... / إني إخترتك يا وطني حبا و طواعية / حكومة النابلسي أول حكومة ائتلاف حزبي وأول حكومة منبثقة من البرلمان في تاريخ الأردن
حكومة النابلسي أول حكومة ائتلاف حزبي وأول حكومة منبثقة من البرلمان في تاريخ الأردن
أرسل لصديق طباعه

في 1 تشرين الأول 1956 تم تأليف وزاره انتقاليه برئاسة ابراهيم هاشم مهمتها اجراء انتخابات نيابيه فجرت الانتخابات في جو من النزاهه والحريه ونجح فيها ممثلو عدد من الاحزاب والتنظيمات السياسيه مثل الحزب الوطني الاشتراكي وجماعة الاخوان المسلمين والحزب العربي الدستوري والجبهه الوطنيه وحزب البعث العربي الاشتراكي . وعلى أثرهذه الانتخابات فقد تشكلت الحكومة التي فازت فيها أحزاب المعارضة السياسية بأغلبية مقاعد مجلس النواب التي لم تزد حينها عن أربعين مقعداً ، نصفها عن الضفة الشرقية ونصفها الآخر عن الضفة الغربية. وعلى أثر تلك الانتخابات ، التي اعتبرت من أكثر الانتخابات الأردنية حرية ونزاهة ، كلف جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال ، سليمان النابلسي زعيم الحزب الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد ، وهو الحزب الوطني الاشتراكي ، بتأليف الحكومة الجديدة ( علما ان رئيس الحكومه المكلف سليمان النابلسي لم يفز في منطقته الانتخابيه ولكن بصفته زعيم حزب فائز اصبح رئيسا للوزراء ) . وهكذا شكل النابلسي حكومته من أحد عشر وزيراً ، بينهم ستة من أعضاء الحزب الوطني الاشتراكي وممثل واحد عن حزب البعث والجبهة الوطنية القريبة من الحزب الشيوعي الأردني ، وبقية الوزراء من المستقلين . وقد فازت الحكومة بثقة شبه مطلقة في مجلس النواب ، اذ صوّت لصالحها 39 نائباً بمن فيهم نواب جماعة الاخوان المسلمين ، وحجب الثقة عنها نائب واحد ، هو الشيخ أحمد الداعور ممثل حزب التحرير. وبذلك فإن حكومة النابلسي كانت أول حكومة ائتلاف حزبي وأول حكومة منبثقة من البرلمان في تاريخ الأردن ، بدأت حكومة النابلسي اعمالها في 29/10/1956 واستمرت حتى تاريخ 13/4/1957 وعرفت حكومة النابلسي ضغوطا متباينة ، فمن جهة كانت الجماهير والاحزاب القومية والوطنية تضغط باتجاه تحرري وخاصة نحو التنسيق والتعاون مع مصر وسورية وكانت القوى المحافظة تضغط باتجاه واضح للتفاهم مع الغرب ، وخاصة الولايات المتحدة ، وبشكل اخص بعد اعلان مبدأ ايزنهاور ، ثم مع النظام الملكي العراقي ومع السعودية التي اظهرت (تفهماً ظاهراً للسياسة الاميركية الجديدة) كما كانت تردد وسائل الاعلام الرسمية بكلمة كانت (الدولة) وكانها تطير بجناحين مختلفين وتعمل على موجتين متباينتين . كانت الاحزاب القومية (كالبعث والشباب القومي) والوطنية (كالحزب الشيوعي والحزب الوطني الاشتراكي والشخصيات المستقله) ..كان هؤلاء يعيشون (احلى ساعاتهم) فقد حصلت الاحزاب على مجال واسع من الحريات العامة ، وتزاحمت فيما بينها بصحافتها وبنياتها التنظيمية ، ومهرجاناتها على كسب اوسع ما يمكن من الشارع السياسي من المثقفين والجماهير ، ومقابل هذا التيار كان هناك المحافظون وتمثلوا تنظيمياًُ بالاسلاميين ، وكان (الاخوان المسلمون) القوة السياسية البارزة ، ووقفت معهم القوى المحافظة من زعماء القبائل وكبار الملاكين والتجار . هذه (الايام السعيدة) لم تطل كثيراً . وعلى الرغم من ان حكومة النابلسي حققت انجازات مهمة مثل توقيع (اتفاقية التضامن العربي)مع مصر وسورية والسعودية في 1957/1/19 التي وفرت البديل المالي للمعونة البريطانية التي كانت تقدم للاردن منذ اوائل العشرينات ، ونتج عن هذه الاتفاقية (ان تمكنت الحكومة الاردنية من السير في المفاوضات مع بريطانيا ، حيث وقع الطرفان على اتفاقية جديدة يتم بموجبها انهاء المعاهدة لعام 1948 مع ملاحقها وجلاء القوات البريطانية عن الاردن خلال فترة لاتتجاوز ستة اشهر ووقعت هذه الاتفاقية في 1957/3/13 )كما اصدر مجلس الوزراء قراراً بانشاء علاقات دبلوماسية مع روسيا ، وكشف نيته في اقامة علاقات مماثلة مع الصين الشعبية . بالاضافة لذلك ، فان مجلس الوزراء الاردني اتخذ قرارات باحالة بعض كبار الموظفين الى التقاعد ، واجراء تنقلات واسعة ، والاهم - كما يقول مؤلفا (تاريخ الاردن) - ان رئيس اركان الجيش - علي ابو نوار - اخذ يولي انصاره المناصب المهمة في الجيش ويقصي عن الخدمة عدداً من الضباط الاكفياء ..وفي 1957/4/8 قامت بعض الوحدات العسكرية بمناورة (اتخذت فعلا شكل تطويق للعاصمة ) . وفي 1957/4/10 (طلب الملك من رئيس وزرائه ان يقدم استقالته فوراً وتشكلت وزارة انتقالية برئاسة د. حسين فخري الخالدي في 1957/4/15 لكنها ما لبثت ان استقالت في 1957/4/24 وتشكلت وزارة ابراهيم هاشم في اليوم نفسه . في هذه الفترة السريعة ابعدت العناصر العسكرية غير الموالية للقصر الملكي واستعاد النظام سيطرته على المؤسسة العسكرية . انفجرت الازمة بين النظام وبين الاغلبية في المجلس النيابي ، واصبح من الصعب تجنب المواجهة المكشوفة. فكيف كان موقف الاحزاب السياسية ؟ وكيف تصرفت؟ الملفت ان الاحزاب السياسية بتياراتها التحررية - القومية والوطنية - التي تمتعت بقسط كبير من الحرية حتى منتصف نيسان لم تعمل بجدية لايجاد التعاون المطلوب فيما بينها فرغم التقائها على سياسة معادية للامبريالية والرجعية ، الا انها فشلت في ايجاد صيغة تفاهم مشترك ، ولم تفلح في اقامة جبهة وطنية ، كما كان المفروض بها ان تفعل كما افتقدت اي برنامج عمل جاد للافادة من الاجواء السياسية الحرة التي عاشها الاردن قبل نيسان 1957 حين حصلت الردة الرجعية وضربت فيها كل القوى التحررية وبعد ان اعلنت حكومة ابراهيم هاشم الاحكام العرفية في البلاد في 1957/4/25 فكيف سارت الامور منذ نيسان 1957 في الاردن وحتى اوائل العام التالي ؟ من الامور الملفتة ان الكثيرين من الضباط والسياسيين الوطنيين الذين تولوا مراكز قيادية ايام حكومة النابلسي ، بل قبل توليها ، والذين عرفوا بمواقفهم السياسية التحررية تركوا الاردن الى سورية بعد احداث 13 نيسان 1957 في معسكرات الزرقاء . بعض هؤلاء سافر بموافقة النظام - علي ابو نوار - رئيس اركان الجيش - واخرون تسللوا او تركوا سراً وبالاضافة الى علي ابو نوار غادر الاردن اللواء علي الحياري - الذي عين مكان ابي نوار في رئاسة الاركان في 20 نيسان وكذلك تسلل العقيد محمود موسى - مدير جهاز الاستخبارات العسكرية - واخرون كما ان قياديين حزبيين بارزين مثل : عبد الله الريماوي وشفيق ارشيدات - كان الاثنان وزيرين في حكومة النابلسي اضافة الى فؤاد نصار ، زعيم الحزب الشيوعي ، والدكتور عبد الرحمن شقير من قيادات اليسار البارزة ، انتقلوا الى سورية ، علما بان للكثيرين من هؤلاء وغيرهم سجلا نضاليا مشرفا ولكن المهم ان هذه الظاهرة تركت اثراً سلبيا في الوسط الشعبي العام لم يكن ترك هؤلاء الساحة بالامر المريح شعبياً ز وبعيداً عن هذا الجانب السلبي ، دعت الاحزاب السياسية الوطنية والقومية لاجتماع عام في نابلس في 1957/4/22 لمناقشة الموقف السياسي والتطورات المتسارعة التي يشهدها الاردن . فكان ان دعا (المؤتمر الوطني) الجماهير للقيام باضراب عام ومظاهرات شاملة يوم 1957/4/24 وقد حضر هذا الاجتماع الشعبي الواسع قادة الاحزاب و (23) نائبا اي اكثر من نصف اعضاء المجلس النيابي ، وشخصيات سياسية مستقلة . وواضح ان تلك المظاهرات الصاخبة التي شهدتها مدن الاردن سرعت في استقالة حكومة الخالدي وتشكيل وزارة ابراهيم هاشم التي اعلنت الاحكام العرفية والتي من شأنها تعطيل الكثير من المواد القانونية التي توفر الحريات العامة وتحمي حقوق المواطن وحريته وعليه ، فقد بدات مرحلة جديدة طابعها القمع والكبت والشدة في التعامل مع المعارضة السياسية بالوانها المختلفة . وتشكلت لجنة تحقيق عسكرية اخضعت بضعة عشر ضابطاً للاقامة المنزلية ثم نقلوا الى السجن والمحاكمة. كان د. وديع حداد من اول الذين اعتقلتهم السلطات بعد اعلان الاحكام العرفية وكان حداد يعمل يومها طبيباً في وكالة الاغاثة في مخيم . النازحين في الكرامة وعثر ضباط الامن عند تفتيش اوراقه على رسالة ارسلها له د. حبش من مقره السري في عمان وفيها تقييم ايجابي للمهرجان الشعبي الكبير الذي نظمه الشباب القومي العربي قرب البحر الميت . في 1957/5/27 اعتقل الطبيبان صبحي غوشة وامين الخطيب - القدس والصيدلي نزار جردانة وحمدي مطر وعطا شنك وحسين طباخة ومحمود فجاوي والاثنان الاخيران من مخيم الكرامة -وكان مصطفى الزبري قد اعتقل في عيادة حبش في اول ايار ، واحيل المعتقلون الى التحقيق ، وقد تولاه النقيب بكر محمد علي ، ويقول الدكتور صبحي غوشة حول حادثة الاعتقال هذه (بالرغم من اعتقال المئات من المواطنين في تلك الفترة الا ان اعتقالنا اثار ضجة لاسباب عدة اهمها : مركزنا (الاجتماعي) والطبي ، فهناك ثلاثة اطباء وصيدلي (جردانة) .. وعدا عن ذلك فقد قام التنظيم بتصعيد هجومه على السلطة باعتقال هذا العدد الكبير من المواطنين من دون وجه حق . والواقع ان الشباب القومي العربي قام بحملة منظمة واسعة ضد الاوضاع الجديدة ، فعمد الى توزيع المنشورات على نطاق واسع في عمان والمناطق الاخرى كما جرى تنظيم وسائل اتصال متقنة لنقل الرسائل والمعلومات بين الدكتور حبش والتنظيم بدمشق ، حيث كانت مجلة (الرأي) تنشر تفاصيل وافية عما يجري في الاردن . بالاضافة الى ذلك ارسلت ثلاثة عناصر قيادية الى الاردن تعاون د. حبش واخوانه في التصدي للمرحلة التي تميزت بالقمع وكان هؤلاء ثابت مهايني وعدنان فرج وعمر فاضل ، فشكل الثلاثة صفا قياديا تعاون مع قيادة الاردن المتوارية عن الانظار ، التي تطاردها السلطات . ونعود لمجموعة الشباب المعتقلين حيث احيلوا للقضاء العسكري وكانت المحكمة العسكرية في احد معسكرات الجيش وكان رئيسها العقيد عبد الكريم البرغوثي واتضح من مطالعة النيابة العامة العسكرية (الرائد اميل الصناع) ان المتهم الرئيس هو الدكتور وديع حداد والتهم هي (التنظيم غير المشروع) والتامر على نظام الحكم ، ومحاولة تغيير الكيان ، وحيازة منشورات ممنوعة، وغيرها . وكانت الادلة التي قدمها الادعاء العسكري تافهة جداً لم تزد عن رسالة جورج حبش وقصاصات صحفية وكتاب عن حركة اصولية . وامام هذه الادلة وبعد مناقشة رئيس المحكمة المتهمين ، الذين اكدوا انهم دعاة للوحدة العربية التي يجب ان تتم برغبة شعبية تنادي بها الجماهير وتدفع للمطالبة بتحقيقها بالوسائل السلمية قرأ العقيد البرغوثي قرار المحكمة ببراءة المتهمين والذي تضمن (تبريرا قانونيا رائعا بتبرئتنا - ليس عدم وجود ادلة ، ولكن لان الدعوة للوحدة العربية وخاصة بين سورية والاردن لاتعتبر جريمة ، بل تعتبر مطلبا قوميا - واشار كذلك الى ادبيات التنظيم التي لم يجد فيها اي نص يخالف ذلك وتمت تبرئة جميع المتهمين سوى نزار جردانة الذي حكم عليه بغرامة خمسين ديناراً بتهمة حيازة كتب ممنوعة . كان موقف القضاء مهما بل ملفتا وخاصة عبد الكريم البرغوثي وقد تضايقت اجهزة الامن كثيرا ان يخرج الشباب بقرار قضائي بالبراءة. في شهر اب 1957 اي بعد اسابيع قليلة من حكم البراءة اعتقلت اجهزة الامن عنصراً قياديا - عدنان فرج - ووجدت بين اوراقه اسماء عدد من عناصر التنظيم .,ووقع في قبضه السلطة زهاء اربعين شابا كان بينهم قياديون اساسيون مثل وديع حداد وعمر فاضل (من لبنان) وكان الاثنان مع عدنان فرج وثابت المهايني يشكلون قيادة العمل النضالي في الاردن باشراف جورج حبش وقد استطاع المهايني التسلل الى سورية بعد انكشاف امر اخوانه . كان من بين المعتقلين الطبيبان صبحي غوشة وامين الخطيب وجردانة وعلي منكو ومنذر عنبتاوي والاخير كان من وكلاء النيابة العامة في وزارة العدل والصيدلي جميل السعدون واعتقل ايضا حمدي مطر ومحمد ربيع ومصطفى الزبري ويحيى ابو سعد وعطا شنك وسعيد جمعة وموريس عكاوي ومجموعة من الطلاب كان كثيرون منهم من نشطاء الشباب القومي العربي في مصر وقد حضر هؤلاء الطلاب لزيارة اسرهم في العطلة الصيفية فشاركوا في العمل النضالي ضمن الخلايا والوحدات التنظيمية في الاردن

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2010 عدد الزوار: 208428