... / القانون الدولي / وسائل تسوية المنازعات في إطار جامعة الدول العربية
وسائل تسوية المنازعات في إطار جامعة الدول العربية
أرسل لصديق طباعه

وسائل تسوية المنازعات في إطار جامعة الدول العربية

تقديم :
يعد مبدأ التسوية السلمية للمنازعات أحد المبادئ الأساسية التي انبنى عليها التنظيم الدولي الحديث، وعلى وجه التحديد منذ انعقاد مؤتمري السلام عامي 1899 و1907، فمع انتشار ظاهرة التنظيم الدولي خلال الفترة الموالية للمؤتمرين سالفي الذكر اكتسبت قضايا المحافظة على السلام والأمن والتسوية السلمية للمنازعات أهمية خاصة ، إذ أصبحت من بين المقاصد الأولى لأية منظمة دولية ، كما توفرت القناعة لدى المهتمين بأمور التنظيم الدولي بأن وجود أي نظام قوي وفعال يختص بوظيفة التسوية السلمية للمنازعات يعتبر أحد المقومات الموضوعية المهمة التي تستند إليها المنظمات الدولية عموما في مجال الاضطلاع بالمهام المنوطة بها .
وجامعة الدول العربية هي إحدى المنظمات الدولية الإقليمية التي أكدت في ميثاقها على عدم استخدام القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة، وقد تقرر هذا التوجه أيضا في معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي صادق عليها مجلس الجامعة في أبريل 1950 ، ودخلت حيز التنفيذ سنة 1952 في مادتها الأولى بالحرص على دوام الأمن والاستقرار وفض المنازعات بين الأعضاء بالطرق السلمية .
فماهي يا ترى الوسائل المتاحة لجامعة الدول العربية لتسوية المنازعات؟ و إلى أي حد نجحت هذه الوسائل في تحقيق التسوية السلمية ؟
إذا كان من الممكن أن يتخذ هذين السؤالين كأساس لهذه الدراسة، فإنه مع ذلك لن يكفي لمعرفة الأسباب التي تساعد أو تحد من قدرة الجامعة على تسوية المنازعات التي تثور بين أعضائها ، لذلك ارتأينا أن يكون تصميم هذه الدراسة مقسما على الشكل التالي:
الفصل الأول : وسائل تسوية المنازعات في إطار جامعة الدول العربية .
المبحث الأول : الوسائل المنصوص عليها في الميثاق.
المبحث الثاني : الوسائل غير الواردة في الميثاق.
الفصل الثاني : جامعة الدول العربية وتسوية المنازعات العربية – النجاح و الفشل .
المبحث الأول : عن النجاح .
المبحث الثاني : عن الفشل .
الفصل الأول : وسائل تسوية المنازعات في إطار جامعة الدول العربية :
إن التسوية السلمية للمنازعات وعدم استخدام القوة والتهديد بها ، أو استخدامها أصبحت من الأمور المستقرة في فقه القانون الدولي العام ، و من المبادئ الأساسية الراسخة التي تحكم العلاقات الدولية .
وإن اضطلاع المنظمات الدولية بتسوية المنازعات التي قد تحدث بين الدول المنخرطة في عضويتها أمر منطقي و ضروري ، بل يعد ذلك وظيفة جوهرية لعمل هذه المنظمات.
فميثاق الأمم المتحدة أكد في المادة الثالثة والثلاثون على ضرورة حل أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر، أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريقة المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية...
ويبدو من ذلك أن هناك العديد من الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتسوية المنازعات ، فهناك:
ـ وسائل التسوية السياسية والدبلوماسية .
ـ وسائل ذات الصبغة القانونية أو القضائية.
وبطبيعة الحال، فإن عملية اللجوء إلى أحد هذه الوسائل تخضع لرغبة وإدارة الأطراف المتنازعة ، وتفضيلهم وسيلة على أخرى .
والملاحظ أنه عند إنشاء جامعة الدول العربية تباينت الآراء ما بين الداعي للالتزام بالأحكام القضائية من خلال التحكيم ( العراق ومصر ) ، وبين المطالبين بالحفاظ على سيادة الدول الأعضاء وعدم المساس بهذه السيادة ( لبنان) ، لذا جاء الميثاق كحالة توفيقية لهذا الاختلاف ، بل يمكن القول أنه انحاز للرؤية الثانية .
لذلك جاءت المادة الخامسة من الميثاق متناولة مسألة حل الخلافات بين الدول الأعضاء وسبل تسويتها سلميا مع تأكيدها على عدم الالتجاء للقوة لفض المنازعات بين دول الجامعة ، أكثر تواضعا من نص المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة ومن منظمة الوحدة الإفريقية . فقد اقتصرت هذه المادة على ذكر وسيلتين هما الوساطة والتحكيم ، مع الإشارة إلى أن الجامعة قد استحدثت وسائل أخرى للتسوية السلمية للمنازعات.
المبحث الأول : الوسائل المنصوص عليها في الميثاق .
كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، فإن ميثاق جامعة الدول العربية وخصوصا المادة الخامسة ، اقتصر على ذكر وسيلتين هما الوساطة و التحكيم، كما أن معاهدة الدفاع المشترك و التعاون الاقتصادي لم تتلافى النقص المشار إليه في الميثاق :
1- الوساطة: اقتصر ميثاق جامعة الدول العربية على ذكر وسيلة سياسية و دبلوماسية واحدة تتيح تدخل مجلس الجامعة في فض المنازعات بطريقة سلمية متمثلة في الوساطة ، مع ملاحظة أن الميثاق قد ربط مسألة إجراء الوساطة بالخلافات التي يمكن أن تتطور و تؤدي إلى نزاع مسلح أو يستشف منها إمكانية أن تؤدي إلى نشوب حرب بين الأطراف المتنازعة .
و نستنتج من هذا ، أن أي وساطة في أي نزاع عربي تقع من خارج المجلس لا تعتبر من قبيل الوساطة التي تقوم بها الجامعة ، و إنما هي وساطة عربية.
و قد اشترط الميثاق في الوساطة التي تقوم بها الجامعة أن تكون مقتصرة على المنازعات التي يخشى منها وقوع حرب بين دولتين عربيتين ، وهذا أمر يمكن أن يؤخد ـ بطبيعة الحال ـ على واضعي الميثاق ، إذ أن المفترض في وظيفة المنظمة الدولية أنها " وظيفة وقائية" ، بمعنى أنها لا يجب أن تنتظر حتى يخشى من تصاعد نزاع ما ثم يتحول إلى حرب.
ناهيك على أن الوساطة التي تحدث عنها الميثاق تتسم بسمة أساسية ، وهي أن النتيجة التي تصل إليها ليست بالضرورة ملزمة.
فالوساطة تظل في النهاية مبادرة ودية يقوم بها المجلس بغية الوصول إلى حلول مرضية للأطراف المتنازعة ، وفي أمور لا تخص مسألة استقلال الدول أو سلامة أراضيها أو سيادتها .
وهذا بدوره يطرح تساؤلا عريضا ، ماذا لو قبلت الأطراف المتنازعة اللجوء إلى مجلس الجامعة العربية في أمور يحق للمجلس بموجبها اتخاذ قرار ملزم ولم يطبق أحد الأطراف نتائج الوساطة ؟ خاصة في ظل غياب نص صريح يعالج مثل هذه الأمور.
إن ذلك ولا شك يساهم في إضعاف فعالية نظام التسوية السلمية للمنازعات التي تقوم بها الجامعة العربية ، وقد بحث مجلس الجامعة في العديد من الخلافات العربية / العربية، وخاصة في مسألة الحدود ، فقد نظر في النزاع العراقي الكويتي سنة 1961 ، النزاع المصري السوداني ، النزاع بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي ، والنزاع الحدودي بين المغرب والجزائر .
وعموما ، يمكن القول أن الوساطة ( كوسيلة سياسية ودبلوماسية) يتوقف نجاحها على العديد من الاعتبارات أهمها : موقف الأطراف المتنازعة ، رغبتها في تدخل مجلس الجامعة ، طبيعة النزاع ودرجة خطورته ، التأثيرات الخارجية وغيرها.
2- التحكيم : يظهر من خلال قراءة نص المادة الخامسة من ميثاق جامعة الدول العربية أنها أشارت إلى جانب الوساطة كوسيلة سياسية إلى التحكيم كوسيلة قضائية مع تأكيدها على التحكيم الاختياري و ليس الإجباري، و هذا يعني أن المسألة تظل مرهونة برغبة و إرادة الأطراف المتنازعة، فلا يحق لمجلس الجامعة القيام بمهمة التحكيم بدون رضى الأطراف المعنية بنزاع أو خلاف ما بغض النظر عن درجة خطورة هذا النزاع و طبيعته .
إن تحديد الإطار السابق يساهم في إضعاف دور الجامعة العربية في هذا المجال ، كما أن غياب أية إشارة في الميثاق إلى طبيعة الجزاء الذي يمكن أن يترتب على الأطراف التي قبلت التحكيم ثم رفضت الالتزام بقراراته .
و لذلك يعد الطابع الاختياري الذي تمسكت به الدول العربية عند تأسيسها للجامعة العربية خوفا على استقلالها و سيادتها الوطنية (الموقف اللبناني ) من جهة، ثم تخويل جهاز سياسي- وهو مجلس الجامعة- القيام بمهمة التحكيم وليس جهازا قضائيا ، دفع بالبعض إلى رفض فكرة التحكيم الإلزامي (الموقف العراقي) معتبرا أن القيام بهذه المهمة من قبل مجلس الجامعة سيخلق وضعا خطيرا يهدد تركيب الجامعة بصفة شاملة.
المبحث الثاني : الوسائل الغير المنصوص عليها في الميثاق .
شهد مجلس جامعة الدول العربية تطورا بالنسبة لدوره في مجال تسوية المنازعات العربية ، وذلك على مستوى استخدام أساليب جديدة خارج الإطار الضيق الذي حدده الميثاق في الوسيلتين السابقتين أي الوساطة والتحكيم الاختياري ، فقد استعان المجلس بالعديد من الوسائل و"التكتيكات"، فلجأ في المنازعات المختلفة التي عرضت عليه إلى المساعي الحميدة والمصالحة والتحقيق وبعثات تقصي الحقائق .
كما اعتمد المجلس أسلوب الفصل بين الأطراف المتنازعة من خلال إرسال قوات عربية مشتركة، وقد حدث ذلك مرتين في تاريخ الجامعة : الأولى كانت أثناء النزاع العراقي الكويتي سنة 1961، حيث عرفت القوات التي أرسلت إلى الكويت باسم " قوات الطوارئ العربية" أو" قوات الجامعة العربية".
والمرة الثانية كانت أثناء أزمة الحرب الأهلية اللبنانية، حيث عرفت القوات التي أرسلت باسم " قوات أمن الجامعة العربية" أو "القوات العربية الرمزية" إلى أن تم تعزيزها فعرفت بقوات الردع العربية .
إلا أن أهم وسائل تسوية المنازعات العربية غير الواردة في الميثاق تتمحور حول جهازين رئيسيين : الأمين العام ، ودور دبلوماسية مؤتمرات القمة.
الفقرة الأولى : الدور السياسي للأمين العام في تسوية المنازعات العربية.
تتحدد وظيفة الأمين العام لجامعة الدول العربية في ضوء النصوص الواردة في ميثاق الجامعة و في الأنظمة الداخلية لكل من مجلس الجامعة و أمانتها العامة، غير أنه في ضوء ما جرى به العمل فعلا يمكن أن نستنتج أن وظيفة الأمين العام قد شهدت تطورا كبيرا و بصفة خاصة دوره السياسي بالنسبة لكافة القضايا العربية تحت ضغط الظروف التي أحاطت بالجامعة و التي تعرضت لها.
و قد استند الأمين العام في قيامه بدور سياسي رئيسي في مجال تسوية المنازعات العربية والوساطة بين الأطراف العربية المتنازعة إلى تزايد اهتمام الجامعة - وبصفة خاصة المجلس ـ بمنصب الأمين العام ، والاقتناع بأهمية هذا المنصب ، باعتباره أحد العوامل الفاعلة في إدارة مختلف المنازعات العربية المحلية بشكل إيجابي. كما استند الأمين العام إلى مجموعة النصوص الواردة في النظام الداخلي لكل من مجلس الجامعة والأمانة العامة وفي مقدمتها المادتين 20 و21 من نظام المجلس الداخلي .
وقد تزايد دور الأمين العام بدرجة ملحوظة مما أدى إلى اعتماد المجلس عليه في القيام بمهام الوساطة والتوفيق وبدل المساعي الحميدة ، وقد بلغ هذا الاعتماد من طرف المجلس على الأمين العام حدا كبيرا ، إذ كان يعهد إليه كليا بالقيام بدور الوسيط في الكثير من الحالات ، كما أن الأمين العام كثيرا ما يقوم بجهوده التوفيقية بين أطراف النزاع حتى قبل تكليف المجلس له ، وقيام الأمين العام بذلك يمثل ضرورة تفرضها مقتضيات وظيفته ، فلكي يتسنى له مثلا توجيه نظر مجلس الجامعة أو الدول الأعضاء إلى أية مسألة تسيء إلى العلاقات القائمة بينها ، يتعين عليه بادئ ذي بدء أن يلم بالقدر الكافي بحقائق الموقف موضوع النزاع . ولم يتردد مجلس الجامعة في الترحيب في دوراته العادية بالجهود التي يقوم بها الأمين العام بالوساطة بين أطراف نزاع ما على امتداد الساحة العربية ، وكثيرا ما كان يطلب منه الاستمرار في بدل تلك الجهود .
وقد حدث ذلك على سبيل المثال بالنسبة لأزمة الحدود بين اليمن الشمالية واليمن الجنوبية سنة 1972 ، حيث أصدر المجلس قرارا بأن يستمر الأمين العام في مجهوداته من أجل تحقيق مصالحة الدولتين وبمساعدة لجنة خاصة مكونة من ممثلي بعض الدول الأعضاء .
وفي الحرب الأهلية اللبنانية لم يتردد الأمين العام في بدل مساعيه لدى الأطراف المتنازعة منذ اللحظة الأولى لنشوب القتال ، و قد رحب المجلس في دورته العادية الثالثة و الستين بالجهود التي كان يبذلها الأمين العام في هذا الشأن.
كذلك من الأدوار الرئيسية التي اضطلع بها الأمين العام بتكليف من المجلس دوره في أزمة الكويت عام 1961 ، فقد قام الأمين العام ( عبد الخالق حسونة ) بدور ملحوظ في تلك الأزمة و بصفة خاصة فيما كان يتصل بإنشاء و إرسال قوات حفظ السلام العربية التي صدر بشأنها قرار المجلس .
على أن تعاظم دور الأمين العام في مجال تسوية المنازعات العربية المحلية قد برز بوضوح شديد في حالة نزاع الحدود بين المغرب والجزائر سنة 1963 ، فبعدما تدهور الموقف بين الطرفين بادر الأمين العام بدعوة مجلس الجامعة للإنعقاد في دورة غير عادية لبحث هذا النزاع.
ولا شك أنه إذا كانت مبادرة الأمين العام بدعوة مجلس الجامعة للإنعقاد في دورة استثنائية لبحث النزاع المغربي الجزائري ، قد جاءت بالأساس انطلاقا من النص الذي تقرره المادة 20 من النظام الداخلي للمجلس ، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها الأمين العام لاستخدام حقه بمقتضى هذه المادة ، إلا أن ما يميز مبادرة الأمين العام هذه استحداث أسلوب تدخل على النحو الذي تم به وإن كان لم يحقق النجاح المرجو ، وكانت هذه سابقة تبنتها الأمانة العامة لنفسها توسيعا لإمكاناتها لدعوة المجلس للانعقاد .
وعلى العموم لعبت شخصية الأمين العام دورا سياسيا في تطوير كفاءة الجامعة في التعامل مع المنازعات العربية ، ففي كثير من الحالات قام الأمين العام بدور الوساطة والتحقيق والاتصال بأطراف النزاع حتى قبل صدور تكليف رسمي من المجلس . وهذه النتيجة تؤيدها الدراسة السلوكية التي قدمها الأستاذ " ارنيس هاس " وزملاؤه حول إدارة الصراع في المنظمات الإقليمية ومنها جامعة الدول العربية ، وقد انتهت هذه الدراسة إلى أن الجامعة تتميز بمركزية دور الأمين العام في تسوية المنازعات ، حيث تمت تسوية حالة واحدة فقط بدون تدخل فعال للأمين العام وهي حالة النزاع بين لبنان والجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 ، كما أن الأمانة العامة قامت بمجهودات توفيقية في تسوية بعض المنازعات العربية في مهدها قبل أن تنفجر و تعلن على الملأ .
و على الرغم من الظروف الموضوعية التي كانت وراء تعاظم الدور السياسي للأمين العام على صعيد تسوية الخلافات و المنازعات العربية، فان هذا الدور المتعاظم كثيرا ما يتعرض للنقد من جانب بعض الدول الأعضاء و هي ظاهرة تعود في الواقع إلى السنوات الأولى لقيام الجامعة، كما أنها ليست مقتصرة على أمين عام جامعة الدول العربية، بل نكاد نجدها في أغلب المنظمات الدولية .
الفقرة الثانية : دور دبلوماسية مؤتمرات القمة العربية في تسوية المنازعات العربية :
إن الاجتماعات الدورية لرؤساء الدول والحكومات العربية لها فائدتها في التسوية السلمية للمنازعات التي قد تنشأ بين الدول العربية لأن في ذلك فرصة للقاء الزعماء والقيادات العربية، ويعني حضور الأطراف المتنازعة جلسات مؤتمر القمة أنه قد تتاح الفرصة المناسبة للمساعدة عن طريق طرف ثالث مستعد لتقريب وجهتي نظر الأطراف المتنازعة ، حيث إن مناخ عقد مؤتمرات القمة قد تتهيأ فيه الفرصة لمباشرة الدبلوماسية الشخصية لرؤساء الدول ، ولذلك نجد أن لمؤتمر القمة دوره الفاعل في التسوية السلمية للمنازعات ، خاصة إذا كان طرفا النزاع حاضرين في المؤتمر، و في حالة تعذر جمع طرفي النزاع يحتاج الأمر إلى طرف ثالث لمحاولة الوصول إلى تسوية .
وهكذا فجامعة الدول العربية استحدثت دبلوماسية القمة العربية كإحدى أدوات تسوية المنازعات العربية، معبرة بذلك عن قدرة الجامعة على التكيف مع الظروف الجديدة ، وقد لعبت اجتماعات رؤساء وملوك الدول العربية دورا محوريا في تسوية المنازعات من خلال صورتين :
الصورة الأولى : أن تخلق اجتماعات القمة المناخ المناسب للتفاهم بين رؤساء الدول الأطراف المتنازعة، حتى وإن لم يكن الهدف من الاجتماع هو تسوية النزاع ،وعلى سبيل المثال فقد مهد اجتماع القمة العربية الأول عام 1964 إلى لقاء مصري سعودي لتسوية الأزمة اليمنية ، ولقاء جزائري مغربي لتسوية الأزمة بين الدولتين . و بعبارة أخرى فإن جامعة الدول العربية تقوم بوظيفة " اتصالية" بين القيادات العربية تمهد بالتالي لتسوية المنازعات.
 الصورة الثانية : هي اجتماع رؤساء و ملوك الدول العربية في إطار الجامعة من أجل تسوية نزاع عربي ، و من أمثلة هذه الصورة اجتماع القمة العربية في أكتوبر 1976 للنظر في الحرب الأهلية في لبنان، و هو الاجتماع الذي أسفر عن وضع التشكيل النهائي لقوات الردع العربية في لبنان.
و بالإضافة إلى مؤتمرات القمة العربية ، تلعب اجتماعات مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية دورا مؤثرا في دراسة الملفات العالقة تمهيدا لعرضها على مؤتمر القمة بهدف إيجاد تسوية سلمية للمنازعات العربية.
الفصل الثاني : جامعة الدول العربية و تسوية المنازعات :
حتى نتمكن من معرفة مدى نجاح جامعة الدول العربية في مجال تسوية المنازعات التي قد تثور بين أعضائها ، ارتأينا أن نشير و لو بشكل مقتضب إلى مميزات المنازعات العربية ، إذ أن هذه المنازعات تتميز بمجموعة من الخصوصيات تجعلها تتميز عن غيرها مما يجعل إيجاد حل لها أمرا في غاية الصعوبة و التعقيد ، ويمكن إيجاز هذه المميزات في الجدول التالي الذي يعطي بعض الأمثلة للمنازعات العربية و بعض النقط التي تساهم في إبراز خصوصياتها :
تسويته دور الجامعة الأنظمة المتنازعة طبيعته أطرافه تاريخ النزاع
انتصار أحد الأطراف محدود -- داخلي حرب أهلية يمنية 1948
وساطة مصرية سعودية لم تتدخل الجامعة وسط- وسط -- سوريا- لبنان 1949
الأمم المتحدة لم تتدخل الجامعة تقدمي –وسط حدودي مصر- السودان 1958
إنشاء لجنة مختلطة لترسيم الحدود إرسال قوات طوارئ عربية لم تقم بأي دور يذكر تقدمي- محافظ حدودي العراق- الكويت 1961
اتفاق ثنائي الدعوة إلى تكوين لجنة وساطة محافظ- تقدمي حدودي المغرب-الجزائر 1963
اتفاق ثنائي دور الأمين العام في إنشاء لجنة وساطة وسط- تقدمي حدودي اليمن ش-اليمن ج 1972
اتفاق ميثاق الطائف لعب الأمين العام دور التوصل لاتفاق الأطراف -- -- حرب أهلية لبنانية 1975
الأمم المتحدة لم تتدخل الجامعة تقدمي- محافظ حدودي العراق- الكويت 1990
المصدر
من خلال هذا الجدول يمكن أن نلاحظ أن المنازعات العربية تتميز بالخصوصيات التالية :
- أغلب هذه المنازعات هي منازعات حدودية مما يجعل حلها صعبا بالوسائل الدبلوماسية ، لذلك كان من الممكن للجامعة العربية أن تضع جهازا مكلفا بترسيم الحدود العربية بين كافة الدول العربية التي تعرف منازعات بهذا الشأن في ظل توافق الأطراف المتنازعة و كافة الدول العربية .
- هذه المنازعات في أغلبها منازعات بين الأنظمة المحافظة و الأنظمة التقدمية ، مما يهدد بتوسيع النزاع فتنظم الدول التقدمية لمساندة حليفتها و العكس كذلك و لو كان ذلك فقط عن طريق التصويت داخل أجهزة الجامعة ، بالإضافة إلى ذلك فإن مما يزيد في حدة هذه النزاعات ، تدخل القوى الكبرى في النزاع - وخاصة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي- مما يصعب معه التوصل إلى حل للخلاف.
- هذه المنازعات هي منازعات متكررة ، إذ إن النزاع و نظرا لكونه لم يحل في المرة الأولى بشكل فعلي ما يلبث أن يظهر من جديد (حالة النزاع العراقي-الكويتي).
و أخيرا يمكن الإشارة إلى أن هذه المنازعات يتم حلها في الغالب خارج إطار الجامعة العربية إما عبر اللجوء إلى الاتفاق الثنائي أو إلى منظمات دولية أو إقليمية أخرى.
و إذا كانت هذه إشارة بسيطة لبعض مميزات النزاعات العربية ، فإلى أي حد نجحت الجامعة العربية في تسويتها ؟
إن الحديث عن جامعة الدول العربية و دورها في تسوية المنازعات يتطلب، بعد الإطلاع على وسائل التسوية وكنتيجة ، الحديث عن النجاح و الفشل اللذان واجها الجامعة العربية في محاولاتها تسوية النزاعات و عن الأسباب الكامنة وراء هذا النجاح أو الإخفاق.
صنف البعض النزاعات العربية من خلال دور الجامعة العربية فيها إلى أربعة أنواع :
 نزاعات لم تتدخل فيها الجامعة.
 نزاعات حاولت التدخل فيها و لم تتقدم.
 نزاعات تدخلت فيها، لكن النجاح كان محدودا.
 نزاعات تدخلت فيها الجامعة و كان النجاح فيها بكفاءات عالية.

المبحث الأول : عن النجاح
إذا كان لا بد من الحديث عن النجاح فسيكون ذلك في إطار النوعين الأخيرين، فهل هناك فعلا نجاح فعال وآخر محدود في تسوية النزاعات العربية من طرف الجامعة ؟
أ – منازعات أسهمت الجامعة في تسويتها بكفاءة عالية :
لقد استعملت الجامعة العربية العديد من الوسائل و الآليات قصد محاولة تسوية النزاعات العربية العربية، و هو ما تم الحديث عنه آنفا. لكن هل أفلحت هذه الوسائل ، سواء منها الأصلية أو المستحدثة إن صح التعبير، في حل نهائي لبعض هذه المنازعات ؟
من خلال العديد من الكتابات التي تحدثت عن دور الجامعة في تسوية المنازعات المحلية، يتبين بأن تقييم هؤلاء الباحثين في هذا المجال، يذهب في الغالب إلى وجود دور إيجابي في التسوية النهائية لنزاعات معينة مثل: النزاع العراقي-الكويتي لسنة 1961 و الحرب الأهلية اللبنانية لعام 1975، و كذا دورها في حل الأزمة بين اليمنين سنة 1972.
و بغض النظر عن النقاش الذي يمكن أن يدور حول الوسائل المتبعة في حل هذه النزاعات، هل هي وسائل منصوص عليها في الميثاق أو كونها مستنتجة من تطور عمل الجامعة في مجال التسوية و مدى قانونية هذه الأخيرة، بغض النظر عن كل هذا، فإن الاعتراف بوجود مجهود حقيقي و واضح من طرف الجامعة في حل النزاعات السالفة الذكر، هو مسألة لا جدال فيها، لكن هل هذه الجهود/الوسائل قد أنهت هذه النزاعات فعلا؟ أم أنها فقط قامت بإخمادها إلى حين ؟
بالنسبة للنزاع العراقي الكويتي و الذي كان حدوديا في ظاهره، و رغم شكل التسوية و تدخل قوات الطوارئ العربية، فقد ظهر من جديد سنة 1973، و تدخلت الجامعة من جديد، و أسفرت جهود أمينها العام عن إنشاء لجنة مختلطة لترسيم الحدود، لكن العراق و الكويت لم ينهيا نزاعهما، رغم هذا كله، فظهر النزاع من جديد و لو في ظروف أخرى و أشكال أخرى، هذه المرة سنة 1990 و لا زال إلى اليوم و ربما مستقبلا.
و بالنسبة للأزمة اللبنانية، فرغم ما قامت به الجامعة و أمينها العام - بالخصوص- لتسوية الأزمة (التوصل إلى اتفاق لإطلاق النار) ، فإن تطور الأحداث أدت إلى انهياره و بالتالي تصاعد الأزمة ثم اجتماع وزراء الخارجية، و الإقرار بدور الجامعة بتكليف الأمين العام على البقاء في اتصال مع الأطراف، مما أدى إلى توصله إلى اتفاقيات سلام مهدت لتهدئة الأزمة .
فرغم هذا كله، فإن الحرب الأهلية بكل تداعياتها، و تأثيراتها على المنطقة استمرت إلى ما بعد ذلك لسنين طويلة إلى حدود ميثاق الطائف.
أما الأزمة بين شطري اليمن و التي هي حدودية ، شأنها شأن أكثرية النزاعات العربية، حيث لعب الأمين العام دورا هاما لمساعدة لجنة خاصة لتحقيق المصالحة، و نتج عن هذه الجهود حل الخلاف، بل شجعها على الوحدة (أي الاتفاق) خلال المباحثات التي دارت بينهما، و تم توقيع اتفاق اتحاد في نفس السنة (1972). و لكن الخلاف عاد من جديد سنة 1979، فلا اتفاقية السلام حلت المشكل الحدودي و لا اتفاقية الاتحاد أدت إلى تكوين دولة يمنية واحدة، بل ما نشهد الآن (أي وجود دولة يمنية واحدة) هو نتاج لسيناريو أحداث انتهت بعنف شديد بين الطرفين، فكانت الوحدة محصلة لإرادة المنتصر.
من خلال هذه الأمثلة، و هذه السيناريوهات يظهر لنا أن ما يسميه البعض بعمل للجامعة في حل بعض النزاعات بشكل فاعل لا يعدو أن يكون محاولة منها، أي جامعة الدول العربية، أسفرت فقط على إخماد هذه النزاعات إلى حين.
لهذا يطرح السؤال التالي في هذا الصنف من النزاعات، و الذي له تسمية –منازعات تدخلت فيها الجامعة بكفاءة عالية- في هذا النوع من النزاعات، هل قامت الجامعة فعلا بدور في حلها ؟ أم أنها فقط قامت بإدارتها ؟ مما أدى إلى تهدئتها، و لكن أيضا انفجارها بعد ذلك من جديد.
و بالتالي، إذا كان دور الجامعة قد اقتصر على إدارة الأزمات بدل حلها، فيمكن القول أن هذه المحاولات، و التي تزامنت مع بداية كل نزاع، كانت مجرد فرص ضائعة.
ب- منازعات كان نجاح الجامعة فيه محدودا :
باتباعنا لنفس المنطق أي وجود نجاح على مستويين : فإنه يصعب حقيقة الذهاب مع هذا التصنيف إلى النهاية، فيما يعتبره البعض من صنف النجاحات عالية الكفاءة، و يعتبره البعض الآخر نجاحا محدودا، و العكس صحيح، بل ما يكون نجاحا محدودا قد يعتبر في نظر البعض فشلا.
سنعتبر أن محدودية نجاح الجامعة يرجع بالأساس إلى محدودية دورها، بل و فشلها في حل هذا النزاع أو ذاك لسبب أو لآخر، كأزمة الضفة الغربية لسنة 1950 و النزاع المغربي-الجزائري لسنة 1963 .
ففي الضفة الغربية، الأزمة اعتبرت بمثابة أول أزمة حقيقية تواجه الجامعة، و نتجت عن قرار البرلمان الأردني بضم الضفة الغربية إلى الأردن ، مما أسفر عن معارضة جل دول الجامعة، و بعد الأخذ و الرد و الدخول في المتاهات القانونية، بل و المطالبة بطرد الأردن. و ما أسفر عن كل هذا من إشكالات، كمسألة من يمثل الفلسطينيين، و الجهات المختصة داخل الجامعة للنظر في المسائل القانونية، بعد كل هذا، توصلت الجامعة إلى حل توفيقي من خلال مجلسها و اللجنة السياسية المنبثقة عنه، تعهدت الأردن بكون الضم هو مسألة مؤقتة في انتظار تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، هذه النتيجة رغم أنها هدأت الأمور شيئا ما بين الدول الأعضاء، لكنها أبقت المشكلة (الضفة الغربية ، و تمثيلية الفلسطينيين)، حيث أن الأردن كانت تحتج على وجود حكومة عموم فلسطين، و المؤازرة من طرف بعض الأعضاء والتي حضرت اجتماعات الجامعة، و كانت تحتج بعد ذلك على منظمة التحرير باعتبارها منذ الإنشاء، ممثلا شرعيا و وصيا للشعب الفلسطيني، لذلك فشكل التسوية كان محدودا للغاية .
أما بالنسبة للنزاع المغربي-الجزائري سنة 1963، فقد عقد مجلس الجامعة اجتماعا غير عادي في 19 أكتوبر من هذه السنة ، أصدر قرارا يدعو فيه الدولتين إلى سحب قواتهما إلى مراكزهما السابقة، مع تكوين لجنة وساطة لاتخاذها ما يقتضيه حسم النزاع بالطرق السلمية، اعترض المغرب على هذا القرار لأسباب معينة، مما أدى إلى فشل المبادرة، و بالتالي فشل دور الجامعة، و انتقال النزاع إلى جهات أخرى. و لكن الاتصال المباشر بين قائدي البلدين في مؤتمر القمة في القاهرة سنة 1964، كان بداية لاتخاذ تدابير لإنهاء النزاع. هذه المحدودية، إن لم نقل الفشل في النجاح، هي في الحقيقة السمة التي اتصف بها دور الجامعة في تسوية المنازعات العربية بشكل عام.
لقد لاحظنا أن النجاح التام في تسوية جل إن لم نقل كل النزاعات و التي وصف دور الجامعة في حلها أنه كان فعالا و حاسما، لا يعدو أن يكون في محصلته النهائية مجرد دور محدود شأنه شأن باقي النزاعات الأخرى التي تحدثنا عنها في إطار التقسيم الأخير. و لهذا يمكن وصف ما سمي بالدور الإيجابي لجامعة الدول العربية في التعامل مع بعض المنازعات العربية بكونه دورا محدودا على وجه العموم ، و ذلك إذا اعتبرنا أن إخماد أو تهدئة بعض النزاعات هو التخفيف من حدتها .
بطبيعة الحال ، صفة المحدودية هي السمة القصوى لهذا الدور والتي يمكن اعتبارها (تجاوزا) بالإيجابية ، باعتبار أن هناك فشل حقيقي لهذا الدور كذلك على مستوى نزاعات أخرى .
و قبل الحديث عن هذا الفشل يمكن طرح التساؤل التالي : هل الجامعة مؤهلة أصلا لحل هذه النزاعات حلا نهائيا و شاملا بالوسائل المتاحة وفق الظروف الدولية والإقليمية لكل نزاع ؟ ثم إذا كنا قد اعترفنا بالنجاح المحدود ، هذا النجاح كان بوسائل مستحدثة غير منصوص عليها في الميثاق ، فهل كانت هذه الوسائل المستحدثة فعلا على مقاس هذه النزاعات و ظروفها الموضوعية ، بل و ظروف المنطقة على وجه العموم ؟ أم أنها كانت قاصرة عن ذلك ؟
المبحث الثاني : عن الفشل
بالرغم من الوسائل المتاحة للجامعة في مجال تسوية المنازعات - دون النظر إلى قصور المادة الخامسة من الميثاق- خصوصا الوسائل المستحدثة ، سواء المساعي الحميدة للأمين العام أو دبلوماسية مؤتمرات القمة ، إلا أنه و مع ذلك ظلت مساهمة جامعة الدول العربية في مجال تسوية المنازعات العربية- العربية غير ذات أهمية بالمقارنة مع الوسائل الأخرى .
فمن خلال الدراسات المنجزة في هذا الإطار اتضح أنه خلال الفترة ما بين 1945 و 1981 بلغت نسبة حل المنازعات العربية عن طريق الاتفاق الثنائي بين الأطراف نسبة 84.32 % ، و وساطة بلد عربي نسبة 10.44 % ، في حين اقتصر دور الجامعة العربية على نسبة قدرها 8.95 % . فهذه النسبة الأخيرة تبين لنا مدى محدودية الدور الذي قامت به الجامعة في مجال تسوية المنازعات. إذ أن هناك نزاعات لم تتدخل فيها، و هناك نزاعات تدخلت فيها لكن دون تحقيق أي نجاح يذكر في عملية تسويتها، و انطلاقا من سرد بعض هذه النزاعات، سنحاول تبيان الأسباب التي تجعل مساهمة الجامعة في تسوية المنازعات العربية- العربية بهذه الضآلة.
أ – منازعات لم تتدخل الجامعة في تسويتها :
و نقصد بهذه الطائفة من المنازعات، تلك التي تجاهلتها الجامعة تماما و لم تلعب أي دور- لا من قريب و لا من بعيد- في محاولات تسويتها، و من دلك النزاع السوري اللبناني سنة 1949، و حرب الخليج الثانية التي أظهرت فيها الجامعة ضعفا كبيرا وعجزا مطلقا عن مواجهة الموقف.
ففي 10 مارس 1949، دخل مجموعة من الجنود السوريين على متن سيارات الجيش السوري و قاموا بقتل أحد الفلسطينيين المتعاونين مع إسرائيل، فتم اعتقالهم من طرف رجال الدرك اللبنانيين، و بدأت لبنان التحقيق معهم ، فكان ذلك إعلانا ببدء تأزم للعلاقات السورية اللبنانية.
و الملاحظ أن هذا النزاع وجد حله خارج جامعة الدول العربية، إذ أن النزاع السوري اللبناني لم يقدم داخل مجلس الجامعة العربية، كما أن الأمين العام لم يتدخل بالمرة في هذا النزاع، إذ تم حل النزاع عن طريق وساطة مصرية- سعودية.
و نلاحظ ، أنه خلال المناقشات التي دارت بين طرفي النزاع، اقترحت لبنان في مشروعها المقدم لهيئة التحكيم، ضرورة الإشارة في حيثيات الحكم إلى ميثاق الأمم المتحدة و بالخصوص المادة (33) مع استبعاد أي ذكر لميثاق الجامعة العربية. إلا أن سوريا اعترضت على هذا الاقتراح، و اقترحت بالتالي الإشارة إلى ميثاق جامعة الدول العربية باعتباره الرباط الذي يربط بين الدولتين، غير أن لبنان رفضت ذلك مما أدى في النهاية إلى الاكتفاء فقط بذكر المبادئ العامة للقانون الدولي العام مع ذكر صلات حسن الجوار و الأخوة بين البلدين الشقيقين .
و تبقى أخطر الأزمات التي واجهتها الجامعة، منذ تأسيسها، و التي كانت سببا لإثارة العديد من التساؤلات حول مصداقيتها و نجاعتها، و هي حرب الخليج الثانية، و إن كنا لا نجادل في كون العراق، قد خرق مقتضيات القانون الدولي بهجومه على دولة ذات سيادة -الكويت- فإن النزاع انطلاقا من نص المادة 52 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة كان من المنطقي إن يسوى في إطار جامعة الدول العربية.
فالجامعة خلال هذه الأزمة عرفت تقدما لا مثيل له في تاريخها، حيث تميزت بالصراعات و الخلافات بين القادة العرب لا سيما بعد مؤتمر القاهرة، حيث تميزت جلساته بالتذبذب في المواقف، بين الرفض و القبول و الامتناع، بل هناك من القادة العرب من ذهب إلى عدم جدوى اجتماع القاهرة على اعتبار أن جدول الأعمال لم يكن محدد بشكل واضح ، حيث تحول النقاش عن أزمة الخليج إلى الحديث في موضوع نقل مقر الجامعة من تونس إلى القاهرة، فهل موضوع انتقال المقر، أهم من تسوية نزاع بين دولتين عربيتين عضوين في الجامعة ؟ أم أن ذلك لم يكن اعترافا ضمنيا من جامعة-الدول العربية- بعجزها عن تسوية الخلاف.
ب - منازعات تدخلت الجامعة دون نجاح في عملية تسويتها:
وهي تلك المنازعات التي حاولت الجامعة أن تلعب دورا معينا في عملية تسويتها غير أنها لم تحقق أي نجاح يذكر، و نقصد بذلك دور الجامعة في الأزمة اليمنية سنة 1948، و في النزاع المصري السوداني سنة 1958.
فلقد اعتبرت الحرب الأهلية التي اندلعت في اليمن سنة 1948، أول نزاع تدخلت فيه الجامعة، كما أنها من المنازعات التي لم تظهر الجامعة كفاءة ذات شأن في تسويتها، فقد انتهت الأزمة بانتصار أحد الطرفين المتنازعين و لم تتقدم الجامعة بأية مقترحات، و لم تقم بأية محاولات لتسوية الأزمة ، و كل ما قامت به كانت تتوخى من خلاله –فقط- التعرف على من تعترف به كممثل للشعب اليمني داخل الجامعة.
و بالمثل، فإن الجامعة أظهرت قدرا واضحا من اللاكفاءة في تسوية النزاع المصري-السوداني الذي نشأ حول تخطيط الحدود بين الدولتين في فبراير سنة 1958، فقد أخفقت الديبلوماسية العربية على المستوى الثنائي أو على المستوى الجامعي في تسوية النزاع، فعندما قدم مندوب السودان مذكرته إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، لم يحاول هذا الأخير أن يطلب عقد مجلس الجامعة في دورة غير عادية، كما لم تبادر أي دولة عربية بطلب عقد مجلس الجامعة، و لا لمجرد التدخل في تسوية النزاع . و قد حاولت الأمانة العامة للجامعة أن تبرر هذا الموقف بقولها أن السودان لم يطلب عقد مجلس الجامعة و أنه اكتفى بمجرد تبليغ الأمين العام للأمم ببدل مساعيه الحميدة.
وفق هذا و ذاك، فإن الجانب السوداني لم يطمئن إلى جانب جامعة الدول العربية إذ رآها خاضعة للنفوذ المصري ، لذلك فإنه بعدما قدم شكوى إلى الأمين العام ، سارع بتقديم شكوى أخرى إلى مجلس الأمن، دون انتظار نتائج المساعي الحميدة للأمين العام لجامعة الدول العربية.
من خلال ما تقدم ، سواء فيما يتعلق - بنجاح- الجامعة العربية أو فشلها في تسوية المنازعات العربية ، يمكن أن نلاحظ أن جامعة الدول العربية تبقى عاجزة عن تسوية ما قد يثور بين أعضائها من منازعات وذلك لعدة أسباب، فإلى جانب قصور الميثاق فيما يتعلق بالوساطة و التحكيم ، هناك أسباب أخرى يمكن إجمالها فيما يلي :
· فشل مشروع إنشاء محكمة عدل عربية : فالميثاق لم ينشئ جهازا خاصا ليقوم بوظيفة التسوية السلمية للمنازعات في إطار الجامعة، فيما عدا ما تشير إليه المادة 19 بشأن إنشاء محكمة عدل عربية . فرغم أن هذا المشروع كان موضوع قرارات كثيرة و اجتماعات عديدة. و رغم ما يتداول حاليا عن ضرورة الإسراع بإنشاء هذا الجهاز، فإننا نظن أن ذلك لن يحدث، على اعتبار أن الأسباب التي منعت إنشائه طوال الخمسين سنة الماضية، هي نفس الأسباب التي تمنع إنشائه حاليا. فالدول العربية لم تصل إلى درجة من النمو السياسي و الاجتماعي، و لم يتبلور بعد تضامنها و شعورها بالانتماء إلى أسرة دولية واحدة، و ذلك كله لم يؤهلها لأن تستريح لحكم القاضي الدولي لتسوية منازعاتها حتى و لو كان هذا القاضي عربيا. و بمعنى آخر، لا يرجع الأمر إلى عدم اطمئنان الدول العربية إلى قدرة الجهاز القضائي العربي المزمع إقامته على إصدار حكم موضوعي، و لكن الأمر يرجع إلى عدم اطمئنان الدول العربية إلى الحكم القضائي كوسيلة لتسوية النزاع. لاعتقادها أن هذا الحكم القضائي، إذا صدر ضدها، فسيكون ماسا بكرامتها، في حين أن التسوية الدبلوماسية تخفي تنازلات أطراف النزاع في ثوب سياسي، يجعلها لا تتأثر به، و لا تشعر بما يمس كرامتها .
· بطء التحرك الدبلوماسي العربي من أجل تسوية المنازعات الإقليمية : و يتجلى هذا البطء بالخصوص إذا ما قورن بتحرك الأمم المتحدة من أجل الغرض نفسه . فعلى سبيل المثال، نجد أنه في الخلاف الذي نشب عام 1958 بين لبنان و مصر احتاج مجلس الجامعة إلى عشرة ايام حتى يتمكن من الاجتماع ، في حين أن مجلس الأمن اجتمع بعد أقل من 24 ساعة فقط من إبلاغه، و في حالة الحرب الأهلية اللبنانية 1975 لم يجتمع المجلس إلا بعد مرور ستة أشهر على بداية الأحداث.
و يشكل هذا البطء في التحرك الدبلوماسي إحدى العوامل التي تساهم في إضعاف قدرة الجامعة على تسوية منازعاتها و عدم حصرها في نطاق إقليمي، إذ غالبا ما تكون هيئة الأمم المتحدة من يتخذ قرارات بشأن هذه النزاعات، و للخروج من هذا المأزق يستحسن أن تعمل الجامعة على التدخل أو على الأقل الاجتماع مع البوادر الأولى للنزاع و عدم انتظار تطوره إلى إغلاق للحدود أو عمل مسلح و ما إلى ذلك.
· التدابير العسكرية : لا يخفى على أحد، ما يمكن أن تلعبه القوات العسكرية داخل منظمة أريد لها أن تكون أداة لتحقيق الأمن و السلم داخل منطقة معينة و لا أدل على ذلك الدور الذي تقوم به قوات حفظ السلام الأممية في معظم أنحاء العالم، إلا أن هذا ما لا نجده داخل الجامعة العربية إذ لم تتدخل الجامعة عسكريا إلا مرتين :
المرة الأولى، حينما شكلت قوات الطوارئ العربية التي أرسلت إلى الكويت ؛ و المرة الثانية، أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.
و في الحالة الأولى لم تستطع قوات الطوارئ الدولية العربية الوصول إلى الكويت، إلا بعد أن زال الخطر الذي كان يهدد دولة الكويت، و الذي من اجله أنشئت هذه القوة.
في الحالة الثانية لم تنجح قوات الطوارئ العربية في فصل الأطراف المتشابكة إلا بعد أن تدخلت القوات السورية في لبنان، و لم يوجد سند لهذا التدخل العسكري السوري، إلا بعد اجتماع مؤتمر القمة العربي في دجنبر 1976، و أسبغ على القوة العسكرية السورية الشرعية الدولية .
بالإضافة إلى ذلك، فإنه من الملاحظ أن دور الجامعة يختلف – من حيث فعاليته و أدائه – باختلاف الظروف و الأطوار التي تمر بها العلاقات العربية – العربية، فكلما سادت الوطن العربي درجة من الهدوء والوفاق بين الأقطار العربية، كلما انعكس ذلك على الجامعة قوة ودعما، والعكس بالعكس. ولعل أكبر دليل على ذلك، ما آل إليه وضع الجامعة على إثر التدهور الذي أصاب العلاقات المصرية العربية بعد توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، فقد أدى ذلك إلى حدوث انعكاسات خطيرة ليس فقط فيما يتعلق بأدائها الوظيفي، وإنما فيما يتصل ببنيتها الهيكلية، وهو أمر لم يحدث من قبل ومنذ قيام الجامعة، كما أن التدخل الخارجي الذي يتم بشكل غير مباشر يؤدي إلى إعاقة الجامعة في مواجهة المنازعات العربية التي تكون محلا لهذا التدخل، حيث إنها ـ في مثل هذه الحالة ـ تكون أمام نزاع أو موقف أو أزمة ذو ثلاث مستويات : المستوى الداخلي أو المحلي، المستوى الإقليمي والمستوى الدولي.
ويتصل بعامل التدخل الخارجي، موقف الدول الكبرى إبان مرحلة الحرب الباردة وبصفة خاصة موقف الدولتين العظميين من النزاع الذي تنظره الجامعة ، فقدرة الجامعة كانت تتوقف في جانب كبير منها على طبيعة اتجاهات السياسة الخارجية للدولتين العظميين اتجاه النزاع، فكلما كانت مواقف الدولتين العظميين سلبية اتجاه نزاع معين، كلما تعذر على الجامعة معالجته .
أما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبزوغ أحادية قطبية أمريكية مهيمنة على جميع القضايا المعروضة على المستوى الدولي ، فإن مواقف جامعة الدول العربية تتماشى في أحسن صورها مع المواقف الأمريكية بعيدا عن ترجمة نبض الشارع العربي من المحيط إلى الخليج.
والقضية التي تبرز الآن هي التالية : إذا كانت هذه أهم خصائص دبلوماسية جامعة الدول العربية في تسوية المنازعات ، وهذه هي أهم الظروف التي تؤثر بدرجة ملحوظة بالسلب على أداء الجامعة في مجال تسوية المنازعات، فإننا يمكن أن نستنتج أن دور الجامعة في هذا الشأن سيظل محدودا وهامشيا على العموم ، وهو أمر يجعل من اللازم على الجامعة أن تعيد النظر في نظامها ومواثيقها كليا، وفي الظروف التي تعمل في إطارها. وذلك بهدف تمكينها من تحقيق درجة من المواءمة المطلوبة مع المعطيات المعاصرة للواقع العربي والدولي، خصوصا في الوقت الراهن والذي يتحدث فيه البعض عن نظام إقليمي بديل لجامعة الدول العربية يمثله مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي بدأت تنادي به الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إدماج إسرائيل في محيطها الجهوي الإقليمي وخلق تجمع بديل لجامعة الدول العربية.
وفي ختام هذه الدراسة نورد مقولة أساسية للأستاذ أحمد الرشيدي تذكرنا بوضع الجامعة الحالي، إذ يقول :" إن الجامعة العربية بوضعها الراهن، تعيد إلى الأذهان تجربة عصبة الأمم، فإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد عصفت بهذه التجربة بعد نحو ربع قرن من قيامها وتمخضت عن ميلاد منظمة الأمم المتحدة أخذت في الاعتبار دروس المنظمة السابقة عليها وتجاربها، فإن الوضع الراهن للعلاقات العربية يفرض اتخاذ خطوة مماثلة 

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2014 عدد الزوار: 1353452