دخول السجن الذي نطلق عليه اسم (مركز أصلاح وتأهيل) هو أشد عقوبة تمس حق الانسان في العيش بحرية وكرامة، غير أن التشريعات الجزائية الاردنية لاتقيم وزنا لحرية وكرامة مواطن دخل السجن موقوفا ثم خرج منه بعد أن ثبتت براءته. واذا حكمت المحكمة على مواطن بالسجن لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر فان استبدال عقوبة الحبس بالغرامة المالية سلطة تقديرية للقاضي له أن يستبدل وله أن يرفض.
المادة 27 من قانون العقوبات تقول (اذا حكم على شخص بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر يجوز للمحكمة التي أصدرت الحكم أن تحول مدة الحبس الى الغرامة على أساس دينارين عن كل يوم وذلك اذا اقتنعت المحكمة أن الغرامة عقوبة كافية للجريمة التي أدين بها ذلك الشخص)، غير أن من وضع هذا النص على مبدأ (ولا تقربوا الصلاة..) وسكت لم يقل شيئا عن انسان يتقرر توقيفه في السجن على حساب قضية لأيام أو أسابيع ثم تحكم المحكمة ببراءته من الجرم الذي أسند اليه، وما اذا كان هذا المواطن يستحق أيضا التعويض بواقع دينارين – على الاقل – عن كل يوم قضاه في السجن!!.
أعرف أشخاصا قضوا أشهرا في السجن ثم حكمت المحكمة ببراءتهم، ولكنهم لم يهتفوا (يحيا العدل) كما هو معتاد في الافلام المصرية، وذلك لأن العدل دمر حياتهم الاجتماعية والاسرية وفي النهاية منحهم شهادة براءة لم يسمع بها أحد ولا هي قادرة على جبر الضرر الذي حطم مستقبلهم.
مواطنون لديهم زوجات وبنات وأبناء في المدارس ، وما أن دخل رب البيت السجن حتى انتشر الخبر في كل الحي والقرية والمدينة وكلما انتقل من شخص الى شخص أضافوا اليه كلمة ونعتوه نعتا جديدا حتى أصبحت الحبة قبة فلا الابناء قادرون على رفع رؤوسهم في المدرسة أو الحي ولا بقيت للبنات فرصة للزواج والمستقبل ، هذا اذا لم تنحرف الاسرة حين انقطع مصدر إعالتها وفي النهاية تظهر الحقيقة للقاضي فيحكم بالبراءة، ولكن المجتمع لا يريد أن يصدق ويصر أن لادخان بدون نار ، وأن البراءة كانت فقط لعدم كفاية الادلة ولبراعة المتهم في إخفاء خيوط الجريمة، و حتى لو كان الحكم بالبراءة فان المجتمع سيجلد المتهم بالشبهات والتساؤلات : لماذا وضع نفسه في ذلك الموقف،, ولماذا صاحب فلانا وفلانا، ولماذا جلب الى نفسه (البهدلة).. الخ.
ان مائة براءة تعجز عن غسل أثار دخول السجن لأيام ، ومع ذلك فليس لهذا البريء حق في طلب تعويض من وزارة العدل ؟!! ليس له حق التعويض عن سمعته وحجز حريته ولا عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحق بأسرته ، ولا حتى المعاملة بمثل ما يعامل به استبدال عقوبة الحبس بالغرامة بواقع دينارين عن كل يوم ،, هل هذا عدل أم كيل بمكيالين ؟؟.
لا يحق لهذا البريء أن يسمع كلمة آسف ولا أن يتسلم كتاب اعتذار من النيابة العامة أو وزارة العدل وعليه أن يحمد الله بما آلت اليه الامور وأن يشكر العدالة.
في كندا حصل مواطن سوري على تعويض عشرة ملايين دولار بسبب توقيفه مائة يوم أثر الاشتباه بانتسابه الى منظمة ارهابية فتبينت براءته، وفي معظم دول العالم يحق للمتهم البريء أن يطالب بالتعويض عن المدة التي قضاها في السجن ، إلا نحن اكتفينا باستضافته في الجويدة مجانا.
المحامي محمد الصبيحي