى أن الزواج الذي يتم في بلد غير إسلامي يحتمل ضمنا اتفاق الزوجين على إعطاء القاضي هناك الحق الذي يعطيه الشرع للزوج في إيقاع الطلاق، وذلك من قبيل تفويض الرجل حق الطلاق إلى القاضي ، وليس للرجل بعد ذلك رفض هذا الحكم بحجة أنه لم يطلق طلاقا شرعيا ، وهي نتيجة كما نلاحظ تختلف عن نص الفتوى التي تم عرضها سابقا( ).
وقد فصل الشيخ جوابه كما يلي وأنقل الجواب كما ورد مع أدلته  ، يقول : ( الموقف الشرعي من حكم قضائي بالطلاق صادر عن مرجع أوروبي غير إسلامي:
أحصر الكلام فيما إذا كان الحكم القضائي متعلّقاً بالطلاق. والذي أراه والله أعلم، أنّ هذا الحكم ملزم للطرفين شرعاً كما هو ملزم لهما قانوناً وذلك للأدلّة التالية:
أ‌. أنّ عقد الزواج الذي تمّ بين الطرفين، إذا كان مستكملاً شروطه الشرعية الأساسية، فهو ملزم للزوجين، والله تعالى يقول: ( يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) [سورة المائدة، الآية 1]. ومقتضى العقد أن يخضع الطرفان لحكم القاضي في التطليق، فإذا رفض أحدهما فقد غدر بصاحبه، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يرفع لكلّ غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان) رواه الشيخان .
ب‌. أنّ أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية تجعل الطلاق أساساً بيد الرجل، لكنّها تجيز له أن يتنازل عن هذا الحق، ويفوّض زوجته أو غيرها بالطلاق. هذا رأي جمهور الفقهاء ولم يخالف في ذلك إلاّ الظاهرية. يقول الدكتور محمد مصطفى شلبي: (والطلاق ممّا يقبل الإنابة، فكما جاز له أن يوقعه، جاز أن ينيب عنه غيره في إيقاعه، سواء أكان ذلك الغير هو الزوجة أو شخصاً آخر) . والقوانين الأوروبية إجمالاً تجعل الطلاق بيد القاضي. وعندما يجري الرجل المسلم عقد زواجه وفق هذه القوانين، فهو يعلن صراحة التزامه بها، ومن ذلك جعل الطلاق بيد القاضي، وهذا يمكن اعتباره تفويضاً من الزوج وهو أمر جائز له. ولو قال قائل بأنّ هذا التفويض ليس صريحاً، فلا يُعمل به، قلنا إنّه على الأقلّ يعتبر عرفاً في المجتمعات الأوروبية. والقاعدة الفقهية أنّ (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) [المادة 43 من مجلّة الأحكام العدلية]. يقول الشيخ أحمد الزرقاء في شرح القواعد الفقهية – طبعة دار الغرب الإسلامي - : (في كلّ محلّ يعتبر ويراعى فيه شرعاً صريح الشرط المتعارف، وذلك بأن لا يكون مصادماً للنصّ بخصوصه، إذا تعارف الناس واعتادوا التعامل عليه بدون اشتراط صريح فهو مرعي، ويعتبر بمنـزلة الاشتراط الصريح) .
ت‌. ومعروف أنّ الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) يرى أنّ كلّ شرط لم يقم الدليل من النصّ على بطلانه يعتبر صحيحاً ويجب الوفاء به، وخاصّة ما كان منها مقروناً بعقد الزواج لقوله: (إنّ أحقّ الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج) [رواه الشيخان]. ولقوله           (المسلمون عند شروطهم، إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً) [رواه الترمذي وحسّنه]. ولقول عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) لمن شرط لزوجه أن يسكنها دارها، ثمّ أراد نقلها إلى داره، فتخاصما لدى عمر فقال: (لها شرطها. فقال الرجل: إذاً يطلّقننا. فأجابه عمر بتلك الكلمة الدستورية الخالدة مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت) [رواه البخاري   
فإذا كان الشرع يبيح اشتراط كلّ من الزوجين ما يراه لنفسه إلاّ ما نصّ على إبطاله الكتاب أو السنّة، ويكون الشرط ملزماً شرعاً. فإنّ رضاهما بإجراء العقد وفق القوانين الأوروبية يعتبر التزاماً بهذه القوانين، وتعتبر مواد هذه القوانين كأنّها شروط ملحقة بالزواج، وتخضع بالتالي لأحكام الشروط في العقود، والتي نرى فيها الرجوع إلى مذهب الإمام أحمد (رحمه الله)، باعتباره من المذاهب المعتمدة، وهو في هذا الباب أكثرها تيسيراً على المسلمين في أوروبة.
    ث‌. إنّ الزواج عقد لا يتمّ إلاّ باتفاق ورضا الطرفين. وقد انعقد الاتفاق على التحاكم إلى القانون الذي نشأ الزواج على أساسه. فالتزام أحكام القانون أصبح واجباً شرعاً بمقتضى العقد الذي التزما به، إذا لم يخالف نصاً شرعياً. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأصل العقود أنّ العبد لا يلزمه شيء إلاّ بالتزامه، أو بإلزام الشارع له. فما التزمه فهو ما عاهد عليه، فلا ينقض العهد ولا يغدر. وما أمره الشارع به فهو ممّا أوجب الله عليه أن يلتزمه وإن لم يلتزمه. ولهذا يذكر الله تعالى في كتابه هذا وهذا كقوله: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) [الآية 20 من سورة الرعد]. فما أمر الله به أن يوصل فهو إلزام من الله. وما عاهد عليه الإنسان فقد التزمه، فعليه أن يوفي بعهد الله، ولا ينقض الميثاق إذا لم يكن مخالفاً لكتاب الله) [الفتاوى، جـ 29 ص 341]. وحكم هذا القانون بجعل أمر الطلاق بيد القاضي لا يصادم نصاً شرعياً طالما أنّه يجوز شرعاً باتفاق الفقهاء أن يفوّض الرجل الطلاق إلى من يريد. فهو بالتالي جائز شرعاً، وحين يتمّ الزواج وفق القوانين الأوروبية يصبح الطلاق تلقائياً بيد القاضي، وهو جائز شرعاً بتفويض الزوج، وجائز من باب أولى إذا اتفق عليه الزوجان، أو فرضه القانون الذي تراضى عليه الزوجان. وحين يوافق الرجل على إعطاء حقّ الطلاق للقاضي بمقتضى عقد زواجه الأوروبي، فلا يجوز له بعد ذلك أن يرفض حكم القاضي لأنّ القاعدة الفقهية (إنّ من سعى في نقض ما تمّ من جهته، فسعيه مردود عليه) [المادة 100 من مجلّة الأحكام العدلية
        ج‌. إنّ عقد الزواج يوجب على طرفيه التزامات ذكرت فيه، أو في قانون الأحوال الشخصية. وإنّ الحكم القضائي لا يصدر عادة إلاّ بناءً لطلب أحد الزوجين. وهو يعطي هذا الطرف حقاً، ويوجب على الآخر التزاماً. فإذا رفض هذا الطرف القيام بالتزاماته المحدّدة بالعقد أو بالقانون اختلّ التوازن بين طرفي العقد، وأصبح التزام الطرف الآخر أمراً غير مقبول في كلّ القوانين والأعراف لأنّه يناقض العدالة. ولذلك أعطت الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية الطرف الثاني حقّ طلب إلغاء العقد إذا تخلّف الطرف الأول عن تنفيذ التزاماته بل وشرعت له المطالبة بالتعويض. فإمّا أن يلتزم الطرفان بموجبات العقد، وإمّا أن يلغى العقد. أمّا أن يفرض أحد الطرفين على الآخر ما يريد بإرادته المنفردة ودون أن يقبل الطرف الآخر بذلك، فهذا ينافي مقتضى العقد، ويؤدّي إلى إلغائه، والعقد كما هو معروف شريعة المتعاقدين، وهو توافق إرادتين. وقد تمّ هذا التوافق على عقد زواج خاضع لقانون معيّن، فلا يجوز لأحد الطرفين أن يرفض الخضوع لهذا القانون لأنّه عند ذلك يفرض على الطرف الآخر إرادته المنفردة، وهذا يناقض العقد.
فإذا طلبت الزوجة الطلاق وحكم به القاضي، فلا يجوز للزوج أن يتحجّج بأنّ طلاق القاضي غير شرعي، لأنّه بذلك يناقض العقد الذي تمّ على أساسه الزواج.
        ح‌. أنّ رفض هذا الحكم من جهة الزوج بحجّة الشرع يؤدّي إلى تناقض خطير لا يقرّه شرع ولا عقل، إذ يظلّ عقد الزواج قائماً بالنسبة للرجل ومنحلاً بالنسبة للمرأة، ويفسح المجال أمام الرجل للتعسّف في استعمال حقّه بالطلاق بحيث يؤدّي إلى مضارّة المرأة وهو الأمر الذي منعه النصّ القرآني بوضوح: (ولا تضارّوهنّ لتضيّقوا عليهنّ ..) [سورة الطلاق، الآية 6]. بل يؤدّي إلى مناقضة الشرع نفسه الذي يعتبر (الزواج عقداً مؤبّداً في الأصل ولكنّه قابل للانحلال) بينما يريد الرجل المتعسّف أن يحتفظ بالمرأة رغماً عنها حتّى وفاتها، طالما أنّه ليس هناك جهة شرعية قادرة على الحكم بالطلاق في زواج معقود وفق قانون أوروبي وبين طرفين أو أحدهما من جنسية أوروبية. فإذا كان الحكم القضائي الأوروبي غير مقبول عنده، وليس هناك أيّة إمكانية لصدور حكم شرعي، فقد أصبح هذا الزواج غير قابل للفسخ إلاّ بوفاة أحد الزوجين. وهذا مخالف للأحكام الشرعية المتعلّقة بالزواج وبالعقود، وهو مخالف لمقتضى العقل وبديهيّات الأمور، وهو يؤدّي إلى ضرر كبير يلحق بالمرأة. والشرع نهى عن إلحاق الضرر، والقاعدة الفقهية تقول: (لاضرر ولا ضرار) [المادة 19 من المجلة]. وهذا نصّ حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني، واتفق العلماء على صحّة معناه وجعلوه قاعدة فقهية مطردة. هذه القاعدة ليست مقيّدة إلاّ بما أذن به الشرع من الضرر (كما يقول الشيخ أحمد الزرقا في شرحه للقواعد الفقهية). والشرع لم يأذن بمضارّة المرأة وبقائها مقيّدة بزواج لم تعد تستطيع الوفاء بالتزاماته.
وقد ذكرت المجلّة ثلاث قواعد بشأن الضرر:
الأولى :  للنهي عن إيقاعه، وهي هذه القاعدة.
الثانية: لوجوب إزالته إذا وقع وهي (الضرر يزال) المادة 20
الثالثة: أنّ إزالته مطلوبة بقدر الإمكان وهي (الضرر يدفع بقدر الإمكان) [المادة 31
فإذا كان رفع الضرر عن المرأة – التي تزوّجت وفق قانون أوروبي – ولم تستطع إكمال حياتها الزوجية، وتعسّف زوجها فرفض طلاقها، وليس لها جهة شرعية إلزامية تشتكي لديها، ولم يعد ممكناً دفع هذا الضرر عنها إلاّ باعتبار الحكم القضائي الأوروبي، لكان ذلك واجباً شرعاً من قبيل إزالة الضرر حتّى ولو لم نأخذ بالأسباب الأخرى المذكورة آنفاً.
خ‌. تنفيذ أحكام القضاء – ولو كان غير إسلامي – جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد. يقول سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام: (ولو استولى الكفّار على إقليم، فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامّة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كلّه، جلباً للمصالح العامّة ودفعاً للمفاسد الشاملة. إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح العباد تعطيل المصالح العامّة وتحمّل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها ممّن هو أهل لها. وفي ذلك احتمال بعيد) ، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنّ تنفيذ هذه الأحكام القضائية ملزم قانوناً، وملزم شرعاً باعتبار العقد، ولا يتعارض مع أحكام الشريعة؟ )   انتهت الفتوى بنصها وهي من الوضوح بحيث لا تحتاج الى تعليق .
ويجب الاشارة هنا الى ان القانون المدني الأردني في قواعد الاسناد القانوني قد راعى مسألة القانون الواجب التطبيق وقد نصت المادة ( 14) على أن قانون الدولة التي ينتمي اليها الزوج هو الذي يجب مراعاته في مسائل الطلاق وقت وقوعه أو وقت رفع الدعوى به ما لم يكن أحدهما أردنيا فيسرس القانون الأردني  . 
كما أورد فتوى في نفس الموضوع  للشيخ عبدالله جديع – عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث- يبين فيها جواز أن يكون القاضي غير مسلم حال تعذر التقاضي الى المسلم يقول فيها :
( لا بد أولا أن يتم اللجوء إلى حكمين مسلمين أحدهما من طرف الزوج والآخر من طرف الزوجة، وإن كان ذلك بغير رضا الزوج، كما قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما)، وللحكمين أن يفرقا بينهما عندما يتعذر الإصلاح ، فإن تعذر، وكانت الزوجة يمكنها المطالبة بفسخ النكاح في بلاد فيها قضاء إسلامي فعليها أن لا تتجاوز ذلك، وهذا في علمنا ممكن في بعض الحالات خصوصاً إذا كان الزواج مسجلاً في بلاد إسلامية، والزوجة يمكنها القيام بذلك في تلك البلاد ولو بالوكالة ،  فإن لم يمكن ولم يكن أمام الزوجة إلا اللجوء إلى القضاء المدني في بلد إقامتها فلا مانع أن تلجأ إليه وإن كان القاضي ليس مسلماً، لأن إرغام الزوج على فسخ عقد النكاح لا يكون إلا من الحكمين أو ذي سلطان، ولما تعذر تحكيم حكمين وتعذر السلطان المسلم فلا مانع من أن يكون سلطاناً غير مسلم. وسبق للمجلس الأوربي قرار في ذلك في شأن تطليق القاضي غير المسلم )   .

اعتراض وجوابه
وقد يرد الاعتراض التالي على القول باعتماد حكم التطليق من غير المسلم وهو أن الزوج لم يتلفظ بالطلاق وأن المحكمة غير الاسلامية لا تملك أن تطلق عليه بالنيابة عنه لأنها لا ولاية لها عليه .
والجواب على ذلك أن هذا الاعتراض على فرض التسليم بفرضية الولاية وحكمها فهو اعتراض ناشئ من اعتبار أن تفريق القاضي هو طلاق بالنيابة عن الزوج ، وهذا  التكييف صحيح وفق واحد من منهجين للفقهاء في تكييف الفرقة التي يوقعها القاضي بين الزوجين ، أما المنهج الآخر فغير ذلك وهو يعتبر أن حكم القاضي انما هو فسخ لعقد الزواج وليس تطليقا على الزوج ، وهذا الفسخ ناتج عن الولاية العامة للقاضي في الدولة التي تمكنه من النظر في جميع العقود والتصرفات ، والزواج واحد منها ، ولا يتعلق الأمر بالنيابة الحكمية المجردة عن الزوج ، وهذ1 الرأي هو الذي يترجح لدي كما حققته من أقوال الفقهاء وأدلتهم   وهو قول الشافعية    والحنابلة   ، وبناء على هذا القول فلا حاجة أصلا الى وجود لفظ الطلاق سواء من قبل الزوج أو في حكم القاضي ويزول به الاشكال .
وينبغي التنبيه الى أن هذه الفروق والدقة التشريعية عند فقهاء المسلمين لا توجد عند غيرهم ، فالملل الأخرى لا تعرف مصطلحا للتفريق بين الزوجين سوى الطلاق بغض النظر عن الفروق في الحالات والآثار المترتبة على كل نوع ، ولأنهم في غالب قوانينهم لا يسمحون باجراء الطلاق الا من خلال حكم قضائي فالزوج عندهم لا يملك ايقاع الطلاق بل القاضي هو الذي يوقعه ، وسأعرض لمسألة الفسخ والطلاق باختصار كما يلي :
فرقة التطليق على الزوج
وهي الفرقة التي يتم الحكم بموجبها بتطليق الزوجة على زوجها ، وقد استخدم لفظ التطليق وليس الطلاق لأن هذه الفرقة على الحقيقة ليست طلاقا لأن الطلاق هو ما يلفظه الزوج ، واستعير الأمر هنا لأن هذه الفرقة تأخذ من الأحكام ما يتشابه وأحكام الطلاق الذي يتلفظ به الزوج .
وهو تطليق اعتباري حكمي على الزوج وهو عند الفقهاء تصرف في عقد النكاح( )
فرقة فسخ العقد
إن أهل العلم قد اتفقوا على أن الفسخ هو رفع لحكم العقد وإن جرى الخلاف بينهم بعد ذلك في إسناد الفسخ إلى اصل العقد أو إلى  وقت الفسخ ، وهذا يبين أن للفسخ معنى متفقا عليه وهو رفع حكم العقد ، وعليه فإننا يمكن أن نعرف فسخ عقد النكاح بأنه رفع لحكم عقد النكاح ، ونعني بحكم عقد النكاح ما يترتب على العقد من آثار بين المتعاقدين كالحل ووجوب النفقة والطاعة ، فإذا فسخ العقد ارتفعت هذه الأحكام ، أما الحكم بوقت ارتفاعها فيعود الفصل فيه إلى كل حالة بحسبها وذلك لعدم إمكان تعميم حكم واحد على جميع الحالات وعلى جميع العقود لأن سبب الفسخ قد يكون طارئا على العقد كردة أحد الزوجين ، وقد يكون مقارنا له كزواج المرأة من غير كفء لها دون موافقة وليها .ونعني بالرفع في التعريف الإزالة  .

وأما المسألة الثانية وهو القانون الواجب التطبيق فإن موضوعنا يتعلق بأمرين حالة التفريق ذاتها ثم ما يتبعها من حقوق مالية فأما الحقوق المالية فإن أمرها ميسور وذلك لأنها قابلة للصلح وما يقبل المصالحة فالتحكيم فيه  جائز عند الفقهاء ، وأما حالة التفريق ذاتها فإن في الأخذ برأي الفقهاء على اختلافهم لا نكاد نجد حالة من الحالات المتوقع بسببها طلب التفريق  إلا وقد ذكر الفقهاء جانبا منها ، كما أنهم تركوا مجالا واسعا في ما يسمى التفريق للضرر ، والتفريق مخالعة  ، كما فصلت فيه في بحثي في حالات التفريق بين الزوجين وأسبابها المعتبرة ، ولما وصلت له من نتيجة وهي أن حالات التفريق من القضايا الاجتهادية الخاضعة لقواعد الاجتهاد وأدلته الأصولية بمجموعها ويمكن التوسع فيها في مثل هذه الحالات رفعا للحرج عن الناس وخاصة المرأة التي تطلب الحفاظ على دينها في مجتمعات لا تدين  في الأصل بدين .
ولعل هذه الحلول يمكن أن تكون ناجعة في حالات عدم مخالفة الحكم الصادر من القاضي أو المحكم للنظام الشرعي العام ، إلا أن هناك حالات تبقى خارج إطار هذا الحل تتعلق بالحكم مثلا برفض الفرقة والحكم ببقاء العقد عند وجود ما يمنع ذلك شرعا كردة الزوج وكون المرأة محرمة على الزوج فمثل تلك الأحكام التي لا تقبل المصالحة ولا يجوز الاتفاق على خلافها لا يمكن القول بقبولها أو إلزام الزوجين بها ديانة  وعليهما أن يلتزما بالحكم الشرعي في ذلك ويبحثا عن الوسيلة الشرعية لحل الخلاف بينهما .
كما ينبغي أن يلاحظ أن هناك مجال فقهيا متعددا  في ما يسمى النظام الشرعي العام وذلك في الحالات التي ينص فيها الفقهاء على الحرمة فهي حالات في بعضها خاضعة للاجتهاد وغير متفق عليها بين الفقهاء ويمكن من خلال ذلك الاختلاف الفقهي  التوصل إلى فتوى من  أهل الاختصاص المطلعين على أحوال الجاليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة تتضمن الفتوى اختيارات فقهية تناسب أحوال أولئك المسلمين مراعية النصوص الشرعية وأقوال الفقهاء في تفسيرها وتعليلها .
ولكن يخشى أن نصل إلى مرحلة من تقرير الواقع الموجود من خلال إيجاد أحكام وفتاوى تخرج في بعض الأحيان عن ما هو متفق عليه بين العلماء في اجتهادات جديدة قد تكون بحاجة إلى رأي جماعي لما يترتب عليها من آثار عامة وأضرب لذلك مثالا :
اتفق الفقهاء على أن بقاء المسلمة تحت زوج غير مسلم أمر غير مشروع ولا بد من التفريق بين المسلمة وزوجها غير المسلم ، وقد واجهت هذه المسألة المسلمين وغير المسلمين في الخارج وذلك في حالات إسلام المرأة ورفض الزوج الإسلام مع استقرار حال الطرفين ووجود أولاد عندهما وأملاك مشتركة مما حدا بهم إلى السؤال عن إمكانية أن تبقى المرأة مع زوجها حتى لا يشكل ذلك عائقا أمام انتشار الإسلام بين النساء  وقد عرضت هذه المسألة على المجلس الأوروبي للإفتاء وقدمت عدة بحوث شرعية في ذلك من قبل مجموعة من العلماء نشرت مجموعها في مجلة المجلس في العدد الثاني ( ) وكان البحث الأميز من حيث الرأي المطروح فيه هو بحث الدكتور عبدالله الجديع بعنوان إسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه  ، فقد دون في خاتمة البحث النتائج التي توصل إليها ،ومنها أنه ليس في المسألة نص قاطع ، وليس فيها إجماع ، وأن مجرد اختلاف الدين الطارئ على العقد الصحيح لا يبطل العقد بيقين لعدم النص على ذلك  ولوجود الخلاف ، وأن إبطال العقد بين الزوجين لا يقع بمجرد الإسلام ، وانه لم يأت في سنة عملية واحدة أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين امرأة وزوجها لإسلام أحدهما وبقاء الآخر كافرا غير محارب ، وأن اختلاف الدين سبب لجواز التفريق وليس لإيجابه( ) .
وقد أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء في بيانه الختامي للدورة العادية الثامنة قرارا في هذه المسألة بعد الاطلاع على البحوث المقدمة والمنشورة في مجلة المجلس كما يلي( ) :
إذا أسلمت الزوجة وبقي الزوج على دينه فإن كان إسلامها قبل الدخول بها فتجب الفرقة حالا، وإذا كان إسلامها بعد الدخول وانقضت العدة فلها أن تنتظر إسلامه ولو طالت المدة فإن أسلم فهما على نكاحهما الأول دون حاجة إلى تجديد له .
وإذا اختارت الزوجة نكاح غير زوجها بعد انقضاء العدة فيلزمها طلب فسخ النكاح عن طريق القضاء .
(ولا يجوز للزوجة عند المذاهب الأربعة بعد انقضاء عدتها البقاء عند زوجها أو تمكينه من نفسها ، ويرى بعض العلماء أنه يجوز لها أن تمكث مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية إذا كان لا يضيرها في دينها وتطمع في إسلامه ، وذلك لعدم تنفير النساء من الدخول في الإسلام إذا علمن أنهن سيفارقن أزواجهن ويتركن أسرهن ، ويستندون في ذلك إلى قضاء عمر رضي الله عنه في تخيير المرأة في الحيرة التي أسلمت ولم يسلم زوجها ( إن شاءت فارقته وإن شاءت قرت عنده ) وهي رواية ثابتة عن يزيد بن عبدالله الخطمي ، كما يستندون إلى رأي علي رضي الله عنه إذا أسلمت النصرانية امرأة اليهودي أو النصراني كان أحق ببضعها لأن له عهدا ، وهي رواية ثابتة ، وثبت مثل هذا القول عن إبراهيم النخعي والشعبي و حماد بن أبي سليمان . )  
وبعد فهذا مثال سقته لتوضيح ما قد يمكن أن نجده من اجتهادات مختلفة حتى في القضايا التي يظن أنها لا تقبل مجالا للنظر والاجتهاد وأنها من المسلمات في قضايا الحل والحرمة في الأبضاع ليؤخذ بعين الاعتبار عند تقرير المسائل .
وهذا الرأي أقوله من باب الاتباع قدر الحاجة ، وإن كان الأصل أن يطالب المسلمون أن يحتكموا في أحوالهم الشخصية في البلاد غير الإسلامية إلى محاكم إسلامية تنشأ هناك ويعترف بها قانونا عملا بمبادئ الحرية في الاعتقاد ، وأسوة بما عليه العمل في الدول الإسلامية من إعطاء حق التقاضي لغير المسلمين في مسائل الأحوال الشخصية إلى محاكم دينية معترف بها وأحكامها واجبة النفاذ وتطبق أحكام دينهم كما يعتقدون ، وهذه المطالبات تنسجم مع ما يدعون اليه في دولهم من حرية الاعتقاد والتدين .
 

 
المبحث الثاني
حجية الأحكام الصادرة عن جهات غير قضائية في الدول غير الاسلامية
لقد تعرض بعض الفقهاء إلى بعض الحلول التي يمكن اللجوء إليها حال عدم قدرة الخصوم على التقاضي لدى قاض مسلم لأسباب متعددة ، وذلك من خلال اللجوء إلى جهة شرعية تعطى حكم القضاء عند فقده وتقوم مقامه .
وهذا الأمر ينطلق من فرضية فقد القضاء واقعا أو اعتبارا ، واقعا من حيث عدم وجود جهة قضائية حقيقة لأي سبب من الأسباب كالحروب والنزاعات ، واعتباريا حال وجود جهة قضائية لكنها غير معتبرة شرعا لفقدها شرطا من شروط صحة التولية أو لعدم اعتبارها لحكم الشرع في أحكامها .
وهذه الفرضية قد مر على ذكرها الفقهاء قديما وحديثا  ، ومن الحلول التي رتبوها لذلك أن يلجا الناس إلى شخص أو أكثر له صفات القاضي جائز التولية يسمونه المحكم ويقوم هذا الشخص بنفس أعمال القاضي المولى من سماع البينة وإصدار الأحكام و نفاذها وهو ما يسمى عند الفقهاء باللجوء إلى التحكيم
يقول الدكتورعبد الكريم زيدان إذا اختار الحاكم الكافر المتغلب على ديار المسلمين قاضيا غير مسلم للنظر في أقضية المسلمين (ففي هذه الأحوال يجب على المسلمين عدم رفع دعاواهم إلى هذا القاضي وإنما عليهم الالتجاء إلى التحكيم فيحكمون مسلما عدلا عالما بالشرع ليحكم في قضاياهم )  .
وهذا  حكم تكليفي تجب مراعاته من قبل المسلمين ديانة، حيث أن التحكيم الرضائي يخرج المسلمين أينما وجدوا من إشكالية وجود قاض غير مسلم أو قانون غير إسلامي ، إلا أن هذه الفكرة يعترضها عدة أمور سأعرضها بعد حين، وهذا الأمر دعا اليه بعض المعاصرين مثل الدكتور الميقاتي( ) والدكتور فيصل المولوي ( ) في حال وجود قانون مخالف للشرع يطبق في المحاكم فحين يسمح القانون للناس في عقودهم وتعاملاتهم أن يبرموا اتفاقا تحكيميا ويكون له صفة الإلزام بينهم فإنه يتوجب عليهم إبرام مثل هذه الاتفاقات للوصول إلى تحكيم الشريعة في شؤون الحياة ، وهو أمر ممكن وقابل للتطبيق في جوانب كثيرة تختلف بحسب قوانين التحكيم من دولة لأخرى ، يقول الدكتور الميقاتي : ( الاحتكام إلى الشريعة إن غاب عن التشريع والقانون في دولنا ، ينبغي ألا يغيب على المستوى التحكيمي الذي ترعاه قاعدة سلطان الإرادة وحرية المتحاكمين في اختيار القواعد الواجبة التطبيق إجرائياً وموضوعيا )  .
واللجوء الى التحكيم له حالتان ذكرهما الفقهاء هما :
الحالة الأولى :  المحكم الذي له ولاية كولاية القاضي ويستمد ولايته من توافق المسلمين.
وهذه الحالة صورتها أن يوجد مسلمون في منطقة معينة تخلو من قضاء اسلامي فيتوافقون فيما بينهم أو أكثرهم على اختيار جهة أو شخص  وتوليته  للنظر في نزاعاتهم في شأن من الشؤون ، ولذا فإن المحكم هنا غير المحكم الذي يختاره الطرفان اتفاقا ، بل يجوز أن يلجأ اليه أحد الأطراف وإن لم يقبل به الطرف الآخر .
وقد ورد عن الشافعية في بعض قضايا التفريق التي تتطلب رفع الأمر فيها إلى القاضي كما في التفريق للإعسار عن دفع النفقة أنه إن فقد القاضي وجب اللجوء إلى المحكم( ). 
هذا وقد أصل الجويني حكم المسألة حال شغور الزمان عن الوالي ذي الكفاية فإن الحل يكمن في تحكيم المجتهدين من العلماء ، ونفوذ أحكامهم فيما ينفذ فيه حكم القاضي والخلاف في نفوذ الأحكام حال وجود الإمام يصير مقطوعا به عند فقده( ) ، وقال الشربيني : (ولو خلا الزمان عن إمام رجع الناس إلى العلماء فإن كثر علماء الناحية فالمتبع أعلمهم فإن استووا وتنازعوا أقرع) .
والأحكام الصادرة عن هذه الجهة تأخذ من الحجية ما للأحكام الصادرة عن القاضي المسلم
 يقول الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء عن زوجين مسلمين يقيمان في السويد ، وقد أصدرت المحكمة السويدية حكماً بطلاقهما: (إن الطلاق الذي تحكم به المحكمة السويدية بين زوجين مسلمين مقيمين في السويد، وقد يكون أحدهما أو كلاهما سويدي الجنسية، هذا الطلاق ليس له مفعول شرعي، ويجب عرضه على محكمة شرعية رسمية في أي بلد من بلاد المسلمين، أو على الجهة الشرعية التي عقدت الزواج الشرعي في السويد، أو على الجهة الشرعية المعترف بها من قبل المسلمين في السويد بحكم الواقع. وعلى هذه الجهة الشرعية أن تبيّن ما إذا كان الطلاق الحاصل من قبل المحكمة السويدية نافذاً شرعاً، فتعلن ذلك للزوجين.
 وإذا كان هذا الطلاق الصادر عن المحكمة السويدية بناءً على طلب الزوج فإنه يعتبر نافذاً من تاريخ تلفّظ الزوج بالطلاق ، أو من تاريخ طلبه الطلاق من المحكمة. وليس للجهة الشرعية في السويد في هذه الحالة إلاّ أن تعلن وقوع الطلاق الشرعي بالتاريخ المشار إليه.
أما إذا كان الطلاق الحاصل من المحكمة السويدية بناءً على طلب الزوجة فإنه لا يكون له أي أثر شرعي إلاّ إذا وافق عليه الزوج.
  ويعتبر تاريخ الطلاق حاصلاً عند تاريخ موافقة الزوج عليه، وتبدأ عدّة الزوجة من هذا التاريخ. وإذا كان الزوج غير موافق على الطلاق ، ومصراًّ على بقاء الحياة الزوجية فيجب على الجهة الشرعية أن تدعو الطرفين للنظر في القضية. فإذا وافق الطرفان على تحكيم هذه الجهة فيكون حكمها نافذاً شرعاً وقانوناً. وإذا لم يحضر الزوج رغم دعوته، أو لم يعرف عنوانه، فبإمكان الجهة الشرعية التي تعتبر بمثابة القاضي الشرعي للضرورة، بإمكان هذه الجهة أن تقرّر التفريق بين الزوجين إذا تبيّن أن الزوج مضار، أي : أنه يريد عدم الطلاق إضراراً لزوجته رغم استحالة استمرار الحياة الزوجية. ويعتبر الطلاق في هذه الحالة حاصلاً بتاريخ صدور القرار من الجهة الشرعية، وليس بتاريخ صدور الحكم من المحكمة السويدية. كما يمكن للجهة الشرعية التفريق بين الزوجين إذا تبيّن لها استحالة استمرار الحياة الزوجية ولو لم يكن الزوج مضارا )   .

الحالة الثانية : التحكيم الاختياري
وهو التحكيم المصطلح عليه عند الفقهاء عند الاطلاق ويمكن تعريف التحكيم بما يلي :
التحكيم لغة( ) :
التحكيم لغة من كلمة أصلها حكم ، والتحكيم مصدر للفعل حكم ، وقيل حكمه في ماله تحكيما إذا جعل اليه الحكم فيه فاحتكم عليه في ذلك ، والحكم في اللغة كذلك بمعنى القضاء ، ويأتي بمعنى المنع ، قيل حكمت الرجل تحكيما إذا منعته عما يريد ، ولعل المعنى الأقرب في معاجم اللغة للمعنى الذي نريد هو جعل الحكم إلى جهة ما بمعنى تحكيمها ، وكذلك المنع ومنه المنع من الخصومة .
التحكيم اصطلاحا :
عرفت مجلة الأحكام العدلية التحكيم بأنه اتخاذ الخصمين شخصا آخر برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما( ) ، والتحكيم تدور فكرته على أشياء هي :
1- اتفاق وتراض من قبل الخصوم على الجهة الحاكمة .
2- جهة حاكمة .
3- موضوع التحكيم ، وهو الخصومة في موضوع ومجال ما .
4- نتيجة التحكيم وهو الحكم الصادر من الجهة المحكمة المنهي للخصومة المعروضة .
و إن أي تعريف يشمل هذه الأركان فإنه يفي بالغرض المراد ،حيث التدقيق اللفظي في التعريفات ليس مرادنا في هذا الأمر .
وقد عرفه د. إبراهيم حرب محيسن قائلا : (هو تولية الخصمين حكما بينهما للحكم فيما تنازعا فيه )  .
والفقهاء قديما عرفوا التحكيم بمفهومه اكثر من تعريفه بحده فنجدهم ذكروا في بداية أبواب التحكيم ما مثاله : (فلو حكم اثنان فأكثر بينهما شخصا صالحا للقضاء نفذ حكمه)

طريقة تعيين المحكم
المحكم له طريقان في التعيين :
الطريقة الأولى : أن يختار الطرفان المتنازعان المحكم بكامل رضاهما سواء كان فردا أو أشخاصاً متعددين ، وبعد اختيارهما له يعطى صفة الحكم ، ويباشر مهام عمله في حل الخصومة بينهما وهذا التعيين هو المشهور في باب التحكيم .
الطريقة الأخرى : أن يختار القاضي أو الحاكم الحكم ويرسل الخصومة له ، وهذا وان كان اسمه حكما إلا انه بهذه الصفة يأخذ صفة التولية الرسمية ممن له التولية إن كان مأذونا فيها، وهو بهذا يكون منابا عن القاضي أو الإمام الذي ولاه .
والمعنى المراد من التحكيم في اصطلاح الفقهاء هو الأول لانهم لما عرفوه ذكروا أن شرطه تولية الخصمين حاكما يحكم بينهما ، ومعنى التولية أن يستمد الحكم سلطته في الفصل بين  الخصمين منهما ، ولذا فانه لا بد من وجود هذه التولية ابتداءً ، ثم تحقق القبول من قبل الحكم ثانياً ، فالرضا عنصر متبادل بين الأطراف ثلاثتهما( ).

مجال التحكيم في مسائل التفريق بين الزوجين
الفرع الأول : مجال التحكيم في الفقه 
تعددت أقوال الفقهاء في جواز عرض الخصوم مسائل التفريق على غير القضاء من المحكمين على النحو الآتي :
القول الأول : يجوز نظر المحكمين في مسائل التفريق بين الزوجين ، واثبات الطلاق وحكمهم في ذلك كحكمهم في غيره من الأمور التي يجوز فيها التحكيم .
وقال بذلك من أهل العلم كل من الحنفية( ) و الشافعية( ) والحنابلة( ) .
ومن أمثلة ما ذكر الحنفية ، حكم المحكم في الطلاق المضاف فإنه ينفذ عندهم ، لكن لا يفتى به ، وذكروا مثالا على ذلك لو قال رجل لامرأته أنت علي حرام ونوى الطلاق دون الثلاث فحكما رجلين ، فحكم أحدهما بأنها بائن ، وحكم الآخر بأنها بائن بالثلاث لم يجز لأنهما لم يجتمعا على أمر واحد( ) .
و ضربوا مثالاً آخر  : في من مس صهرته بشهوة فانتشر لها ، فحكم الزوجان رجلا ليحكم بينهما بالحل على مذهب الشافعي فإنه يصير حكما بينهما ، لكن الصحيح عندهم أن حكم المحكم في مثل هذه لا ينفذ( ) .
القول الثاني : لا يجوز نظر المحكمين في مسائل التفريق أصالة ، وذهب إلى هذا الرأي من أهل العلم المالكية( ) ، أما ما ورد عنهم بخصوص التحكيم في الشقاق بين الزوجين فتوجيهه أن الأصل فيه أنه تحكيم في الصلح أصالة ثم بالطلاق تبعا ً .
الفرع الثاني : مجال التحكيم في القانون الأردني
التقنين الأردني بشقيه الشرعي والمدني اعتمد من حيث المبدأ التحكيم وسيلة من وسائل فض النزاع بين الأطراف المختلفة وهناك قانون خاص للتحكيم ولكنه مقتصر على المسائل الحقوقية التي يجوز فيها الصلح ( ) ، وأما ما يتعلق بموضوع الدراسة وهي قوانين الأحوال الشخصية فقد نص قانون الأحوال الشخصية الأردني على التحكيم في حالتين :
الحالة الأولى : حالة التفريق للشقاق والنزاع ( ) ولكن الصفة التحكيمية هنا تختلف عن التحكيم الفقهي المتعارف عليه وهي أقرب إلى التولية القضائية منها إلى التحكيم ، لأن القاضي هو الذي يعين الحكمين دون أن يكون للزوجين رأي في ذلك أو قرار باستثناء أن يتحرى القاضي في تعيين الحكمين أن يكونا من أهل الزوجين ، كما أن الحكمين عملهما مقتصر على مسائل محددة في قضايا التفريق للشقاق والنزاع ولا يباشران عملهما إلا بعد ثبوت الدعوى بالشقاق لدى القاضي ويعملان على المصالحة ما استطاعا أو التفريق على الشروط التي يريانها كما أنهما يقومان بتحديد نسبة إساءة كل من الزوجين للآخر ويصدران القرار بالتفريق بطلقة بائنة بعد ذلك ، وقرارهما هذا لا بد وأن يتم اعتماده من قبل القاضي ويصدر به حكم ليصبح نافذا وبعد أن يصدق من محكمة الاستئناف الشرعية ، ولذا فإن مجرد قرار الحكمين ليس له تلك الحجية ما لم يؤيد بحكم القاضي مع أن القاضي بحسب نص القانون لا يملك مخالفته إذا كان صادرا حسب الأصول ، واشترط القانون اتفاق الحكمين على القرار وفي حال الاختلاف يضيف القاضي إليهما ثالثا ليرجح رأي أحدهما دون أن يعيد الإجراءات المتخذة بحضورهما سابقا .
والملحظ الآخر أن حكم المحكمين هنا لا يعتبر ملزما واجب التنفيذ على الطرفين ولو صدر موافقا للأصول حيث يملك المدعي إسقاط الدعوى قبل صدور حكم القاضي باعتماد قرار الحكمين والحكم بمضمونه .
لكل ذلك فلا أرى أن هذه الحالة تنطبق على ما أراده الفقهاء من التحكيم ، ولعل هذه الحالة حالة تحكيمية خاصة لورود النص فيها في قوله تعالى : )وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) (النساء:35) .

الحالة الثانية: التحكيم في التفريق للخلع بعد الدخول( ) حيث اشترط القانون بعث حكمين ولكن الاسم هنا لا يشير إلى حقيقة المهمة الموكلة إليهما حيث نصت المادة عليها وهي موالاة مساعي الصلح بين الزوجين كما أن هذين الحكمين يعينهما القاضي وليس الزوج والزوجة  .

وأما قانون أصول المحاكمات الشرعية فقد أشار الى  حالة أخرى  وهي متعلقة بالتقديرات في بعض المسائل المتنازع عليها كتقدير النفقات للأصول والفروع والزوجات والأقارب وتقدير التعويض والديات غير المقدرة فقد أجاز القانون التحكيم في هذه المسائل في الدعاوى الشرعية ولكن تحت اشراف قضائي بحيث يتم التحكيم من خلال دعوى المطالبة المنظورة لدى القضاء وهذا الأمر قد جعله القانون حقا للطرفين المتنازعين بحيث لا يمكن للقاضي أن يتجاوز رغبة الطرفين في اختيار محكمين لتقدير ما يحتاج الى التقدير في حال رغبا في ذلك وقد رتب القانون على حدوث التجاوز ان وجد البطلان في الاجراءات وهو أمر مستقر قضاء وأشارت اليه المادة 84 من قانون أصول المحاكمات الشرعية الأردني ويأتي هذا الجواز باعتبار أن هذه التقديرات من الحقوق المالية التي يجوز فيها الصلح كسائر الحقوق الأخرى .

والقانون بذلك سار مع الإطار العام القانوني في الدولة وفي التشريعات الأخرى التي تتجه إلى اعتبار الحالة الشخصية للإنسان حالة خارج إطار الاتفاقات التحكيمية( ) لخصوصيتها وارتباطها بقضايا النظام العام التي لا بد وان تبقى منضبطة داخل إطار الجهاز القضائي ليفرض عليها رقابة قانونية و إجرائية مباشرة لتعدد آثارها على النسب والنسل والأسرة بشكل عام .
وهناك إشكالات قد تعترض التطبيق العملي لمبدأ التحكيم بشكل عام  بنوعيه المذكورين  ويمكن إجمالها في النقاط التالية:
1- إن الفقهاء اشترطوا في المحكم ما اشترطوا في القاضي من صفات وليس في مقدور الأفراد  الوصول  إلى شخص فيه هذه الصفات حيث لا يملكون وسائل التحري والتدقيق .
وان كان يمكن تجاوز ذلك بان يختار خيرة القوم من علمائهم أشخاصا معينين  يرشدون الناس إليهم يلجأ  لهم عامة الناس في التحكيم في الخصومات ، وهؤلاء المحكمين يهيئون أنفسهم لذلك الأمر من العلم والمعرفة وشرائط القضاء .
2- لا يحتاج الناس اللجوء إلى القضاء إلا في الخصومات والمنازعات ، ومن المعلوم فقها أن المحكم لا بد وأن يكون باختيار الفريقين لكي يكون حكمه ملزما، وعند الخصومة فإن المستفيد من النزاع قد لا يوافق على التحكيم ، فيتضرر الطرف الآخر لأجل ذلك .
وأما القول أن هذا المحكم هو محكم من نوع خاص بحيث لا يشترط في الترافع لديه موافقة الطرف الآخر فنقول أن ذلك لا يتم الا بتوافق المسلمين المقيمين في منطقة ما على اعطائه هذه الصفة ، ولا يأخذ هذه الصفة باختيار أفراد له فقط ، ولذا قد يتعذر في بعض المناطق وجود مثل هذا الاختيار والتفويض .
3- ثم إن المهم في عنصر اللجوء إلى القضاء هو تنفيذ الأحكام ، لأنه الثمرة المطلوبة، والمحكمون وان كانت أحكامهم ملزمة إلا أنهم لا أداة لديهم لتنفيذ الأحكام ولا سلطة لديهم لإلزام الآخرين بها ما لم تتأيد أحكامهم بقوة قانون الدولة الآمر بتنفيذها بعد عرضها على دوائر التنفيذ ، وهذا قد يتعذر إذا لم يقبل به قانون الدولة ونظامها .
4- والإشكالية الأخرى في حكم المحكمين على فرض الوصول اليه ، أنه إذا عرض على القضاء لغايات التنفيذ ،فان المحكمة المختصة وعلى فرض عدم الاعتراض عليه من قبل الطرفين تنظر في الحكم تدقيقا و إذا رأت أنه مخالف للنظام العام في الدولة فلا تنفذه ، و تقوم بإبطاله ، وكذلك فإن الدول عند تشريع قانون التحكيم تحدد موضوعات النزاع  التي يجوز التحكيم فيها والتي لا يجوز ، وما لا يجوز فانه يكون خاضعا للإبطال عند عرضه على القضاء( ) .ولذا فقد تختار بعض الدول عدم الاعتراف باجراءات التحكيم في بعض الموضوعات .
5- ومن الاعتراضات الواردة كذلك أن بعض الموضوعات لا يجوز التحكيم فيها عند بعض الفقهاء  كعدم جواز التحكيم في التفريق بين الزوجين عند المالكية( ) في غير حالة الشقاق ، وإذا كان موضوع النزاع مما يجوز فيه التحكيم فلا إشكال لكن الاختلال يكون في الشق الآخر الذي لا يجوز فيه التحكيم .
الا أنه ينبغي الاشارة الى أن كثيرا من المسلمين في العالم وخاصة في المناطق التي يكون لهم فيها وجود واضح أخذوا على عاتقهم ورعاية لدينهم وحفاظا على عقيدتهم في ترتيب أوضاع خاصة لهم يرجعوا اليها في حل مشكلاتهم وذلك من خلال بعض المراكز الاسلامية التي ينشؤونها أو المرجعيات الدينية كما أنهم يحاولون الحصول على اعتراف بهذه الأوضاع من الدولة وفق الأطر القانونية القائمة والمتاحة والتي تختلف من منطقة الى أخرى ، وإن من يريد من المسلمين أن يكون مسلما حقا فعليه أن يبذل جهده في أن يتوافق في أعماله وتصرفاته مع أحكام دينه ما استطاع لذلك سبيلا وخاصة اذا كان بالمقدور أن يفعل ذلك وأتيحت له الفرصة في هذا الشأن ، وتأكيدا لذلك فانني وفي زيارتي للولايات المتحدة الأمريكية مع مجموعة من القضاة في عام 2006م كنا قد التقينا بمجموعة من القانونيين والقضاة العاملين هناك ومع بعض القائمين على المراكز الاسلامية أو الذين يمثلون مصالح المسلمين من الناحية الدينية وهم من يسمون ( الأئمة )  وواحدهم امام فقد أعلمنا أن بعض القوانين في بعض الولايات الأمريكية تتيح للخصمين ان كانا مسلمين ورغبا في التحاكم امام (الامام) في مسائل الطلاق فإن المحاكم لا تمانع وترسلهما بشكل رسمي الى الامام ليحكم بينهم وفق دينهم ويرسل بحكمه الى المحكمة التي تعمل على اعتماده ويكون له من الحجية ما للأحكام القضائية الأخرى , وهذا إن وجد فإنه لا يدع حجة أمام المسلمين هناك .
 

علاقة التحكيم بالقضاء
هذا المطلب مهم في باب التحكيم في هذه الدراسة لأننا قد اعتبرنا أن التحكيم هو بديل للقضاء في بعض الحالات في بعض الظروف وحل يمكن اللجوء اليه من قبل المسلمين عند فقدهم للمرجعية القضائية الاسلامية ، لأننا عندما نصدر حكما شرعيا بالمنع مثلا فلا بد من بيان الحل الشرعي المقابل لها لتكون الفتوى كاملة فلا يصح أن نترك الناس دون بيان .
و لا بد في هذه الدراسة من بيان نوع العلاقة بين التحكيم و القضاء ، وللإلمام بهذه العلاقة سنبحث الأمر من الجهات التالية :
الجهة الأولى : التكييف الفقهي والقانوني الخاص بالتحكيم نسبة إلى القضاء
الجهة الثانية : صفة الأحكام الصادرة عن المحكمين
الجهة الثالثة : تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحكمين .
الجهة الأولى : التكييف الفقهي والقانوني للتحكيم
إن الناظر المدقق في طبيعة التحكيم ومفهومه لدى الفقهاء يلحظ أن الفقهاء جعلوه بمنزلة تولية الحاكم للقاضي ، وهي من باب الولايات إلا أنها ولاية خاصة في خصومة معينه بين خصوم محددين ، قال الطحاوي عن الحكم  ( هو بمنزلة القاضي )  ، وقال ابن الهمام (هذا أيضا من فروع القضاء )   يعني بذلك التحكيم ، ( والمحكم أحط رتبة من القاضي ) ، وقال: (لكل واحد من الحكمين أن يرجع ما لم يحكم عليهما ، لأنه مقلد من جهتهما إذ هما الموليان له فلهما عزله قبل أن يحكم  كما أن للسلطان أن يعزل القاضي قبل أن يحكم )  .
وقال الشربيني ( والمحكم لا ينفذ حكمه إلا على راض به قبل حكمه ، لأن رضا الخصمين هو المثبت للولاية )  ، وقال البهوتي: ( وان تحاكم شخصان إلى رجل للقضاء بينهما فحكم....فهو كحاكم الإمام)  .
وهذا التكييف هو من جهة الخصمين للمحكم فانها تولية من قبلهما في شأن يخصهما ، لذا فلا بد من رضاهما بذلك ثم قبول من الآخر ، والتحكيم كما يرى الدكتور قحطان الدوري هو عقد بين المتخاصمين ، والمحكم يحتاج إلى إيجاب منهما وقبول منه وهو عقد له سائر أحكام العقود من الشروط  الخاصة والعامة ( ).
ولكن ما صفة هذا العقد من جهة ارتباطه بين المتخاصمين والمحكم ،هل هو عقد لازم للطرفين أم غير لازم ؟، إن الجاري على قواعد الفقهاء في تولية الإمام للقاضي أن له عزله قبل تمام الحكم ( ) ،والمحكم له نفس الحكم من هذه الناحية عندهم ، لان ذلك في حق المحكم يعتبر من باب التعيين له ،وهو توكيل من قبلهما له ، لكن تبقى مسألة معالجة النفقات التي يكون قد تكبدها الحكم في إجراءات التحكيم .
أما صفة التحكيم بين الطرفين المتخاصمين فما حكم لزومه بينهما ؟ لقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال :
القول الأول :
إن عقد التحكيم لازم للطرفين من جهة و المحكم من جهة أخرى وذلك إذا بدأ بالحكم أي في حال انتهاء عملية التحكيم والبدء بالنطق بالحكم فمتى ما بدأ بالنطق بالحكم كان لازما لا يجوز للخصمين الرجوع فيه ولو اتفقا على ذلك  .
وذهب إلى هذا القول الحنفية( ) .
القول الثاني :
عقد التحكيم لازم للطرفين إذا أتم المحكم الحكم ، وقبل ذلك لا يلزم ، واستدامة الرضا بالتحكيم إلى تمام الحكم يعتبر من الشروط الواجب توفرها .
وذهب إلى هذا القول الشافعية( ) و هو وجه عند الحنابلة( ) .
القول الثالث :
عقد التحكيم لازم للطرفين إذا شرع المحكم في عملية التحكيم ، وقبل ذلك لا يلزم ، وذلك قياساً على التوكيل بعد التصرف فيما وكل الوكيل به .
وذهب إلى هذا القول المالكية في الراجح عندهم( )  و الحنابلة ( ).
و بعد استعراض الخلاف المذكور نحتاج إلى معرفة التكييف الفقهي للتحكيم فيما بين الطرفين المتخاصمين نفسيهما ، فهل اتفاقهما على عملية التحكيم وموضوعه واختيار الحكم يأخذ حكم العقد بينهما؟ أم هو اتفاق غير لازم لهما ؟ .
إن الفقهاء لم يتوسعوا كثيرا في تفصيل هذا الأمر بل أطلقوا الحديث في الأمر حال اتفاق الطرفين على تولية الحكم بعد حدوث النزاع ،  والبحث عن حل له ، أما قبل ذلك فلم يبحثه الفقهاء  ، بينما نجد في الفقه الحديث الاتجاه إلى بحث مسألة إنشاء عقد للتحكيم أو الاتفاق عليه عند إجراء عقد من العقود التي يحتمل أن يحدث فيها النزاع مستقبلاً ، فيلجأ الطرفان إلى الاتفاق على طريقة حل أي نزاع مستقبلي بواسطة الاتفاق على إحالة النزاع إلى محكمين وليس إلى القضاء ، وقد يقومان بالاتفاق على المرجع القانوني للتحكيم وهذا يحتاج إلى بحث فقهي في مدى إلزامية مثل هذا الاتفاق،  وهل يمكن اعتباره شرطا من شروط العقد ؟وما مدى صحة الشرط ؟ وما مدى تأثيره على العقد الأصلي ؟ ، وهل هذا الاتفاق يبطل حق الطرفين باللجوء إلى القضاء؟.
ولعل التفسير الفقهي للتحكيم لدى الفقهاء كما ذكرناه في الخلاف السابق والاتفاق على جواز الرجوع عن التحكيم قبل الشروع فيه ، يجعل أي اتفاق تحكيمي غير إلزامي ، ولا يصل هذا الاتفاق إلى درجة العقد الملزم عندهم ، وهذا نظر منهم للاتفاق التحكيمي على حدة دون نظر إلى ارتباطه بعقد آخر ، أو بجعله على شكل شرط من شروط العقد ، خاصة إذا علمنا أن الفقهاء باستثناء الحنابلة لا يتوسعون في قبول الشروط في العقود .  وهو عند الجميع بمثابة التوكيل قبل التصرف ويتفقون على أنه لازم بعد الحكم  ، وقد اعتبر الفقهاء حكم المحكم بمثابة عقد صلح بين  الطرفين لا يجوز لأحدهما الرجوع عنه .
وهناك اتجاه حديث يستند إلى أصل الشروط عند الحنابلة يجعل من الشرط التحكيمي في عقد من العقود شرطاً صحيحاً ملزماً للطرفين ما لم يحل حراما أو يحرم حلالا  .

الجهة الثانية : حكم المحكم
الحكم الذي يصدره المحكم في النزاع المعروض عليه يستند إلى تولية الخصمين له في النزاع ، ونريد في هذه السطور بيان العلاقة بين حكم المحكم وحكم القاضي وهل يأخذ حكم المحكم صفة قضائية من نوع ما أو لا ؟
لقد تطرق الفقهاء إلى هذا الأمر من خلال أمور مثل لزوم حكم المحكم وجواز نقض حكمه وهل يحتاج تنفيذه إلى حكم قضائي أم لا ؟ و تشير أقوال الفقهاء( ) إلى أن حكم المحكم يحتاج لإمضائه إلى قرار قضائي تنفيذي في الجملة ، وذلك لعدم وجود ولاية عامة أو سلطة لدى المحكم لإنفاذ ما حكم به مع أن القرار الصادر من المحكم له اعتبار عند الفقهاء ، وهذا الاعتبار هو الذي أدى إلى وجود الخلاف في مدى إلزام حكم المحكم للقاضي حال طلب الخصوم من القاضي النظر في الخصومة  مجدداً من حيث الموضوع ، و الخلاف في المسألة دائر في الآراء التالية :
القول الأول :
ليس للقاضي نقض حكم المحكم ولا إبطاله إلا أن يكون خطأ بينا ما لم يقيد المحكم بمذهب معين، فإذا خالف المذهب الذي قيد به لم يكن قراره ملزما ، وان لم يقيد يحكم بما يرى من أقوال أهل العلم ما لم يكن جورا بينا لم يحكم به أحد ، و ليس لواحد من الخصمين الرجوع عن الحكم قبل رفعه إلى القاضي ، واستدل أصحاب هذا القول بالقياس على حكم القاضي( ) .
وقد ذهب إلى هذا القول المالكية ( ) ، وقد أعطوا حكم المحكم صفة  حكم القاضي من  حيث الحجية ، والشافعية( ) ، والحنابلة( ) .
وبناء على ذلك فانه حال ورود حكم تحكيمي لدى الجهات القضائية فانها لا تملك أن تنقضه أو تبطله ما دام قد وقع تحت قول من أقوال الفقهاء وهو ما بعني اعتماده حجة كحكم ما لم يمنع مانع آخر من تنفيذه بحسب قانون التنفيذ المعمول به وهذا أمر آخر عندئذ .
القول الثاني :
حكم المحكم لا يجوز نقضه ولو تم الترافع أمام القضاء  ، إلا أن يكون المحكم خالف الحق كما يراه القاضي عنده و لا يتقيد القاضي عندئذ بما ذهب اليه المحكم أو بما اختاره من أقوال أهل العلم واجتهاداتهم ، وفي هذه الحالة ينقض الحكم ،ويحكم في المسألة وفق قانونه وذلك على وجه الجواز لا الوجوب ،  وذهب إلى هذا القول  الحنفية( ) .
وقد ذهب الحنفية إلى ابعد من ذلك في إجازة نقض حكم المحكم من قبل محكم آخر كذلك ، ودليلهم في الإبطال أن المحكم لا ولاية عامة له ،  وبالتالي فإن حكمه لا يلزم القاضي( ).
القول الثالث
ملخص هذا القول أن لكل واحد من الخصمين أن يبطل الحكم  قبل التنفيذ ، ولذا يشترط الرضا بالحكم ما لم ينفذ وذلك لاستمرار لزومه للخصمين ، وهذا لا يعطي حكم المحكم قبل تنفيذه أي اعتبار ،  وهذا الرأي منقول عن ابن شبرمة( ) .
وعلى الأقوال جميعها فإن حكم المحكم إذا اتصل بقضاء القاضي يكتسب قوة إلى قوته، ويصبح حكما قضائيا باتفاق ، لا ينقض إلا بما تنقض به الأحكام القضائية .
   ويلاحظ أن قول الجمهور هو الأقرب إلى  القواعد الداعية إلى اللزوم في حكم المحكمين للخصمين إذا صدر ، وبهذا اللزوم يأخذ صفة اعتبارية لا يجوز نقضها ما لم يكن في الحكم مخالفة واضحة مما يمكن أن يبطل بها الحكم القضائي ذاته . حيث لا يعقل أن يكون حكم  المحكم في درجة أعلى من حكم القاضي .
وعلى التصوير الفقهي لحكم المحكم انه حكم بالصلح بين الأطراف فان الصلح  إذا  تم بين الأطراف لزمهما ما لم يكن فيه إثما( ) .
كما أن هذا مبني على قاعدة هامة وهي أن الحكم يرفع الخلاف في المسألة المتنازع فيها وحيث أن الجمهور أعطوا حكم المحكم  هذه الصفة فقد رفع الخلاف عندهم بحيث لا يجوز نقضه بناء على اجتهاد جديد ( ) .
وهذا ما لم يقبل به الحنفية الذين لم يلزموا القاضي صاحب الولاية العامة باجتهاد من هو أدنى منه ولاية ، ولعل الحنفية من حرصهم على مذهبهم وأحكامه لم يسعهم قبول أحكام غيرهم ، وخاصة في المسائل المختلف فيها ، وقد بدا هذا واضحا في بعض النقولات عنهم، فقد أورد صاحب الفتح جواز استفتاء شافعي أو مالكي في مسائل  خلافية كحكمين فيها من حيث المبدأ ، لكن استدرك ذلك وقال : ولا يفتى به من خشية تجاسر العوام على هدم المذهب( ).
 الرابع : استقلال المرأة بالفسخ
أجاز الشافعية للمرأة في بعض الحالات عند عدم وجود القاضي أو المحكم وتعذر الوصول إليهما أن تستقل المرأة بفسخ عقد النكاح في بعض الحالات ونصوا على ذلك في حالة التفريق لعدم النفقة واشترطوا عليها أن تشهد على دعواها( ) ، قال الغزالي  :             ( ولا خلاف في أنه ينفذ ظاهرا- أي الفسخ - إذا لم يكن في الناحية حاكم أو عجزت- أي المرأة - عن الدفع( )– ) يعني إذا طلب منها مالا مقابل الرفع إلى القاضي ولم تقدر عليه أو لم يكن هناك قاض ترفع إليه أمرها أو من يقوم مقامه ، جاز لها أن تفسخ العقد إذا وجد سبب الفسخ و يتطلب منها ذلك أن تشهد على ما تفعل من وجود السبب وقرار الفسخ ، وهذه الحالة هي حالة استثنائية وليست من الأحكام السارية في ضمن الأحوال الطبيعية التي يكون فيها نظام الدولة مستقرا .
ولعل هذا الحل لا يستقيم و إلا اضطربت الأحوال ثم لا نكاد نتصور خلو الزمان عن حاكم أو محكم يلجأ له والله أعلم .
 

الخاتمة
الحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد
فانه وفي ختام هذا البحث الذي غايرت فيه طريقة الباحثين في العرض يمكن  أن اورد تلخيصا لما سبق على النحو الآتي :
-ان اشتراط أن يكون القاضي مسلما هو الأصل وهو حكم خاص بالتولية في بلاد المسلمين لأنه حكم تكليفي فرعي لا يكلف به ولاة الأمر غير المسلمين ممن يحكمون في العالم في الدول غير الاسلامية .
-ان المسلمين مكلفون ديانة بالتحاكم الى شرع الله أينما وجدوا وأينما وجدوا سبيلا لذلك لا يحل لأحد منهم أن يرتضي غير شرع الله حكما وعليهم أن يسعوا لذلك ما استطاعوا وبكل وسيلة ممكنة تضمن لهم حقوقهم ولا تلحق بهم ضررا وعليهم أن يفعلوا ذلك من باب الوجوب التكليفي .
-ان أوسع الأبواب للتحاكم الى شرع الله في البلاد التي لا تحكم بالاسلام هي اللجوء الى التحكيم الاختياري أو التحكيم الملزم المشترط في العقد والذي تتيحه كثير من قوانين الدول وعلى المسلمين القيام بذلك لتبرأ ذمتهم وأن يختاروا لذلك من هو أهل له من المسلمين ، وعليهم أن يبذلوا جهدهم في تنظيم شؤونهم بما لا يتعارض مع أحكام دينهم ولينظروا الى غيرهم من الملل كيف يبدون اهتماما بعقائدهم وكيف يجعلون لأنفسهم أوضاعا خاصة تحترمها الدول لتنظيم المسائل الدينية  ، يقول الشيخ المولوي : (وإذا لم يتفق الزوجان على إخضاع مفاعيل زواجهما الأوروبي للأحكام الشرعية أو إذا اتفقا ثمّ نقض أحدهما الاتفاق وادّعى أمام المحاكم الأوروبية طالباً الطلاق، فالزوج الآخر ملزم بالمثول أمام هذه المحاكم للمطالبة بحقوقه التي يكفلها له القانون، فإذا أثم الزوج الأول بطلبه التحاكم إلى القضاء الأوروبي، فإن الزوج الثاني لا يأثم لأنّه مضطرّ إلى ذلك بحكم العقد أو الجنسية أو الإقامة (  .
-في حال عدم القدرة على اللجوء الى التحكيم لأي سبب فلا بأس من باب الضرورة أن يلجأ المتضرر الى القضاء في تلك الدول وإن ما يصدر من أحكام يمكن اعتباره نافذا من هذا الباب على أن يراعي الخصوم أن يترتب على ذلك قدر الامكان ظلم لأحدهما من الآخر أو أن يكون في الحكم مخالفة واضحة لمعلوم من الدين ضرورة أو مما اتفق الفقهاء على تحريمه فان قضاء القاضي وإن كان مسلما لا يغير حقيقة الأشياء وأصلها فكيف بمن هو غير مسلم بل هما سواء .
-ان القول بنفاذ حكم القاضي غير المسلم هو قول ناشئ عن دليل بل أكثر كما أشار اليه أصحابه فيما أفتو به من عمل بمدأ الضرورة ورفع الضرر المستند الى أصل في الشريعة لا ينكر بعمومه فكيف اذا ورد به حكم خاص في ما نص القرآن عليه في جواز الاستشهاد بغير المسلم عند عدمه وكثير من الفقهاء رتب أحكام التولية في القضاء على أحكام الشهادة .
وإعمالا لما ذكره الفقهاء من نفاذ أحكام من تغلب على المسلمين من غيرهم وولى عليهم للقضاء من الفاسدين أو غير المسلمين وقد يكونوا أهل عدل في قضائهم المجرد خاصة أن التقنين هو السائد في الأنظمة القضائية الدولية .
-واما الاعتراض على المسألة بأمر ولاية غير المسلم على المسلم فهذا في الحكم العام مع أن النصوص التي يستند عليها في ذلك ليست نصا في موضوعها ولا قاطعة في الدلالة عليه اذ كيف يتصور القبول بأن ينصب غير المسلم في كثير من ادارات الدولة وهي نوع من الولاية وبعضها قد يكون أخطر من القضاء بينما يعترض أشد الاعتراض على المسألة في باب القضاء وربما هذا كان مرتبطا بمسألة أخرى وهي أن القاضي نائب عن السلطة الأعلى في الدولة التي يشترط الاسلام فيها بينما غير ذلك لا يحتمل معنى النيابة.
-ان فيما ذكره بعض الفقهاء من جواز أن تقوم المرأة بنفسها بحل عرى النكاح بحكم تصدره لنفسها أدعى للقول بجواز اعتماد حكم القاضي غير المسلم ما لم يخالف ما اجمعت عليه الأمة لأنه بقياس المصالح والمفاسد تبقى صورة التقاضي واجراءاتها أدعى الى العدل وأقرب اليه وأبعد عن التهمة والفوضى وان ما لا يدرك كله لا يترك جله .
هذا ونسأل الله أن يجزينا الخير على الخير وأن يغر كل زلة فما كان ما هو الا محاولة لتلمس الرأي في أقوال من سبق تم على عجالة وهي وجهات نظر مطروحة للنقاش والمداولة والعرض والتمحيص ليس الا فهذه هي طبيعة البحوث التي تقدم للمؤتمرات والندوات وهي لا تمثل رأيا نهائيا يمكن تعميمه ، وقد تعلمنا من الفقهاء وخاصة المحدثين الذين يشاركون في الندوات المخصصة لبحث مسألة فقهية أن يبذل أحدهم جهده في تمحيص ما يستطيع من أقوال وعلل ويأتي بها بحيث تظهر أحيانا وكأنها أقوال شاذة تستغرب من قائلها وما كان له ليفعل لولا أن يعلم أن هذا القول لن يخرج للعلن ويذهب في الآفاق قبل أن يتم التشاور حوله والنقاش بحيث يخرج بشكل آخر بعد التمحيص أو يتبنى من المجموع اذا وجدوا أنه قد وافق الدليل .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 
قائمة بالمراجع والمصادر

• الأحدب ، عبد الحميد ،( 2000مـ )، التحكيم بالصلح في الشرع الاسلامي ، بحث منشور في كتاب التحكيم المطلق في ضوء الشريعة والقانون _ المؤتمر الاسلامي الثاني للشريعة والقانون  ، ط 1 ، معهد طرابلس الجامعي ، لبنان .
• البغدادي ، الإمام أبو محمد بن غانم بن محمد ( 1987 م ) . مجمع الضمانات في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ، ( ط 1 ) . بيروت : عالم الكتب .
• البغوي ، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، (ت516هـ)، التهذيب في فقه الامام الشافعي ، ط1، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1997م .
• البناني ، عبد الرحمن بن جاد الله البناني المغربي،( ت 1198 هـ ) ، حاشية العلامة البناني على شرح الجلال شمس الدين محمد بن أحمد المحلي على متن جمع الجوامع للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي ، ضبط نصه وخرج آياته ، محمد عبد القادر شاهين . ( ط 1 ) ، بيروت : دار الكتب العلمية، ( 1998 م ) .
• البهوتي ، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي،( ت 1051 هـ ) ، كشاف القناع عـن متن الإقناع ، تحقيق هلال مصيلحي مصطفى هلال . بيروت : دار الفكر ، ( 1402هـ ) .
• ــ . الروض المربع شرح زاد المستنقع ، تحقيق ، عمـاد عامر . ( ط 1 )، القاهرة ، دار الحديث ( 1994 م ) .  
• ابن تيمية ، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني، (728هـ )،الفتاوى الكبرى، تحقيق عبدالرحمن النجدي ، مكتبة ابن تيمية .
• ــــ، نظرية العقد . بيروت ، دار المعرفة .
• الجبعي ، زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الجبعي المعروف بالشهيد الثاني،( ت566هـ )  ، الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية ،دار العالم الاسلامي .
• الجديع ، عبد الله ،اسلام المرأة وبقاء زوجها على دينه ، بحث منشور في مجلة المجلس الاوروبي للإفتاء والبحوث ،  العدد الثاني ، صفحة 113 _ 206
• الجرجاني الإمام علي بن محمد بن علي ، ( ت 816 هـ )، التعريفات . حققه إبراهيم الأبياري . ( ط 2 ) . بيروت دار الكتاب العربي ، (1992 ) .
• الجريدة الرسمية ، (1976م ) ، قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم 61 لسنة  1976، عمان ، الأردن .
• الجريدة الرسمية ، (2001 م ) ، قانون الأحوال الشخصية الأردني /قانون مؤقت معدل  رقم 82 لسنة  2001 ، عمان ، الأردن .
• الجريدة الرسمية ،( 1959م ) ، قانون أصول المحاكمات الشرعية /الأردني، رقم 31 لسنة 1959م ، عمان ، الأردن .
• الجريدة الرسمية  ، ( 1960م ) ،  قانون العقوبات الأردني رقم (16 ) لسنة     ( 1960م ).
• الجريدة الرسمية ، ( 1976م) ، القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة (1976م)
• ابن جزي . القوانين الفقهية . بيروت : دار القلم .
• الجصاص ، أحمد بن علي الرازي ( أبو بكر ) ، ( ت 370 هـ )   ،أحكام القرآن ، تحقيق محمد الصادق قمحاوي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، (1405 هـ ).
• جميل صليبا ، (1982م) ، المعجم الفلسفي ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني .
• الجويني ، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، (478هـ )      الاجتهاد من كتاب التلخيص ، تحقيق عبد الحميد أبو زنيد ، ط1 ، دمشق ، دار القلم ،  ( 1408هـ ) .
• ــــ . غياث الأمم في التياث الظلم (المعروف بالغياثي) ، ط1 بيروت ، دار الكتب العلمية ، (1997م) .
• الحصني ، (2001م) ، تقي الدين أبو بكر بن محمد الحسيني الدمشقي الشافعي،  كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار ، تحقيق كامل محمد عويضة ، بيروت ، دار الكتب العلمية .
• الحطاب ، محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حسن الرعيني المكي المشهور بالحطاب، (ت 954هـ)  ، مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل ، ط2،بيروت، دار الفكر ، (1398هـ ) .
• الحموي ، أحمد بن محمد الحنفي ،( ت 770 هـ )  ، غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر . ( ط 1 ) ، بيروت دار الكتب العلمية ( 1985 م ) .
• ابن حنبل ، الإمام أحمد بن حنبـل، ( ت 241 )  ، المسند . تحقيق عبد الله محمد الدرويش أبو الفداء الناقد ، ( ط 1 ) . دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ،   ( 1991 م ) .
• حيدر ، علي حيدر( 1991 م ) . درر الحكام شرح مجلة الأحكام ، تعريب المحامي فهمي الحسيني . ( ط 1 ) ، بيروت : دار الجيل .
• الخرشي ، محمد بن عبد الله، ( ت 1101 هـ )  ، شرح مختصر خليل ، دار الفكر .
• الخفيف ، علي الخفيف ، ( 1958م ) ، فرق الزواج في المذاهب الاسلامية بحث مقارن، معهد الدراسات العربية العالية .
• خلاف ، عبد الوهاب ( 1986 م ) . علم أصول الفقه . ( ط 20 ) ، دار القلم.
• داود  ، أحمد محمد علي داود، ( 1999م )، القرارات الاستئنافية في الأحوال الشخصية،ط1 عمان ، دار الثقافة ،
• ــــ، ( 2004 م) القرارات الاستئنافية في أصول المحاكمات الشرعية ومناهج الدعوى،ط1الإصدار الثاني،عمان  ، دار الثقافة .
• الدردير ، أبو البركات سيدي أحمد الدردير،( ت 1201 هـ ) ، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي عليه . دمشق : دار الفكر .
• الدريني ، محمد  فتحي ( 1981 - 1982 م ) . النظريات الفقهية . دمشق : مطبعة خالد بن الوليد .
• ــ ، ( 1994 م ) ، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله . ( ط 1 ) ، بيروت : مؤسسة الرسالة .
• الدسوقي ، شمس الدين محمد عرفة الدسوقي، ( ت 1230 )  ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأبي البركات أحمد الدردير ، تحقيق محمد عليش، بيروت، دار الفكر .
• الدسوقي ، إبراهيم الدسوقي أبو الليل ، (1994م) ، العقد غير اللازم دراسة مقارنة معمقة في الشريعة الاسلامية والقوانين الوضعية ، الكويت ، جامعة الكويت .
• الدمياطي ، أبو بكر ،  السيد البكري ابن السيد محمد شطا الدمياطي . حاشية إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين ، لزين الدين ابن عبد العزيز المليباري الفناني . بيروت :  دار الفكر.
• الدوري ، قحطان عبد الرحمن الدوري ،( 1985 م ) ، عقد التحكيم في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي،ط1، بغدا د ، مطبعة الخلود 1405هـ/.
• الزركشي ، أبو عبدالله  محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي ، ( ت 794 )  ، المنثور في القواعد الفقهية . نشر وزارة الأوقاف الكويتية .
• ـــ ،( 2000 م ) . البحر المحيط في أصول الفقه . تحقيق ، محمد محمد تامر .  ( ط 1 ) ، بيروت :  دار الكتب .
• ـــ ، ( 1405هـ ) ،  المنثور في القواعد ، تحقيق تيسير فائق أحمد ، ط2 ، الكويت ، وزارة الأوقاف.
• الزرقاني ، عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن محمد الزرقاني المصري ،       ( ت1099هـ)،   شرح الزرقاني على مختصر خليل ومعه الفتح الرباني فيما ذهل عنه الزرقاني وهو حاشية محمد بن الحسن بن مسعود البناني ،ط1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، (2002م ) .
• الزرقاني، محمد بن عبد الباقي أبو عبد الله ، ( ت1122هـ) ، شرح الزرقاني على موطأ الامام مالك ، ط1 ،بيروت ، دار الكتب العلمية ، ( 1411هـ ) .
• ــ ، ( 1996م ) ،  الفائق في غريب الحديث ، تحقيق : إبراهيم شمس الدين، ( ط 1 ) ، بيروت : دار الكتب العلمية ،
• الزعبي ، تيسير أحمد ( 1997 م ) . الجامع المتين للأنظمة والقوانين .        ( ط 1 ) ، عمان : المكتبة الوطنية .
• زيدان ، عبد الكريم  ( 1984 م ) . نظام القضاء في الشريعة الإسلامية . ط1، بغداد، مطبعة العاني  .
• السرخسي ، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل . (1406هـ ) ، المبسوط . بيروت – دار المعرفة ،.
• السرطاوي ، محمود علي ( 1997 م ) .شرح قانون الأحوال الشخصية  ، ط1، عمان، دار الفكر . 
• السغدي ، ( ت 461هـ ) ، علي بن الحسين بن محمد ، النتف في الفتاوى ، تحقيق صلاح الدين الناهي ، ط2 ، عمان ، مؤسسة الرسالة ،(1404هـ )
• السلمي ، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي( ت 660 هـ ) ، قواعد الأحكام في مصالح الأنام . بيروت : مؤسسة الريان ( 1990 ) .
• السمرقندي ، محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي، ( ت539 هـ )  ،  تحفة الفقهاء  ، ط1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ( 1405 هـ ) .
• الشاطبي ، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي ،  ( ت 790 هـ )   ،الموافقات في أصول الأحكام . علـق عليه ، الأستاذ الشيخ محمد حسنين مخلوف ، بيروت : دار الفكر .
• الشافعي ، أبو عبد الله محمد بن إدريس، (ت 204 هـ ) ، الأم ،( ط2 ) بيروت: دار المعرفة ،( 1393هـ )
• الشربيني ، شمس الدين محمد بن محمد الخطيب الشربيني ( 1994 م ) . الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع . تحقيق ، علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود ، قدم له محمد بكر إسماعيل . ( ط 1 ) ، بيروت : دار الكتب العلمية .  
• ــ . مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج  ، على متن المنهاج للإمام النووي . بيروت – دار الفكر .
• الشيرازي ، أبو اسحق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي،                ( ت 476 هـ ). المهذب في فقه الإمام الشافعي . بيروت ، دار الفكر .
• ــــ ، التنبيه في الفقه الشافعي ، تحقيق عماد الدين حيدر ، ط1 ،  بيروت، عالم الكتب ، ( 1403هـ ) .
• ابن ضويان ، إبراهيم بن محمد بن سالم، (ت1353هـ )  ، منار السبيل في شرح الدليل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل . تحقيق ، عصام القلعجي ،      ( ط 2 ) ، الرياض ، مكتبة المعارف ( 1405هـ ) .
• ابن عابدين ، محمد أمين ( 1386هـ ) . حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار المشهورة بحاشية ابن عابدين ، ط2 ، بيروت ، دار الفكر .
• العاملي ، زين الدين بن علي العاملي . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ، بيروت : دار العالم الإسلامي . 
• ابن عبد البر ، الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي، ( ت 463 هـ ) ، الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ مـن معاني الرأي والآثار ، وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار ، تحقيق ، حسان عبد المنان ، ود . محمود أحمد القيسية . ( ط 4 ) ، أبو ظبي : مؤسسة النداء ( 2003 ) .
• ــــ . الكافي في فقه أهل المدينة ، ( ط1 ) ، بيروت ، دار الكتب العلمية      (1407هـ ) .
• الغزّالي ، الإمام أبـو حـامـد محمد بن محمد بن محمد الغزّالي،               ( ت 505 هـ )  ، الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي ، ضبط وتصحيح خالد العطار  بيروت : دار الفكر ، ( 1994 ) .
• ابـن قدامـة ، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد، ( ت 620 هـ )،              المغني و الشرح الكبير . بيروت : دار الفكر ، ( 1414 ـ 1994 )
• ــ . المغني ( طبعة أخرى ) ، بيروت : دار الفكر ( 1405هـ ) .
• ــ . الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل ، تحقيق زهير الشاويش ،                  (ط5 )،بيروت، المكتب الإسلامي ، ( 1408هـ /1988م ) .
•  الكاساني ، الإمام أبو بكر علاء الدين مسعود بـن أحمد الكاساني(ت 587هـ).  بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، ط2 ، بيروت : دار الكتاب العربي ،       ( 1982م ).
• مولوي ، فيصل ، حكم تطليق القاضي غير المسلم ، بحث منشور في العدد الأول من المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ،  صفحة 75 - 88.
• ــــ ، التحكيم الشرعي في بلاد الغرب ، بحث منشور في العدد الثالث من المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ،  صفحة 195.
• الميقاتي ، رأفت الميقاتي ، ( 2000م) ،وجوب تحكيم الشريعة الاسلامية ووسائله ، بحث منشور في كتاب التحكيم المطلق في ضوء الشريعة والقانون _ المؤتمر الاسلامي الثاني للشريعة والقانون ، ط 1 ، معهد طرابلس الجامعي،  لبنان .
• ابن النجار ، تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي، (ت972هـ) ، منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات ، تحقيق عبدالله بن عبدالمحسن التركي ، ط1 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، ( 2000م ) .
• نجم ، محمد صبحي نجم (1991م) ، الوجيزفي قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني ،  ط1 ، عمان ، دار الثقافة للنشر والتوزيع.
• ابن نجيم ، زين الدين بن إبراهيم بن محمد  الحنفي، ( ت 970 هـ ) ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق . بيروت : دار المعرفة .
•  ــ . الأشبـاه والنظائر ، تحقيق محمد مطيع الحافظ ، تصوير ( 1986 عن ط 1 ) ، دمشق : دار الفكر ، ( 1983 م ) .
• ابن الهمام ، الإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد  الإسكندري،                ( ت 681هـ)  ،  التحريـر في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية ، بيروت : دار الكتب العلمية .
• ــ .  شرح فتح القدير ، ط2 ، بيروت ، دار الفكر .

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2014 عدد الزوار: 1348640